الصفحات

الخميس، 18 يونيو 2026

الوصمة تقتل الأدلة.. نساء يروين ما جرى لهن في غرف الولادة

 

الرابط

فكر تانى

الوصمة تقتل الأدلة.. نساء يروين ما جرى لهن في غرف الولادة


تُصوَّر العدالة دائمًا في صورة امرأة عمياء لا تفرق بين شخصٍ وآخر، غير أن هذا العمى قد يُفضي أحيانًا إلى نتيجةٍ معكوسة، إذ قد يجد من يبلغ عن انتهاكٍ نفسه في موضع المتهم، فيما يظل المُبلَّغ ضده بمنأى عن أي ملاحقة. هذا ما حدث مع الطبيبة أمنية سويدان، التي تحولت شهادتها ضد العاملين في مستشفى الشاطبي بالإسكندرية إلى قضية شغلت الرأي العام المصري يومين متتاليين، قبل أن تُلقي الأجهزة الأمنية القبض عليها من منزلها في دمنهور بمحافظة البحيرة.

ما كتبته أمنية على صفحتها في فيسبوك، قبل أن تمثل اليوم أمام نيابة شرق الكلية بالإسكندرية وفقًا للمحامي محمد رمضان أبو بيبرس، لم يكن سردًا عاديًا لوقائع من فترة تدريبها في مستشفى الشاطبي الجامعي، وإنما فتح الباب أمام شهاداتٍ أخرى لنساءٍ صمتن طويلًا على ما تعرَّضن له في لحظاتٍ بالغة الهشاشة.

كتبت طبيبة الامتياز، ذات الـ31 عامًا، أنها خلال عملها في مستشفى الشاطبي شهدت أربع وقائع مروعة لانتهاكات تعرضت لها نساء في أثناء الولادة، حيث كانت شاهدة عيان على تحرش طبيب بمريضةٍ أمامها وأمام فريق التمريض بشكلٍ مشين، كما حضرت واقعة اعتدى فيها طبيب آخر بالضرب على مريضة خلال ولادتها الطبيعية، فيما وجهت إليها ممرضة إهانة تنطوي على إيحاءٍ جنسي خادش للحياء، وفوق كل ذلك، رصدت أمنية رفضًا ممنهجا لإسعاف الحالات الخطرة من دون الحصول أولًا على إذن كتابي من الزوج.

إخفاء قسري

في أعقاب انتشار خبر القبض عليها، كشفت لبنى درويش مديرة برنامج حقوق النساء بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن محامي المبادرة حاولوا التواصل مع أمنية دون جدوى، مشيرةً إلى أن مكان احتجازها لم يكن محددًا لساعات طويلة قبل أن تظهر في النيابة، وأوضحت درويش أن المبادرة تعترض اعتراضًا صريحًا على أسلوب التعامل مع شهود العيان بهذه الطريقة، لا سيما أن الخطوة المتخذة كانت القبض عليها، لا استدعاءها لأخذ شهادتها وفتح تحقيق موسع في انتهاكات النساء أثناء الولادة. وأضافت أن المبادرة تواصلت مع أسرة أمنية، التي أكدت أن أفرادها يحاولون منذ اللحظات الأولى التواصل معها دون أن يُفلحوا في ذلك.

في المقابل، انفعل الدكتور أسامة عبد الحي نقيب الأطباء على الهواء مباشرة، خلال مداخلة تليفونية على قناة "إكسترا نيوز"، نافيًا وجود أي أسلوب خاطئ في تعامل الأطباء مع المرضى، ومؤكدا أن ما يجري ليس سوى تخويف للبسطاء من المستشفيات الحكومية، وأن من لديها شكوى فلتتفضل بتقديمها بصورةٍ رسمية.

وهو ما وصفته لبنى درويش بأنه "نهج معتاد"، موضحة أن النقابة تتعامل مع نفسها باعتبارها جهة ممثلة للأطباء حصرًا، مما يجعل معظم الشكاوى لا تُؤخَذ على محمل الجد. وفي حالات كهذه تحديدا، يُعول الأطباء المخطئون على خوف المريضات من الإدلاء بشهادات رسمية، خشية الوصمة الاجتماعية التي تلاحقهن.

الوصمة تقتل الأدلة

هنا تكمن المشكلة الجوهرية، فأمنية لم تدَّع شيئًا خفيًا، لكن الوصمة المجتمعية أجهضت أي دليلٍ محتمل. وقد رصدت "فكر تاني" عددًا من الشهادات النسائية، يجمع بينها خوف الضحية من الظهور أو الإفصاح عن أي معلوماتٍ شخصية خشية الوصم، إلى جانب غياب أي دليلٍ مادي، إذ يُمنع أي مرافقٍ من الدخول مع المرأة أثناء الولادة، فلا تملك أي منهن في النهاية سوى كلمتها في مواجهة كلمة فريق الأطباء والتمريض.

ومن بين هذه الشهادات، ما رَوَته حياة سيد عن تجربتها في مستشفى القصر العيني، التي وصفتها بـ"المروعة"، وقالت لـ"فكر تاني"، إنها لم تكن تتخيل أن أحد العاملين سيضربها لإفاقتها من التخدير.

