موقع ميدل إيست مونيتور
قانون الأسرة المصري يزيد من معاناة المصريين
يترقب المصريون قانون الأحوال الشخصية الجديد الذي طال انتظاره، والمعروف على نطاق واسع باسم "قانون الأسرة"، وسط مخاوف من أنه قد يفرض قيوداً وعقوبات جديدة من شأنها أن تضع أعباءً إضافية على الأسر وتساهم في ارتفاع معدلات الطلاق وتفكك الأسر في بلد تحدث فيه حالة طلاق كل دقيقتين، وفقاً للأرقام الرسمية.
أثار مشروع القانون، الذي يتألف من حوالي 355 مادة، نقاشاً اجتماعياً ودينياً وسياسياً واسع النطاق حول شروط الزواج، وإجراءات الطلاق، والنفقة، وحضانة الأطفال، وحقوق الزيارة، والبيت الزوجي، وغيرها من القضايا الخلافية التي تؤثر على العلاقات الأسرية.
تصاعد الجدل بعد أن صرح الأزهر بأن مشروع القانون لم يُحال إليه بعد وأنه لم يشارك في صياغته.
وقالت المؤسسة في بيان لها إنها قدمت اقتراحها الخاص بقانون الأحوال الشخصية في أبريل 2019، والذي يعكس وجهة نظرها القانونية الإسلامية بشأن هذه القضية، وأنها ستصدر رأيها الديني بمجرد إحالة المسودة إليها رسمياً من قبل البرلمان.
يُعدّ الأزهر أعلى سلطة دينية في مصر والعالم العربي عموماً. ويُنظر إلى موافقته على التشريعات التي يحيلها إليه البرلمان على نطاق واسع كضمانة دستورية لضمان الامتثال للشريعة الإسلامية.
زيادة المكاسب المالية
يرى النقاد أن الفلسفة التي يقوم عليها التشريع الجديد تنبع من تركيز متزايد على ضمان مزايا مالية أكبر للنساء، وهو ما يدعمه نشطاء حقوق المرأة والحقوقيين. وقد دارت هذه النقاشات في خضم الفاجعة التي ألمّت بالمدونة المصرية بسنت سليمان، التي انتحرت أثناء بث مباشر من شرفة شقتها في الطابق الثالث عشر بالإسكندرية في أبريل الماضي.
قبل وفاتها، وصفت سليمان علنًا محنة استمرت أربع سنوات في محاكم الأسرة، حيث تنقلت بين إجراءات الطلاق والخلع (وهو طلاق تبادر به الزوجة بموجب الشريعة الإسلامية) بينما كانت تتنازع أيضًا مع زوجها السابق بشأن حضانة ابنتيهما والسكن ونفقة الأطفال.
قال محمد رجب، وهو موظف وصف معاناته مع زوجته السابقة التي تمنعه من رؤية طفليه، وتتابع تقدمهما الدراسي، بينما تواصل في الوقت نفسه رفع دعاوى قضائية ضده، وتطالبه بالمال مقابل السماح لها برؤيتهما: "لم أرَ أطفالي منذ خمس سنوات".
بموجب قانون الأحوال الشخصية المصري الحالي، الساري منذ عام ١٩٢٠، يحق للأب المطلق رؤية أطفاله لمدة ثلاث ساعات أسبوعيًا في مكان قريب من منزل الحاضن. إلا أن هذه الزيارات لا تتم في كثير من الأحيان، حيث تعزو الزوجات السابقات إلغاءها إلى المرض أو غيره من الأسباب. ويقترح القانون الجديد منح الآباء حق المبيت مع أطفالهم، مما يسمح لهم بقضاء يوم أو يومين معهم والمشاركة بشكل أكبر في تربيتهم.
