الاثنين، 27 يناير 2025

الحبس الاحتياطي في مصر: إحالات بـ"الجملة" إلى المحاكم

الرابط

موقع الحرة الأمريكي
الحبس الاحتياطي في مصر: إحالات بـ"الجملة" إلى المحاكم


اعتقل الصحفي حمدي مختار في سبتمبر 2016 من أمام نقابة الصحفيين وسط القاهرة.
أبقته السلطات المصرية رهن الحبس الاحتياطي لمدى عامين، قبل أن تخلي سبيله بتدابير احترازية عام 2018.
عاودت السلطات القبض عليه مجددا في يناير 2021.
استمر حبسه أربعة أعوام، لكن من دون محاكمة عن الاتهامات التي وجهت له، بينها: "نشر أخبار كاذبة"، و"الانضمام لجماعة إرهابية".
يتكرر توجيه هذه الاتهامات بشكل شبه مستمر، لأغلب المعارضين المعتقلين.
وفي الخامس من يناير الجاري، أحيل إلى المحاكمة فجأة، في نمط جديد يقول عنه الحقوقي مختار منير خلال حديثه مع موقع "الحرة" إنه "شمل المئات من المحبوسين احتياطيا منذ أكتوبر الماضي".
قال منير إن "هذا التحول يمثل نمطا جديدا في التعامل مع المعتقلين".
قال أيضا: "المئات ممن احتجزوا احتياطيا لفترات تتجاوز أربع أو خمس سنوات بمخالفة القانون، تم تحويلهم إلى المحاكم في قضايا منفصلة، بعد أن ظلت النيابة تماطل في التصرف القانوني خلال المدة المحددة".
وتابع: "لو كان هذا النمط قديما، لانتهت النيابة من التحقيقات خلال العامين القانونيين وأحالت القضايا منذ البداية".
ودانت 10 منظمات حقوقية مصرية، الأحد، إحالة نيابة أمن الدولة العليا مئات المعتقلين السياسيين إلى محاكم الإرهاب.
تشمل هذا القضايا، صحفيين ومحامين ونشطاء يواجهون اتهامات "متكررة في قضايا مُعاد تدويرها"، وفقا لبيان المنظمات.
واعتبرت المنظمات هذه الإحالات، بأنها تمثل استكمالا لانتهاكات حقوق المحاكمة العادلة وحقوق المحتجزين "التي لا تكف نيابة أمن الدولة العليا عن ارتكابها" وفقا لها.
وأحيل المحامي الحقوقي إبراهيم متولي، المحتجز منذ عام 2017، للمحاكمة على ذمة القضيتين 900 لسنة 2017 والقضية 1470 لسنة 2019 بذات التهم.
وبالمثل، تجدد حبس المحامية الحقوقية هدى عبد المنعم على ذمة القضية 730 لسنة 2020، رغم الحكم بحبسها 5 سنوات في القضية 800 لسنة 2019، بذات التهم أيضا.
وبعد إخلاء سبيل المواطنة هبة مصطفى عبد الحميد في القضية رقم 277 لسنة 2019، عقب 5 سنوات من الحبس الاحتياطي، أحيلت كمتهمة بالتهم ذاتها في القضية رقم 2215 لسنة 2021.
غموض الدوافع
وبحسب مدير مؤسسة حرية الفكر والتعبير محمد عبد السلام، فقد بلغت الإحالات الجماعية للمحبوسين احتياطيا، أكثر من 120 قضية، تضم كل منها نحو 50 معتقلا أو أكثر.
قال عبد السلام خلال مقابلة مع موقع "الحرة" إن "هذا النمط الجديد، قد يكون استجابة للضغوط الحقوقية الدولية المتعلقة بملف الحبس الاحتياطي المطول الذي يعد بمثابة عقوبة".
وتوجه وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الأحد، إلى جنيف، لترأس الوفد المصرى المشارك في جلسة الاستعراض الدوري الشامل لأوضاع حقوق الإنسان في مصر بمجلس حقوق الإنسان، المقرر عقدها الثلاثاء.
ورفع "الحوار الوطني" إلى رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، 24 توصية تدعو لتخفيض مدد الحبس الاحتياطي إلى 4 أشهر في قضايا الجنح، بدلا من 6 أشهر.
كما أوصى بتخفيضها إلى 12 شهرا في قضايا الجنايات، بدلا من 18 شهرا، وتخفيضها إلى 18 شهرا في القضايا التي تصل عقوبتها المؤبد، أو الإعدام، بدلا من 24 شهرا.
وفي 22 أغسطس الماضي، أكد السيسي أهمية تخفيض الحدود القصوى لمدد الحبس الاحتياطي، والحفاظ على طبيعته كإجراء وقائي تستلزمه ضرورة التحقيق، من دون أن يتحول إلى عقوبة.
لكن هذا التوجه، لم يتحول إلى واقع، إذ يناقش البرلمان المصري مشروع قانون الإجراءات الجنائية، الذي قد يكون السبب في هذا النمط الجديد المتمثل في إحالة المعتقلين السياسيين إلى محاكمات، وفقا لحقوقيين.
ويثير القانون الجديد "قلق" نقابات ومجموعات حقوقية في مصر،  إذ ينص على إمكانية إجراء المحاكمات وتجديد الحبس الاحتياطي عن بُعد.
قال الحقوقي المصري مختار منير إن "هذا التحول، يقلل من فرص المحاكمات العادلة".
وأشار إلى أن "الاعتماد على المحاكمات عبر تقنية الفيديو، يخلق مسافة إضافية بين المتهمين والقضاة، مما يؤثر على التفاعل المباشر وإمكانية الدفاع عن النفس".
تقنين الحبس الاحتياطي
يمكن اعتبار هذه المحاكمات، محاولة لتقنين الحبس الاحتياطي المطول، وهو ما يعكس تحولا مثيرا للجدل في نهج التعامل مع المعتقلين.
ففي حين كان يعد الحبس الاحتياطي الطويل، انتهاكا قانونيا، تحولت القضايا إلى أحكام قضائية محتملة، تتراوح بين 3-15 عاما، بحسب التهم الموجهة.
ووفقا لمدير مؤسسة حرية الفكر والتعبير محمد عبد السلام، فإن النيابة ترفض ضم مدد الحبس التي قضاها المحتجزين، أو احتسابها ضمن الأحكام الصادرة بحقهم.
ويعتبر وكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب المصري، محمد عبد العزيز، مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد، بأنه وضع ضمانات لمنع تحول الحبس الاحتياطي إلى عقوبة، من خلال تحديد مدته وعدم تركها مفتوحة.
وقال في تصريحات تلفزيونية السبت إن "أسبابا محددة لاستخدام الحبس الاحتياطي، مثل الخشية من هرب المتهم، أو إضراره بمصلحة التحقيق، أو التأثير على الشهود، أو الإخلال الجسيم بالأمن العام".
وبينما تتسارع الإحالات والمحاكمات، تتزايد المعاناة الإنسانية للمعتقلين وأسرهم، الذين ينتظرون منذ سنوات، دون معرفة مصير أحبائهم.
يذكر أن ميرنا ابنة الصحفي حمدي مختار، كانت في الثانوية العامة عندما اعتقلت السلطات والدها، لكنها تقف اليوم وسط المحكمة برداء المحاماة الأسود لتدافع عنه.
وتتحدث ميرنا عن اشتياق أسرتها لأبيها: "الوضع صعب. والدتي عاشت كل هذه الظروف مع أطفال دون والدهم".
قالت خلال مقابلة مع موقع "الحرة": "كان من المفترض أن يشاركنا المناسبات، من أعياد وشهر رمضان، وحفل تخرجي ولحظة مناقشة رسالة الماجستير".
الحرة / واشنطن

