الثلاثاء، 9 يونيو 2026

لبنان على حافة هاوية حرب أهلية جديدة

 


وول ستريت جورنال  

لبنان على حافة هاوية حرب أهلية جديدة

اتفاقية وقف إطلاق النار مع إسرائيل، والتي تشترط على الحكومة تفكيك حزب الله، تعيد إشعال التوترات الطائفية


بيروت - بالكاد تستطيع الحكومة اللبنانية تلبية الاحتياجات الأساسية للدولة. فهي لا تستطيع توفير الكهرباء إلا لبضع ساعات يومياً، ويتجنب الناس عملتها المنهارة مفضلين الدولار. وجيشها ليس سوى ثاني أقوى قوة في البلاد بعد حزب الله، أو ثالث أقوى قوة إذا ما احتسبنا إسرائيل التي توسع احتلالها المستمر منذ أشهر.

كانت الخطة قد جُرِّبت بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة مع حزب الله أواخر عام 2024، وحققت بعض التقدم قبل أن تتعثر عندما تمسك حزب الله — الذي يمثل شريحة واسعة من المسلمين الشيعة في لبنان ويُعد من أقوى الميليشيات غير الحكومية في العالم — بسلاحه ورفض نزع ترسانته.

لكن الأجواء في لبنان أصبحت أكثر توتراً مع تحول البلاد إلى ساحة مركزية في الصراع الإقليمي الأوسع. فإيران تريد أن يشمل أي وقف لإطلاق النار في حربها مع إسرائيل والولايات المتحدة الساحة اللبنانية أيضاً.

وتبادلت إيران وإسرائيل الضربات بعد أن قصفت إسرائيل الضاحية الجنوبية لبيروت يوم الأحد، في عودة مضطربة للعنف وضعت وقف إطلاق النار الهش الذي يرعاه الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحت اختبار صعب.

وقد أدى الغزو البري الإسرائيلي الأخير والغارات الجوية إلى خلق أكثر من مليون نازح داخل لبنان، يعيش كثير منهم الآن في خيام على أرصفة وشوارع بيروت.

ويقول نازحون شيعة إنهم يتعرضون للتهميش والخشية من قبل سكان الأحياء والبلدات المسيحية والدرزية والسنية، الذين يخشون أن يؤدي وجودهم إلى استجلاب الغارات الإسرائيلية إلى مناطق كانت بعيدة نسبياً عن الاستهداف.

وفي المقابل، تزايد الغضب الشعبي تجاه حزب الله بسبب جرّه البلاد إلى حرب جديدة، لكن الحزب الذي أضعفته الضربات الإسرائيلية عام 2024 أصبح أكثر تشدداً، ويدعو اللبنانيين علناً إلى النزول إلى الشارع ومقاومة الحكومة.

وقال خليل الحلو، وهو جنرال سابق في الجيش اللبناني ومعارض لحزب الله:

“نعرف كيف ستبدأ محاولة نزع سلاح حزب الله بالقوة العسكرية، لكننا لا نعرف كيف ستنتهي.”

دولة لم تستكمل سيادتها

لطالما وقف لبنان على حافة التحول إلى دولة فاشلة.

فقد وجد نفسه عبر تاريخه محاصراً بين سوريا وإسرائيل والميليشيات الطائفية المسلحة، ولم يتمكن يوماً من تحقيق سيادة كاملة على أراضيه.

وانفجرت هذه الانقسامات خلال الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990، عندما تقاسمت الميليشيات الشيعية والسنية والمارونية والفلسطينية والدرزية البلاد إلى مناطق نفوذ منفصلة، تحرسها الحواجز المسلحة والإعدامات الميدانية.

وتحولت بيروت إلى مدينة مقسومة بخط أخضر يفصل بين المناطق المتحاربة.

وفي خضم تلك الفوضى، اجتاحت إسرائيل لبنان عام 1982 لمهاجمة منظمة التحرير الفلسطينية، ووصلت قواتها إلى بيروت، واحتلت أجزاء واسعة من الجنوب حتى انسحابها عام 2000.