بغض النظر عن النزاعات المتعلقة بالزيارة، يمنح القانون الحالي الأمهات حضانة الأطفال حتى بلوغهم سن الخامسة عشرة، ويمنحهن الحق في السكن الزوجي ونفقة الطفل بعد الطلاق. ويرى النقاد أن هذا غالباً ما يُلقي على عاتق الرجال أعباءً مالية ونفسية وأسرية كبيرة بعد فشل الزواج.
من جهة أخرى، تقول منى جاد، ربة منزل، إن زوجها السابق لا يدفع لها سوى ألفي جنيه مصري (حوالي 40 دولارًا أمريكيًا) شهريًا لها ولأطفالها الثلاثة. وتضيف أن هذا المبلغ غير كافٍ لتغطية نفقات المعيشة الأساسية في ظل الانخفاض الحاد في قيمة العملة المحلية وموجات التضخم المتكررة وارتفاع الأسعار خلال فترة رئاسة عبد الفتاح السيسي.
نقاط الخلاف
بحسب أخصائية العلاقات الأسرية مي السيد، فإن مشروع القانون يحتوي على العديد من النقاط الساخنة المحتملة التي يمكن أن تحول النزاعات الزوجية إلى معارك قانونية مطولة، وتضعف فرص الحوار والتسوية بين الزوجين، وتؤثر سلباً على الصحة النفسية للأطفال.
في حديثها مع موقع "ميدل إيست مونيتور"، حذّرت السيدة من أن بعض التعديلات المقترحة قد تُساء استخدامها أو تُطبّق بشكل خاطئ، مما قد يؤدي إلى مزيد من النزاعات الأسرية بدلاً من حلّها. وأكدت أن نجاح أي قانون للأسرة لا يُقاس بعدد العقوبات التي يفرضها، بل بقدرته على الحفاظ على استقرار الأسرة، والحدّ من النزاعات، وتحقيق التوازن بين الحقوق والمسؤوليات دون تفضيل طرف على آخر، مع إعطاء الأولوية لمصالح الأطفال.
يقول محامون متخصصون في قانون الأسرة إن العديد من الأحكام المعروضة حاليًا على البرلمان تستند إلى نماذج قانونية غربية. وتشمل هذه الأحكام مقترحات بشأن تقسيم ثروة الزوج عند الطلاق - والتي قد تصل إلى النصف أو الثلث - أو التعويض المالي للمطلقات بناءً على مدة الزواج. كما يشترط مشروع القانون على الزوج الراغب في الزواج بزوجة ثانية الحصول على موافقة خطية من زوجته الأولى، مما يفرض قيودًا على تعدد الزوجات يرى منتقدوه أنها تتعارض مع الشريعة الإسلامية.
يُجيز بندٌ آخر للزوجة طلب فسخ الزواج قضائياً خلال ستة أشهر من تاريخ إبرام العقد، شريطة ألا تكون حاملاً أو قد أنجبت، إذا ثبت أن الزوج قد حصل على الزواج بالخداع أو بادعاء صفات شخصية كاذبة. ويرى النقاد أن صياغة هذا البند فضفاضة للغاية، ويمكن استغلالها كسبب للطلاق، بينما لا يمنح الرجال الحق نفسه.
يجادل النقاد بأن الأحكام الواسعة والغامضة في كثير من الأحيان في القانون فيما يتعلق بحقوق كل طرف تغذي استقطاباً حاداً بين الرجال والنساء، وقد تساهم حتى في السلوك الإجرامي من خلال عدم مراعاة الحقائق الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يواجهها المصريون.
يشير الناشط الحقوقي محمد عبد العزيز إلى بنود تمنح الأم المطلقة حق البقاء في منزل الزوجية بناءً على حضانة أطفالها. ويجادل بأن هذه الإجراءات غير ملائمة للريف المصري، حيث يسكن الرجال غالبًا في شقق ضمن منازل العائلة الممتدة. في مثل هذه الحالات، قد تبقى المرأة المطلقة على مقربة من زوجها السابق وأقاربه، مما قد يخلق توترًا وفرصًا للانتقام.