مصر: منظمات حقوقية تدين إحالة المئات لمحاكم الإرهاب بدلًا من إخلاء سبيلهم وتعويضهم

مصر: منظمات حقوقية تدين إحالة المئات لمحاكم الإرهاب بدلًا من إخلاء سبيلهم وتعويضهم 


تدين المنظمات الحقوقية الموقعة قرارات نيابة أمن الدولة العليا مؤخرًا، بإحالة مئات المواطنين المحتجزين منذ فترات طويلة، تجاوز بعضها 6 سنوات، إلى محاكم الإرهاب، عوضًا عن الإفراج الفوري عنهم؛ في محاولة لطمس الانتهاكات الخطيرة التي شابت التحقيقات معهم واحتجازهم التعسفي المطول في قضايا ذات طابع سياسي.
خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2024، قررت نيابة أمن الدولة العليا إحالة ما لا يقل عن 90 قضية ذات طابع سياسي إلى محاكم الإرهاب، تضم عدد من المعارضين السياسيين، والصحفيين، والمحامين، ومدافعين عن حقوق الإنسان. هذا العدد من القضايا يفوق إجمالي القضايا التي أحالتها النيابة لهذه المحاكم خلال العقد الماضي كله تقريبًا (2013-2023)، على نحو يخالف التعليمات القضائية بشأن عدم إحالة القضايا للمحاكمات ما لم تكن مدعومة بوقائع ثابتة، واتهامات محددة خاصة بكل متهم منفردًا، وغير مبنية فقط على تحريات الأجهزة الأمنية. إذ سبق وأكدت أحكام محكمة النقض على عدم الاعتداد بالتحريات الأمنية كدليل منفرد في الدعاوى القضائية.
هذه القضايا ضمت محامين حقوقيين مثل هدى عبد المنعم، وإبراهيم متولي، ووليد سليم، وأحمد نظير الحلو. كما ضمت المترجمة مروة عرفة، ورجال الأعمال محمد ثابت، وعصام السويركي، والشيخ أنس السلطان. هذا بالإضافة إلى السياسيين المعارضين؛ الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، ومحمد القصاص، وجهاد الحداد، وأنس البلتاجي. وضمت أيضًا أطباء، ومهندسين وموظفين وأساتذة بالمركز القومي للبحوث وآخرون في هيئة الطاقة النووية، وغيرهم.
وإذ تعرب المنظمات عن قلقها البالغ إزاء هذه الإحالات المكثفة، خاصة لبعض المحتجزين الذين تجاوزت مدة حبسهم الاحتياطي 6 سنوات بالمخالفة للقانون، تؤكد المنظمات أن هذه الإحالات تمثل استكمالاً لانتهاكات حقوق المحاكمة العادلة وحقوق المحتجزين، التي لا تكف نيابة أمن الدولة العليا عن ارتكابها. فبعد حبس مطول تخطى 6 سنوات للبعض، في تجاوز فج للحد القانوني المقرر لمدة الحبس الاحتياطي بعامين وفق المادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية، وبدلًا من إخلاء سبيل المحتجزين وتعويضهم عن فترة الحبس المطول، تقرر النيابة إحالتهم لمحاكم الإرهاب!
هذا بالإضافة إلى طلب النيابة معاقبة المحتجزين عن جرائم تعود بعضها لأكثر من 20 عامًا (في 1992، و2006، و2008، و2013). الأمر الذي يثير تساؤلات حول قانونية هذه الاتهامات المتعلقة بجرائم وقعت قبل إصدار قوانين مكافحة الإرهاب وتشكيل محاكم الإرهاب عام 2014. ناهيك عن قائمة الاتهامات المكررة التي نالت تقريبًا من معظم المحتجزين دون تفرقة، وهي؛ الانضمام لجماعة إرهابية مع العلم بأغراضها، وارتكاب جرائم تمويل الإرهاب، وحيازة مطبوعات وتسجيلات تروج لجماعة إرهابية، والاشتراك في اتفاق جنائي بغرض ارتكاب جرائم إرهابية.
