فايننشال تايمز
حرب إيران تكشف التوتر الصامت بين مصر والإمارات
لم يعرف المصريون أن بلادهم أرسلت مقاتلات حربية إلى الإمارات إلا عندما زار السيسي أبوظبي هذا الشهر.
فقد أظهرت لقطات بثها الإعلام الرسمي الإماراتي السيسي، برفقة الرئيس الإماراتي محمد بن زايد، وهو يتفقد مقاتلات «رافال» المصرية بينما يؤدي نحو 12 طيارا مصريا التحية العسكرية. وقال السيسي خلال الزيارة:
«ما يضر الإمارات يضر مصر».
لكن القاهرة لم تعلن أي تفاصيل رسمية عن عملية الانتشار العسكري، التي بدت — بحسب التقرير — محاولة لاحتواء التوتر مع أبوظبي، بعد أن وجهت الإمارات انتقادات ضمنية للدول العربية بسبب ما اعتبرته تقاعسا في دعمها ضد الهجمات الإيرانية.
ومع أن مصر لطالما تجنبت الانخراط في صراعات عسكرية خارج حدودها، فإنها تجد نفسها الآن مضطرة للسير في مسار شديد الحساسية بين أمرين:
الحفاظ على العلاقة مع الإمارات، التي تطالب حلفاءها بإظهار دعم واضح
والاستمرار في لعب دور الوسيط لإنهاء الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ضد إيران
وتُعد الإمارات أحد أهم الداعمين الاقتصاديين لمصر.
ففي عام 2023 أنقذت أبوظبي الاقتصاد المصري من أزمة حادة عبر صفقة استثمارية ضخمة بقيمة 35 مليار دولار لتطوير منطقة ساحلية على البحر المتوسط.
كما تشكل تحويلات نحو نصف مليون مصري يعيشون في الإمارات مصدرا حيويا للعملة الصعبة بالنسبة للقاهرة.
ويقول محللون إن النظرة في أبوظبي بعد الحرب باتت تقوم على سؤال واحد:
من وقف معنا فعلا… ومن لم يفعل؟
وكان أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي، قد انتقد في مارس ما وصفه بفشل الحلفاء والقوى الإقليمية في الوقوف بوجه «العدوان الإيراني الغادر».
ويقول الباحث في المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدفاعية HA Hellyer إن الإمارات ترى أنها دعمت مصر بقوة طوال السنوات الخمس عشرة الماضية، ولذلك تتوقع منها مواقف داعمة عندما يتعلق الأمر بقضايا تعتبرها أبوظبي أساسية لأمنها.
وكشفت الحرب أيضا عن انقسامات عميقة داخل الشرق الأوسط، وأعادت تشكيل التحالفات الإقليمية.
وكان الانقسام الأبرز بين الإمارات والسعودية، حيث تحدث محللون عن تشكل محور يضم:
السعودية
باكستان
تركيا
مصر
وهو محور توحدت مواقفه حول اعتبار إسرائيل عاملا مزعزعا للاستقرار، وعمل على دفع جهود الوساطة لإنهاء الحرب ضد إيران.
لكن أبوظبي ظلت متشككة في هذه الجهود، خوفا من أن تؤدي التسوية إلى بقاء النظام الإيراني أكثر قوة وخطورة.
وقال مايكل وحيد حنا، مدير برنامج الولايات المتحدة في مجموعة الأزمات الدولية، إن الإمارات رأت في انخراط مصر في الوساطة نوعا من «المساواة غير المقبولة» بين الإمارات وإيران.
وأضاف:
«أعتقد أن الإماراتيين شعروا بأن الوسطاء لا يظهرون تضامنا كافيا مع موقف أبوظبي».
وأشار التقرير إلى أن القاهرة تابعت أيضا بقلق الطريقة التي تعاملت بها الإمارات مع باكستان، بعدما طالبتها أبوظبي في أبريل الماضي بسداد قرض قيمته 3.5 مليار دولار بشكل فوري، في خطوة فُسرت على أنها تعبير عن استياء إماراتي من الدور الباكستاني في الوساطة.
وبحسب الكاتب الإماراتي عبد الخالق عبد الله، فإن إرسال القوة المصرية ساهم في تخفيف التوتر بين القاهرة وأبوظبي.
وقال:
«كانت مفاجأة سارة. كنا نعتقد أن مصر مترددة وغير متعاونة».
وأضاف:
«نحن نواجه إيران شديدة العدوانية، وهذا قد يبعث برسائل مهمة إلى إيران التي أصبحت الآن العدو العام رقم واحد بالنسبة لنا».
لكن قرار الإمارات تعميق علاقاتها مع إسرائيل بعد الهجمات الإيرانية أثار غضبا واسعا داخل الشارع المصري، الذي لا يزال غاضبا أصلا من الحرب الإسرائيلية على غزة.
وشهدت وسائل التواصل الاجتماعي المصرية موجة انتقادات حادة ضد الإمارات، الأمر الذي أثار استياء في أبوظبي.
ويقول الباحث هيلير إن الرأي العام المصري «متعاطف جدا مع الإيرانيين» لأنهم — من وجهة نظر كثيرين — يتعرضون لهجمات إسرائيلية وأميركية.
ورغم مرور نحو خمسين عاما على اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، فإن السلام بين البلدين لا يزال — بحسب التقرير — «سلاما باردا لا يمتد إلى الشعوب».
وقال مايكل حنا إن المواقف الشعبية المصرية تجاه إسرائيل أصبحت أكثر تشددا منذ هجمات السابع من أكتوبر، مضيفا أن العقيدة العسكرية المصرية لا تزال تقوم أساسا على احتمال الحرب مع إسرائيل.
كما عكست الانتقادات المصرية للإمارات خلافات أعمق تتعلق بملفات إقليمية حساسة بالنسبة للقاهرة.
فالإمارات متهمة بدعم قوات الدعم السريع في السودان، التي تخوض حربا ضد الجيش السوداني المدعوم من مصر منذ عام 2023، وهي حرب تعتبرها القاهرة تهديدا مباشرا لأمنها القومي.
كما ترتبط أبوظبي بعلاقات وثيقة مع إثيوبيا، التي بنت سد النهضة الذي تعتبره مصر تهديدا خطيرا لأمنها المائي.
ويقول حنا:
«هذا يكشف حجم المأزق الذي تعيشه الحكومة المصرية، عندما يبدأ الرأي العام بملاحظة أن مصر والإمارات ليستا على توافق كامل في ملفات كثيرة».
لكن عبد الخالق عبد الله حاول التقليل من حجم الخلافات قائلا:
«حتى أقوى الحلفاء لا يتفقون مئة بالمئة… قد نكون متفقين في 80 بالمئة من القضايا، وهذا أكثر من كاف»
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.