كانت حياة في الـ29 من عمرها، وكان أول حمل لها، حين أُصيبت بتسمم في الشهر السابع بلغ من الخطورة حدًا رفضت معه المستشفيات الخاصة استقبالها، فأُجريت لها عملية قيصرية في القصر العيني، تصف ما جرى في أثناء إفاقتها من التخدير الكلي، قائلة ""كنت لسه مش واعية كويس، وكان فيه واحد واقف يفوقني ومش عارفة ده كان دكتور ولا تمارجي، لكن أقسم بالله كان بيقرصني جامد جدًا في دراعي لدرجة إن روحي كانت هتطلع من كتر الوجع، ومكتفاش بكده، ده كان بيضربني بالبونيات وبالقلم على صدري وعلى وشي، أنا مكنتش قادرة أنطق ولا أدافع عن نفسي خالص، ولا حتى فاكرة شكله من كتر التعب وغياب الوعي"، لكنها حين عادت إلى منزلها وجدت جسدها مكسوًا بالكدمات، وصدرها يؤلمها، ووجهها منتفخًا، وكان على مأساتها أن تتضاعف حين فارقت مولودتها الحياة.

الصدمة في الحسين

لم تكن تجربة شيماء عصام أقل إيلامًا، حيث تقول المرأة التي تبلغ 30 عامًا، إنها في أثناء حملها بابنتها الأولى كانت تعاني نقصًا في الفيتامينات يستدعي ذهابها إلى المستشفى لتركيب محاليل بصفة منتظمة بسبب مشكلة في الأوردة، وحين وصلت إلى مستشفى الحسين الجامعي في حالة صحية سيئة ودوار شديد، رفض الطاقم الطبي تركيب الكانولا إلا بعد إجراء كشف لم تكن بحاجةٍ إليه أصلًا.

وفي قاعة الانتظار، وجدت نفسها في غرفة ذات أربعة أسرة، شهدت فيها كشفًا نسائيًا على مريضةٍ في حالة إجهاضٍ أمام الجميع دون أدنى مراعاةٍ للخصوصية، كما سمعت التمريض يأمر مريضة تصرخ من آلام الطلق بالتزام الصمت، فغادرت شيماء المستشفى وهي تحمل صدمة نفسية عميقة.

وحين احتاجت شيماء لاحقًا إلى تركيب كانولا مرةً أخرى، آثرت الذهاب إلى مستشفى أحمد ماهر، غير أن الأمور لم تسِر على نحوٍ أفضل، حيث تصف ما حدث لـ"فكر تاني"، قائلة "وصلت إلى المستشفى أعاني من دوخة شديدة، ولما دخلت الطواريء طلبت من ممرضة تساعدني، كانت بتعاملني بمنتهى القسوة، وحطت الكانولا في إيدي بشكل مؤلم فبكيت من الوجع، فقالت لي جملة صعبة عمري ما هنساها: مكنتيش بتعيطي كده ليه وأنت مع جوزك. حسيت بالإهانة بس مكنتيش قادرة أرد وقتها من التعب".

"أحسن تستاهلي"

ما عاشته دينا في أحد مستشفيات القاهرة لا يختلف في جوهره عمَّا تعرضت له شيماء، وإن اتخذ العنف فيه شكلا أشد قسوة. تحكي دينا ذات الـ22عامًا، أنها منذ ستة أشهر مرت بأصعب لحظات في حياتها في أثناء الولادة، إذ بلغ تعبها حدًا أحست فيه بأن روحها تتسرب منها، وبدلًا من أن تلقى رحمة أو اهتمامًا، كانت الطبيبة تواجهها ببرود قاتلة قائلة "أحسن تستاهلي"، وكانت يداها منتفختين بشدة جراء ربطها في سرير الكشف، فكانت تصرخ مستغيثة بأن يدها توشك على الانقطاع من شدة الألم والتنميل، فيما لم يكن كل رد الطبيبة سوى "استحملي".

تختتم دينا شهادتها لـ"فكر تاني"، قائلة "لحد النهارده مش قادرة أنسى الوجع ده ولا الإحساس المرعب بأن روحي بتتسحب مني، وأول ما خرجت وشفت أهلي منهارين من العياط بره، انهرت معاهم، وتجربة الرعب دي لسه معلمة جوايا ومش عارفة أتخطى اللي حصلي جوة أوضة العمليات لحد دلوقتي."

ما تكشفه هذه الشهادات ليس استثناء، إذ تُشير الدراسات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية وعدد من الجامعات المحلية، إلى أن نسب تعرض السيدات للعنف أثناء الولادة مرتفعة ارتفاعًا مقلقًا، ففي دراسة أجرتها المنظمة عام 2019، تبين أن 34% من النساء حول العالم تعرضن لسوء المعاملة داخل المؤسسات الطبية في أثناء الولادة.

أما على صعيد مصر، فلا تتوفر أرقام رسمية بعد، غير أن أحدث مراجعة عالمية تناولت ظاهرة العنف التوليدي خلصت إلى أن منطقة الشرق الأوسط تحتل المرتبة الأعلى عالميًا، حيث بلغت نسبة النساء اللواتي تعرضن للإساءة اللفظية والجسدية في أثناء الولادة في دول المنطقة 71.5 %، وهو رقم يلقي ظلالًا ثقيلة على ما جرى ويجري في أروقة مستشفياتنا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.