وبحسب المنظمات، تعد هذه الإحالات حلقة جديدة في سلسلة المراوغة والتلاعب بمصير المعارضين المحتجزين، واستكمالاً لآلية التدوير المتبعة، والتي تعتمدها نيابة أمن الدولة لتمديد فترات الحبس الاحتياطي، من خلال الزج بالمتهمين على قضايا جديدة، بخلاف القضية الأساسية المحتجزين بسببها، مستخدمًة الاتهامات نفسها، لضمان بقائهم قيد الاحتجاز أطول فترة ممكنة.
فعلى سبيل المثال، أُحيل المحامي الحقوقي إبراهيم متولي، المحتجز منذ عام 2017، للمحاكمة على ذمة القضيتين 900 لسنة 2017 والقضية 1470 لسنة 2019 بالتهم نفسها. وبالمثل تجدد حبس المحامية الحقوقية هدى عبد المنعم على ذمة القضية 730 لسنة 2020، رغم الحكم بحبسها 5 سنوات في القضية 800 لسنة 2019 بالتهم نفسها. وبعد إخلاء سبيل هبة مصطفى عبد الحميد (ربة منزل) في القضية رقم 277 لسنة 2019، بعد 5 سنوات حبس احتياطي؛ تمت إحالتها كمتهمة بالتهم ذاتها في القضية رقم 2215 لسنة 2021.
 وفي عصف تام بالقانون، ترفض النيابة ضم مدد الحبس التي قضاها المحتجزين، أو احتسابها ضمن الأحكام الصادرة بحقهم. وتتعمد الزج ببعضهم في قضايا جديدة على خلفية اتهامات سبق وأتموا مدد عقوبتهم عليها. وتتضاعف خطورة هذه الانتهاكات المستمرة والمتصاعدة المرتكبة من قبل نيابة أمن الدولة العليا في ظل الإصرار على توسيع اختصاصها، إذ أصبحت مسئولة عن طيف واسع من القضايا السياسية، ويتم توظيفها للانتقام من الخصوم السياسيين والمعارضين.
ومن ثم، تطالب المنظمات الموقعة أدناه بما يلي:
إطلاق سراح جميع المحتجزين الذين تجازوا مدد الحبس القانونية.
توقف نيابة أمن الدولة العليا على مباشرة التحقيقات في القضايا ذات الطابع السياسي.
تفعيل نصوص قانون الإجراءات الجنائية فيما يخص ضم مدد الحبس، ووضع حد لآلية التدوير.
تعويض ضحايا الحبس الاحتياطي المطول وغير القانوني.
وفي حالة بدء المحاكمات؛ على السلطات القضائية الالتزام التام بضمانات المحاكمة العادلة لكافة المتهمين، وضمان حقهم في التمثيل القانوني، والدفاع، والاطلاع على الأوراق، والاستماع لشهادات الضحايا في الانتهاكات التي تعرضوا لها أثناء فترة الاحتجاز السابق للمحاكمة والتحقيق فيها.
فبينما تسعى السلطات المصرية إلى تصدير صورة مزيفة حول إصلاحات في ملف المحتجزين وأماكن الاحتجاز، تؤكد مجددًا قرارات الإحالة الصادرة مؤخرًا على كذب هذه الادعاءات. هذا بالإضافة إلى الآلاف المواطنين الذين يُجدد حبسهم تلقائيًا أمام نيابة أمن الدولة ودوائر الإرهاب دون تحقيق، أو يتم تدويرهم لتمديد فترات حبسهم، ناهيك عن القبض على آخرين والزج بهم في السجون بسبب تعبيرهم عن آرائهم أو تنظيمهم تجمعات سلمية.
المنظمات الموقعة:
الجبهة المصرية لحقوق الإنسان
مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان
مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان
مركز النديم
ايجيبت وايد لحقوق الإنسان
مؤسسة دعم القانون والديمقراطية
المنبر المصري لحقوق الإنسان
مؤسسة حرية الفكر والتعبير
جمعية عنخ
منصة اللاجئين في مصر
الرابط
https://afteegypt.org/advocacy/joint-statements/2025/01/26/39562-afteegypt.html?fbclid=IwY2xjawIDo-pleHRuA2FlbQIxMAABHdBVq8Bye0g_hC8c-g6uyQ_LLafRFU-3qh5uJegVFSkjPsYxW2rJo66V5A_aem_99MaJPAZEYx9gFR-bUA_1g