ويرى كثير من اللبنانيين أن الغزو الإسرائيلي الحالي، وتصاعد دور حزب الله، وتعمق الانقسامات الطائفية، كلها تعيد إلى الأذهان تلك السنوات السوداء.

“أين الدولة؟”

علي الضيخ، شاب يبلغ 33 عاماً تزوج حديثاً، يعيش مع زوجته في خيمة على أحد شوارع بيروت بعد تدمير منزله والمخبز الذي كان يعمل فيه في الضاحية الجنوبية خلال الحرب الأخيرة.

يقول:

“الدولة؟ أين الدولة؟ نحن وحدنا.”

وفي منطقة الزيتونة الراقية على الواجهة البحرية لبيروت، يتناول الأثرياء الطعام في المطاعم الفاخرة قرب فندق فورسيزونز ويقيمون حفلات على اليخوت.

لكن في الشارع نفسه يعيش مئات النازحين، معظمهم من الشيعة إلى جانب فلسطينيين ولاجئين سوريين، داخل مخيمات من الخيام.

ويقول بعضهم إن ملاك العقارات في مناطق أخرى رفضوا تأجيرهم شققاً بسبب انتمائهم الطائفي.

في المقابل، فتحت مسجد القنطاري السني أبوابه للنازحين الشيعة وقدمت لهم المساعدات.

وقال إماد صبح، إمام المسجد:

“بعض المصلين غضبوا لأنني استقبلت جمهور الحزب الذي جرّ لبنان إلى الحرب.”

وأضاف:

“كانوا يخشون أيضاً أن يتحولوا إلى هدف إذا وجد عنصر من حزب الله بين النازحين.”

تصاعد الكراهية الطائفية

يقول قادة محليون إن عجز الحكومة عن ضبط حزب الله أدى إلى تنامي انعدام الثقة وانتشار مظاهر الأمن الذاتي.

وفي منطقة عين سعادة المسيحية شرق بيروت، والتي تشتهر بوجود جماعات يمينية مسلحة، كان رجال يرتدون السواد يتجمعون قرب مبنى يحمل صورة ضخمة لبشير الجميل.

ويقول إماد صبح:

“هذه الحرب مختلفة تماماً عن حرب 2024. هناك أحقاد وانقسامات وتمييز طائفي.”

وأضاف:

“سمعت بعض السنة يقولون إنهم يؤيدون الحرب الإسرائيلية ضد حزب الله وأنصاره والشيعة عموماً. لم أسمع مثل هذا الكلام من قبل.”

ضحايا خارج بيئة حزب الله

أكد الجيش الإسرائيلي أنه سيستهدف عناصر حزب الله أينما كانوا، وليس فقط داخل معاقله التقليدية في الجنوب والضاحية والبقاع.

وفي بلدة عين سعادة المسيحية، قُتل بيار معوض وزوجته وأحد جيرانه في غارة إسرائيلية.

ولم يكن معوض من حزب الله، بل مسؤولاً في حزب القوات اللبنانية المعروف بعدائه للحزب.

وقالت إسرائيل إن الغارة استهدفت مركز قيادة تابعاً لحزب الله وأعربت عن أسفها لسقوط مدنيين.

بعد الحادثة، طُردت عائلات شيعية من شققها في المنطقة، وفق مسؤولين محليين.

وخلال جنازة معوض، أطلق مسلحون النار في الهواء في استعراض للقوة.

صدمة جديدة للبنانيين

في 8 أبريل، شنت إسرائيل خلال تسعين ثانية فقط غارات على مئة هدف داخل لبنان في واحدة من أعنف موجات القصف خلال السنوات الأخيرة.

واستهدفت الضربات أحياء راقية ومناطق سياحية في بيروت، ما تسبب بصدمة نفسية واسعة.

ودفع ذلك بعض السياسيين إلى مطالبة مؤيديهم بمنع تأجير المنازل لأشخاص مجهولي الهوية من بين النازحين.