يعتقد أحمد هاني، البالغ من العمر 30 عاماً، أن الأحكام التي تمنع الشخص الذي ينسحب من الخطوبة من استرداد الهدايا، وتصنيف المجوهرات الذهبية التي تُقدم تقليدياً كجزء من الخطوبة كهدية للعروس، ستثني الشباب عن الزواج وتساهم في ارتفاع معدلات تأخر الزواج في البلاد.
تُثير التغييرات المقترحة أيضاً معارضة بعض النساء لإعادة ترتيب مكانة الأب في تسلسل حضانة الأطفال بعد الأم. ففي السابق، كانت الحضانة تنتقل مباشرةً إلى الجدة لأم الأم إذا تزوجت الأم مرة أخرى؛ وهو ترتيب كان يسمح للمرأة المطلقة بالاحتفاظ بالسيطرة الكاملة على تربية أطفالها ومنع زوجها السابق من رؤيتهم.
التأثيرات الخارجية
تتسم نقاط الخلاف في قانون الأسرة المقترح في مصر بالتعدد والتعقيد. ويحذر النقاد من أنها قد تساهم في ارتفاع معدلات الطلاق المبكر وتفاقم النزاعات الأسرية في بلد سجل 274 ألف حالة طلاق عام 2024، وفقاً للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
لا يزال هناك خلاف كبير قائم بين الحكومة والأزهر بشأن الطلاق الشفهي. إذ ترى الحكومة أن الطلاق الشفهي لا يُعترف به قانوناً إلا إذا تم توثيقه رسمياً، بينما يؤكد الأزهر على صحته وفقاً للشريعة الإسلامية.
وقد وضع هذا الخلاف السلطة التنفيذية والمؤسسات الدينية على مسار تصادمي، لا سيما وأن الأزهر يصر على ضرورة إحالة أي تعديلات تؤثر على تشريعات الأحوال الشخصية إليه للمراجعة والموافقة.
بموجب مسودة القانون، يُلزم الزوج الذي يُعلن الطلاق شفهياً بتسجيله رسمياً خلال 15 يوماً. وقد يُعرّض عدم القيام بذلك مرتكباً لعقوبات جنائية.
تنص المادة 7 من الدستور المصري الحالي على ما يلي: "الأزهر مؤسسة علمية إسلامية مستقلة، مسؤولة حصراً عن إدارة شؤونها الخاصة. وهو المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية، ومسؤول عن الدعوة إلى المعرفة الدينية ونشر اللغة العربية في مصر وخارجها".
في المقابل، تعارض جماعات المناصرة النسوية والعلمانية الاعتماد على أي مرجعية دينية في صياغة القانون. وقد تأثر نهجها تجاه التعديلات المقترحة باتفاقيات الأمم المتحدة، ونتائج المؤتمر الدولي للسكان والتنمية في القاهرة عام ١٩٩٤، ومؤتمر بكين عام ١٩٩٥، وأطر عمل بكين+، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو). ووفقًا للأكاديمية والصحفية هبة زكريا، فقد ساهمت هذه الأطر، على مدى العقود الثلاثة الماضية، في تآكل بنية الأسرة في المجتمع المصري وارتفاع معدلات تفككها.
ترى زكريا أن الفلسفة الكامنة وراء القانون المقترح لا تُعنى كثيرًا بتحقيق التوازن بين الحقوق والمسؤوليات أو تعزيز الاستقرار الأسري والاجتماعي، بقدر ما تُعنى بإضفاء الطابع المؤسسي على الصراع، وتمكين طرف على حساب الآخر، والاستجابة لأعلى الأصوات النسوية والحقوقية. وترى أن التشريع يعتمد على مفاهيم مستوردة واتجاهات دولية لا تعكس الواقع الاجتماعي الخاص بمصر ولا تخدم مصالح مواطنيها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.