مصر لم تعد أمي.. ما تعنيه العدالة الاجتماعية بعد عقد ونصف على الثورة

مصر لم تعد أمي.. ما تعنيه العدالة الاجتماعية بعد عقد ونصف على الثورة


الأسبوع الماضي، سألتنا الزميلة نورا يونس رئيسة تحرير المنصة عمَّا يمكن أن نكتبه في ذكرى ثورة يناير، فبادر بعض الزملاء باقتراح رصد التحولات الاقتصادية والمجتمعية بعد مرور ما يقرب من عقد ونصف العقد على الثورة؛ مثل تَراجُع قيمة الجنيه وارتفاع معدلات التضخم والفقر وغيرها.
عن نفسي، رأيت أن ما مرَّ على الثورة لم يكن فقط سنوات نُحصي ما جرى فيها للاقتصاد والناس، إذ تغيَّر السياق المحيط بمسألة العدالة الاجتماعية تمامًا؛ فلا الدولة "ترى" دورها الاجتماعي، كما كان من قبل، ولا المواطن "يتوقع" من الدولة ما كان يأمله منها عندما قام بالثورة.
ازدهرت تصورات الخلاص الفردي في مقابل تراجع حلم التغيير الجماعي
في هذا المقال، أجادل بأن ثمة عملية تسليع واسعة جرت خلال السنوات الأخيرة، أدت لانهيار العقد الاجتماعي الذي نشأت على أساسه تصوراتنا السياسية وقت الثورة. كما ازدهرت تصورات الخلاص الفردي في مقابل تراجع حلم التغيير الجماعي الذي كان يسيطر علينا في 2011. لا أهدف من هذا الطرح إلى الدعوة للتخلي عن السعي نحو العدالة الاجتماعية، بل أدعو إلى إعادة تعريف أدوات تحقيق هذه العدالة بمعطيات الوقت الراهن.
تعريف خالد صالح لدور الدولة الاجتماعي
منذ أن شاهدت فيلم عمارة يعقوبيان في سينما أوديون سنة 2006، لا يكف ذهني عن استدعاء مشهد شخصية كمال الفولي، الذي يُفترض أنه قيادي كبير في الحزب الحاكم آنذاك، وهو يشرح كيف تسيطر الدولة على الرأي العام بقوله إن "الشعب المصري كله ماسك في إيدين الحكومة كأنها أمه اللي خلفته".
ربما يعود تأثري بهذا المشهد إلى أنني آنذاك، في مطلع العشرينات من عمري، كنت قرأت لتوي كتاب الباحث الاقتصادي والأكاديمي الراحل سامر سليمان النظام القوي والدولة الضعيفة، الذي كان مشغولًا فيه تقريبًا بنفس ما يشغل وحيد حامد وهو يكتب هذا المشهد، أي ما هي الأدوات الناعمة التي تملكها الدولة لكي تسيطر على الرأي العام بصورة تجعله أشبه بطفل يتبع أمه؟
مشروع سليمان كان محاولةً لإجابة هذا السؤال من تحليل بيانات الموازنة العامة، فقد ألَّف هذا الكتاب بعد عقود من ترسّخ سياسات الرفاه الناصرية في مصر، التي كانت تُستخدم لاسترضاء الرأي العام عبر مبادلة الحماية الاجتماعية بالديمقراطية. ويرصد سليمان في كتابه كيف استمرت سياسات الإنفاق العام في خدمة العقد الاجتماعي القديم.
واحد من الأسئلة التي شغلت سليمان، كان محاولة فهم لماذا غضب الناس بشدة من الخفض المحدود في دعم الغذاء في السبعينيات، الذي عبّرت عنه انتفاضة الخبز 1977، بينما قبلوا انكماش هذا الدعم في التسعينيات تحت ضغوط برنامج الإصلاح الاقتصادي.
العالم القديم مات بالفعل، لكن الجديد لم يكن ما حلمنا به
دفع سليمان في كتابه بأن الدولة نجحت في استرضاء الرأي العام بإنفاق قوي على الأجور الحكومية، أو ما يعرف بنداء "المنحة يا ريس"(*). أي أن ما جرى كان أقرب لاستبدال أشكال الإنفاق، لتتمكن الدولة من الحفاظ على علاقتها بالمواطن وفي الوقت نفسه على رضا صندوق النقد الدولي.
هكذا كانت الصورة قبل ثورة يناير، أشبه بالتعبير البلاغي الشهير للفيلسوف الإيطالي أنطونيو جرامشي، بأن العالم القديم يموت والجديد لم يولد بعد. لكن بعد الثورة تغيرت الصورة بشكل يدعونا لأن نقول إن العالم القديم مات بالفعل، لكن الجديد لم يكن ما حلمنا به.
النيوليبرالية تعيد تعريف دور الدولة
تشير العديد من الدراسات التي أجريت على تحولات السياسات الاجتماعية بعد ثورة يناير في مصر، إلى أن واقع المواطنين صار أسوأ من ذي قبل، خاصة الفئات المهمشة، ويكفي أن ننظر إلى مستويات الفقر التي باتت تغطي ما يقرب من ثلث المواطنين على أقل تقدير، أو إلى معدلات التضخم غير المسبوقة التي تجعل قطاعات واسعة من الطبقات الوسطى تشعر بعدم الاستقرار طوال الوقت.
صار بإمكان الحكومة أن ترد على شعار مثل "عاوز اشتغل يا كبير" بأن دورها في التوظيف صار محدودًا
هذا التردي في الأحوال جاء مصحوبًا بتغيرات عميقة في دور الدولة الاجتماعي، إذ توقفت خلال السنوات التالية للثورة عن لعب دورها "الأمومي" تجاه المواطنين، واستطاعت وهي تُجري هذا التحول، أن تحافظ على استقرار الشارع. لا شك أن للحضور الأمني القوي في المجال العام وانغلاق المجال السياسي لسنوات دورًا في ذلك، لكنه لم يكن العامل الوحيد.