حزب الله يتحدى الدولة

بعد الأزمة المالية وانفجار مرفأ بيروت والفراغ الرئاسي الطويل، بدا أن الضربات الإسرائيلية التي تلقاها حزب الله عام 2024 فتحت الباب أمام استعادة الدولة لزمام المبادرة.

فانتخب البرلمان جوزيف عون رئيساً للجمهورية، واعتبرت واشنطن أن الفرصة أصبحت متاحة لنزع سلاح الحزب.

وباشر الجيش اللبناني تفكيك مواقع ومخازن أسلحة تابعة لحزب الله في الجنوب، في عملية قالت الولايات المتحدة وحتى إسرائيل إنها كانت تحقق نتائج ملموسة.

لكن التقدم توقف لاحقاً مع إعادة الحزب بناء قدراته العسكرية.

وقال يوسف الزين، مدير العلاقات الإعلامية في حزب الله:

“كان هدف إسرائيل منع حزب الله من إعادة بناء قدراته، بينما كنا نحن نعمل على استعادتها ومستعدين لدفع الثمن.”

“نزع السلاح يعني الإبادة”

لم تتمكن الحكومة اللبنانية من منع حزب الله من الانخراط في الحرب إلى جانب إيران.

ففي 2 مارس أعلنت الحكومة حظر النشاط العسكري للحزب، لكنه تجاهل القرار.

كما طلبت وزارة الخارجية من السفير الإيراني مغادرة البلاد، لكنه رفض.

وقال الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم في خطاب ألقاه في مايو:

“افهموا جيداً: نزع السلاح يعني الإبادة، ولن نقبل بذلك أبداً.”

ودعا اللبنانيين إلى الوقوف في وجه الحكومة.

جيش ضعيف ومجتمع منقسم

تعاني الدولة اللبنانية من الفقر والانقسام الطائفي ذاته الذي يعانيه المجتمع.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية إن حزب الله يتلقى معلومات استخباراتية من مسؤولين داخل المؤسسات الأمنية اللبنانية، بما فيها الجيش.

ورغم أن الولايات المتحدة قدمت أكثر من 3 مليارات دولار دعماً للجيش اللبناني منذ 2006، فإن المؤسسة العسكرية لا تزال تفتقر إلى منظومات دفاع جوي وصواريخ متطورة، كما أن رواتب الجنود متدنية للغاية.

ويقر مسؤولون حاليون وسابقون بأن الجيش يعمل كعامل توازن وطني أكثر من كونه قوة قتالية قادرة على حسم المواجهة.

ويقول مسؤولون أميركيون ولبنانيون إن كثيراً من الجنود لا يريدون أن يظهروا بمظهر من ينفذ أجندة إسرائيل، كما لا يرغبون في مواجهة مواطنين لبنانيين حتى لو كانوا من حزب الله.

هل يعود شبح الحرب الأهلية؟

ترى شخصيات رسمية لبنانية أن الحرب الأخيرة قد تمنح الدولة فرصة جديدة لإعادة فرض سلطتها.

فبينما يستخدم حزب الله الوجود العسكري الإسرائيلي لتبرير احتفاظه بالسلاح، فإن حجم الدمار واختراق الاستخبارات الإسرائيلية للحزب أضعفا صورته حتى داخل البيئة الشيعية.

لكن الدولة ما زالت بعيدة عن فرض سيطرتها الكاملة.

فأصوات الطائرات المسيّرة الإسرائيلية التي لا تغيب عن سماء بيروت، إلى جانب ضجيج مولدات الكهرباء الخاصة المنتشرة في كل مكان، تذكر اللبنانيين يومياً بضعف الدولة.

وقال النائب اللبناني وضاح الصادق:

“الناس سئمت من التطبيق الانتقائي وغير المتساوي للقوانين.”

وأضاف:

“إذا كانت الدولة لا تطبق القانون على حزب الله، فلماذا يلتزم به الآخرون؟”

أما الجنرال السابق خليل الحلو فاختصر المشهد قائلاً:

“كل مقومات الاضطراب الأهلي موجودة.”

وأضاف:

“التوترات العاطفية والطائفية ترتفع يوماً بعد يوم.” 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.