بدأت مصر منذ تسعينيات القرن الماضي في التحول نحو منح القطاع الخاص مساحةً أكبر من الاقتصاد، ما يُعرف بالسياسات النيوليبرالية، وهي السياسة التي اتخذت دفعة أكبر خلال السنوات الأخيرة، لذا صار بإمكان الحكومة أن ترد على شعارات مثل "عاوز اشتغل يا كبير"، بأن دورها في التوظيف صار محدودًا في مقابل القطاع الخاص. أو أن تُلقي باللوم في ارتفاع الأسعار على شروط صندوق النقد، وتتظاهر بأنها تحاول حمايتنا منه، وتخيفنا من مصائر أسوأ إذا تخلّت عن مسارها الحالي.
ولنفهم أكثر طبيعة الفخ الذي سقطنا فيه، نحتاج لأن نُلقي نظرة على دولة الرفاه القديمة.
السياسة القديمة للحد من التسليع
خلال العقود الأولى من القرن الماضي، ساد نموذج دولة الرفاه القديمة المعتمد على الحد من التسليع/decomodification، وهو اصطلاح من العلوم الاجتماعية يشير إلى تحويل الدولة بعض المنافع مثل السكن والمواصلات والطعام وغيرها من سلعٍ لا يحصل عليها إلا من يدفع ثمنها، إلى لا سلعة، أي حق مكتسب مجاني أو بسعر رمزي، يحصل عليه كل فرد في المجتمع لمجرد أنه مواطن.
تحت هذه السياسة تصبح الدولة هي الفاعل الاقتصادي الأساسي، فهي المشتري والمنتج الرئيسي للسلع، وحتى إن سمحت بوجود القطاع الخاص فهي تحد من تأثيره، ليس فقط عبر مزاحمته في ميادين الإنتاج فحسب، لكن لأنها أيضًا تُسعر السلعة أو الخدمة بسعر متدنٍ لضمان إتاحتها للجميع.
ساهمت العديد من الأسباب السياسية والاقتصادية خلال تلك الفترة، خصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية، في تحويل هذا التصور لسياسة اجتماعية شائعة في الشرق والغرب، لا يسع هذا المقال سردها وتحليلها، لكن منذ بدء السبعينيات وُجّهت انتقادات حادة، خاصة في أوروبا الغربية، لهذه السياسة لما تسببت فيه من زيادة عجز الموازنة.
في المقابل، صعدت مع رونالد ريجان في واشنطن ومارجريت تاتشر في لندن، تصورات عن ضرورة العودة للتسليع، لتحسين كفاءة الاقتصاد وقصر الدعم على الفئات شديدة الفقر فقط، ويفضل أن يكون نقديًا حتى تترك الدولة ساحة "التسعير" تمامًا للقطاع الخاص.
ساهمت هذه البيئة الدولية في تمهيد الطريق أمام الدولة في مصر منذ التسعينيات، ليبدأ التحلل من نموذج الرفاه القديم، وهو الأمر الذي اتخذ دفعة كبيرة منذ 2014.
عقود من التسليع في مصر
لم تقتصر الدفعة الأولى من التسليع في مصر خلال التسعينيات عبر الخصخصة، على بيع حصة من القطاع العام فقط، لكنها امتدت إلى تعميم تعليمات لمؤسسات هذا القطاع بأنها لم تعد ملزمة بتسعير منتجاتها على أساس اجتماعي(**)، بل عليها أن تنافس القطاع الخاص وإن سقطت فلن ينقذها أحد.
كان الملمح الأبرز للمرحلة الثانية من التسليع هو تسريع وتيرة انكماش دعم الطاقة
المدخل الثاني للتسليع كان انسحاب الدولة تدريجيًا من سياسة تعيين كل خريج، التي بدأتها منذ الثمانينيات واستمرت لعقود، حتى تراجع نصيب الوظائف الحكومية من مجمل الوظائف في الوقت الراهن على نحو 21%. لا يقتصر أثر هذا الانسحاب على مجرد استبدال صاحب عمل خاص بحكومي، ولكن تبعه تدهور في شروط وامتيازات العمل، إذ أعطى هذا الانسحاب للوظائف غير الرسمية دورًا أساسيًا في التشغيل.
أما المرحلة الثانية من التسليع فبدأت في 2014، وكما نعلم جميعًا فقد كان الملمح الأبرز لها هو تسريع وتيرة انكماش دعم الطاقة عبر إعلان برنامج تدريجي لتحرير أسعار الوقود والكهرباء لتقترب من التكلفة الحقيقية. تمكنت الدولة من كسر هذا التابو، الذي كان من المحرمات حتى التسعينيات، ليس فقط بدعم من صندوق النقد، ولكن لأننا تحولنا لمستوردٍ صافٍ للنفط منذ 2006، أي أن مسألة الدعم لم تعد موضوعًا للسياسة المحلية بقدر ما صارت ترتبط بموازيننا الخارجية.
ثمة تسليع آخر جرى عبر عقود طويلة، تَمثّل في الحد من دعم التموين، كما تشرح ماري فانيتزل، وهي باحثة فرنسية أقامت في مصر لفترة طويلة وكان لديها شغف قوي بدراسة نظام التموين المصري. في 1981 كان نحو 95% من إجمالي السكان مسجّلين في هذا النظام الذي كان يضمن لهم حصصًا شهرية من السكر والأرز والزيت بأسعار لا تعكس التضخم، وتراجعت هذه النسبة بقوة منذ التسعينيات حتى بلغت في 2022 نحو 62%، وتغيّر النظام إلى دعم نقدي لا يحمي من التضخم مثل ذي قبل.
كان التصور السائد ونحن نشارك في تظاهرات 2011 هو أن العدالة الاجتماعية يمكن بلوغها في خطوة واحدة، وهي معادلة أخطأنا في حسابها
بل إن المؤسسات الحكومية تحولت إلى الأداء "الشركاتي" أو ما يعرف بـ corporatization، ليس فقط لقطاع الأعمال العام المسؤول عن إنتاج السلع والخدمات ذات الطابع الاقتصادي، ولكن حتى لمؤسسات الخدمات العامة مثل التعليم، كما تشرح نهى رشدي باحثة العلوم الاجتماعية، فقد باتت مؤسسات تابعة للدولة تنافس القطاع الخاص في مجال التعليم الدولي.  
العدالة الاجتماعية في 2025
ساهمت موجات التسليع السابقة في جعل الواقع السياسي أكثر تعقيدًا، أحسب أن التصور السائد بيننا ونحن نشارك في تظاهرات يناير 2011 هو أن العدالة الاجتماعية يمكن بلوغها في خطوة واحدة إذا استطعنا أن نجعل السلطة تستجيب لنا، وهي المعادلة التي أخطأنا في حسابها، في تقديري.
لم أغير قناعتي حتى الآن في أهمية الديمقراطية والمساءلة والمحاسبة، ولكن أي سلطة راغبة فعلًا في تحقيق العدالة ستواجه أسئلة صعبة، مثل كيف سنعدّل علاقتنا غير العادلة مع الدولار والنظام المالي العالمي باقتصاد مغرق في التبعية وغير قادر على ضبط موازينه الخارجية بدون مساعدة صندوق النقد، حتى بعد مساعدة كبيرة بحجم رأس الحكمة؟
كذلك، كيف سنفرض العدالة في توزيع الثروة بعد كل المقاومة التي واجهتها الضريبة العقارية من ملاك السكن؟ كيف سنفرض تسعيرة جبرية في سوق تسوده المضاربات وتجعل أي سلعة مدعمة مجال للتسقيع وإعادة البيع في السوق السوداء؟ كيف سنفرض العدالة في علاقات العمل والمُشغل الرئيسي هو القطاع غير الرسمي الذي تعجز الدولة، بكل ما تملكه من معلومات، عن متابعته والسيطرة عليه؟ كيف سنطالب القطاع الخاص بالاستجابة لمطالب الناس في إنتاج ما يحتاجونه مثل السكن الاقتصادي والدولة نفسها تسابقهم في إنتاج السكن الفاخر؟
ليست هذه دعوة لليأس، ولكن ربما نحتاج لإعادة النظر في أفكارنا، ربما نحتاج لحلول أكثر ثورية
لا شك أن لغياب الديمقراطية دورًا في مفاقمة هذا الوضع، لكنه ليس المعضلة الوحيدة، فعملية التسليع التي جرت على مدار عقود جعلت التحديات التي تواجه أي مطالب بالعدالة الاجتماعية أشبه بمن يكافح الوحش الأسطوري متعدد الرؤوس المعروف في المخيلة اليونانية باسم هيدرا.
اقرأ أيضا
من رأس الحكمة حتى رأس بناس.. غواية الريع الساحلي
ربما يكون إدراك الكثيرين لصعوبة الوضع هو ما أدى لتراجع شعبية الحل الجماعي الذي كنا نتعلق به أيام الثورة، والهروب للفردية. خاصة وأن الوضع الاقتصادي يشجع على ذلك، فالكثيرون لا يجدون وظائف سوى العمل الحر بمدخراتهم البسيطة مثل النقل التشاركي، والعديد من النساء يأسن من العمل اللائق فعزفن عن العمل.
ليست هذه دعوة لليأس، ولكن ربما نحتاج لإعادة النظر في أفكارنا، ربما نحتاج لحلول أكثر ثورية تعيد ترتيب علاقتنا بالنظام المالي العالمي على نحو أكثر استقلالًا، لديمقراطية أكثر عمقًا تقترب من العمال في مواقع الإنتاج المختلفة وتتخاطب مع المشروعات الصغيرة وغير الرسمية، إلى مواجهة حاسمة مع الثروات الكبيرة والتوحد حول فكرة تقريب الفوارق الطبقية، وتصور سياسي لا ينظر لحيتان السوق على أنهم طرف محايد في الصراع وإنما طبقة مسيطرة علينا أن نوقف سعيها الدؤوب نحو تسليع كل شيء في حياتنا.
(*) في الأول من مايو، عيد العمال،  من كل عام كان الرئيس المخلوع مبارك يلقي خطابًا سياسيًا عامًا، وعادة ما يعلن فيه عن العلاوة السنوية للقطاع العام. ويبدو أن الرئاسة كانت تسرب معلومات للصحف الرسمية عن أخبار سارة سيُعلن عنها في خطاب الأول من مايو. وهذه الأخبار السارة لم تكن سرًا على أحد. فالكل يعرف أن المقصود بها هو منحة مالية تماثل الأجر الأساسي لعشرة أيام. وهو تقليد موروث من عبد الناصر و استمر في عهد السادات. كتاب النظام القوي والدولة ص 80-81.
(**) يشرح الدكتور جودة عبد الخالق أن قانون قطاع الأعمال الصادر في مطلع التسعينيات سمح لمديري هذه الشركات بـ"العمل في ظل نفس القواعد التي تحكم عمل القطاع الخاص، كما يمارس مديروها الحرية في تقرير الاستثمارات وتشكيلة المنتجات والتسعير". كتاب
التثبيت والتكيف في مصر إصلاح أم إهدار للتصنيع؟ ص 122
المنصة
https://manassa.news/stories/21797

البرلمان يحيل امس اتفاقية نقل المحكوم عليهم بين مصر والإمارات للجنة مشتركة لمناقشتها

بسبب انتقاد الناشط المعارض عبد الرحمن يوسف القرضاوى نظام الحكم المصري تمهيدا لاستلامه من الامارات و إعدامه فى مصر
البرلمان يحيل امس اتفاقية نقل المحكوم عليهم بين مصر والإمارات للجنة مشتركة لمناقشتها


وافق مجلس النواب امس على إحالة قرار رئيس الجمهورية رقم 570 لسنة 2024 بشأن اتفاقية نقل المحكوم عليهم بعقوبات سالبة للحرية بين حكومتي مصر والإمارات إلى لجنة مشتركة من لجان الشؤون الدستورية التشريعية والدفاع والأمن القومي والشؤون العربية، لمناقشته.
وأشار رئيس مجلس النواب المستشار حنفي جبالي، خلال الجلسة العامة، إلى عدم مناقشة تقرير الاتفاقية المعروض على المجلس اليوم، موضحًا أن التقرير المعروض يتناول فقط دستورية الاتفاقية، وقال إن اللجنة التشريعية أكدت عدم وجود ما يخالف الدستور في طريقة إقرار الاتفاقية طبقًا للمادة 151 من الدستور.
وخلال الأيام الماضية، أُثيرت تساؤلات حول إمكانية تسليم الإمارات الشاعر عبد الرحمن يوسف القرضاوي لمصر، بعد أن سلمته السلطات اللبنانية لأبوظبي في 8 يناير/كانون الثاني الجاري.
واحتجزت السلطات اللبنانية، يوسف، يوم 28 ديسمبر/كانون الأول الماضي أثناء عودته من سوريا إلى تركيا عبر لبنان، بناءً على مذكرة تعاون أمني مع السلطات المصرية.
وفي 8 يناير/كانون الثاني الحالي، تسلمت أبوظبي من السلطات المختصة في لبنان عبد الرحمن يوسف بناءً على طلب التوقيف المؤقت الصادر بحقه من الأمانة العامة لمجلس وزراء الداخلية العرب، والمقدم من الجهات المختصة بالإمارات "لارتكابه أعمالًا من شأنها إثارة وتكدير الأمن العام"، حسب وكالة الأنباء الإماراتية.
وقال محاميه اللبناني محمد صبلوح، في وقت سابق لـ المنصة، إن الإمارات لا يحق لها استلام يوسف وطلبها استرداده غير قانوني "لأنه لا يستند على حكم قضائي أو مذكرة توقيف، وإنما على بلاغ نيابة عامة"، مضيفًا أن "يوسف لا يحمل الجنسية الإماراتية".
ونشر يوسف فيديو عبر إكس من المسجد الأموي أثناء زيارته لدمشق قبل توقيفه في لبنان، قال فيه "ندعو الله أن يوفِّق الشعب السوري وقيادته الجديدة لمواجهة كل هذه التحديات الشريرة التي يخطط لها العالم أجمع، وعلى رأس المخططين والمتآمرين أنظمة الخزي العربي وصهاينة العرب في الإمارات والسعودية ومصر وغيرها، ونقول لهم لن تستطيعوا أن تفعلوا شيئًا أمام طوفان التغيير".
وتنص المادة الثالثة من معاهدة مناهضة التعذيب على أنه "لا يجوز لأي دولة طرف أن تطرد أي شخص أو تعيده أو أن تسلمه إلى دولة أخرى، إذا توافرت لديها أسباب حقيقية تدعو إلى الاعتقاد بأنه سيكون في خطر التعرض للتعذيب".
وفي 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، قضت الدائرة 21 إرهاب والمنعقدة بمحكمة شمال الجيزة، بحبس يوسف غيابيًا 3 سنوات بتهمة نشر أخبار كاذبة، وفي 15 أكتوبر/تشرين الأول 2018 أيدت محكمة النقض حكمًا بالسجن المشدد 3 سنوات والغرامة بحق 18 متهمًا بينهم يوسف في القضية المعروفة باسم "إهانة القضاء".
وتضمنت الاتهامات في القضية "الإهانة والسب بطريق النشر، والإدلاء بتصريحات في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي تضمنت إساءة وكراهية وازدراء تجاه المحاكم والسلطة القضائية، مما أخل بهيبة القضاء".
ودعت منظمات حقوقية لإنهاء الإخفاء القسري ليوسف، مطالبة بالإفراج الفوري عنه وضمان عودته الآمنة إلى تركيا حيث يقيم ويحمل جنسيتها، مؤكدين انقطاع أخباره منذ تسليمه إلى
الإمارات "في خطوة تشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وحقوق الإنسان"، حسب العريضة
المنصة
الرابط
https://manassa.news/news/21944

الأحد، 26 يناير 2025

تعليق على تقرير الحكومة المصرية للاستعراض الدوري الشامل

 

المبادرة المصرية للحقوق الشخصية: 

تعليق على تقرير الحكومة المصرية للاستعراض الدوري الشامل


استعدادًا لجلسة الاستعراض الدوري الشامل لملف حقوق الإنسان في مصر، المنتظر عقدها في جنيف يوم الثلاثاء 28 يناير الجاري، تقدمت الحكومة المصرية في أكتوبر الماضي بتقريرها الوطني لآلية مجلس حقوق الإنسان الدولي التي تخضع لها مصر للمرة الرابعة منذ الاستعراض الأول عام 2010. 

يعكس التقرير الوطني ما بات نمطًا يحكم تقارير الحكومة المصرية أمام الهيئات الحقوقية الأممية، وهو نمط يتسم بتقديم وتعداد الإجراءات الحكومية الاعتيادية والدورية بوصفها تمثّل بحد ذاتها تحسنًا في الحالة الحقوقية، فيما يتجاهل تمامًا جذور الأزمة الحقوقية الشاملة التي تعاني منها مصر حاليًا. تتمثل هذه الجذور في بنية تشريعية مقيدة لممارسة الحقوق المدنية والسياسية المكفولة دستوريًا، وممارسات أمنية وقضائية تجعل من جهات إنفاذ القانون كيانًا فوق المحاسبة عمليًا، وحزمة سياسات مترابطة تعصف بغالبية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. والمحصلة هي آلاف من المقيدة حريتهم بالحبس الاحتياطي أو السجن بعد محاكمات تفتقر لمعايير العدالة، ومجال عام مغلق يحرم فيه المواطنين من ممارسة حقوقهم المدنية والسياسية، ومؤشرات تنمية إنسانية متراجعة بشكل خطير. 

في مواجهة ذلك المشهد لا يُنتظر من الحكومة المصرية أن تحول إجراء الاستعراض الدوري الشامل إلى مجرد مناسبة تعدد فيها إجراءاتها الاعتيادية المختلفة - وهي إجراءات يمكن تقييم بعضها بالإيجاب فعليًا - ولكن كان من المنتظر أن تعلن تصورها لطبيعة الأزمة الحقوقية الحالية وخططها لمواجهتها، والأهم أن تشرح أسباب عدم وفائها بأغلبية ما قبلته من توصيات في الاستعراض السابق في 2019 ثم تجاهلت تنفيذها تمامًا كما سبق الذكر.  

استراتيجيات بلا أهداف أو مؤشرات: 

يتجلى النمط السابق ذكره منذ السطور الأولى للتقرير الوطني، إذ يذكر التقرير تحت عنوان "الإجراءات المتخذة في سبيل تنفيذ التوصيات" سبعة مبادرات واستراتيجيات تبنتها الحكومة منذ المراجعة السابقة، باعتبارها استراتيجيات "ذات صلة بحقوق الإنسان" كما يسميها التقرير، أي أن أهدافها تتضمن تلبية التزامات دستورية ودولية بحماية وتعزيز حقوق أساسية (فقرة 10). تتضمن هذه الاستراتيجيات مثلًا: الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان المتبناة في 2021 وهي الأكثر صلةً بالموضوع بطبيعة الحال، وكذلك استراتيجيات التنمية المستدامة ومكافحة الفساد والتي تعالج جوانب مختلفة تتجاوز حماية وتعزيز الحريات والحقوق الأساسية بالمعنى المباشر للكلمة. 

ولكن الملاحظ على هذه الاستراتيجيات جميعها أنها تتضمن أهدافًا فضفاضة للغاية، ومؤشرات على نفس الدرجة من العمومية لقياس الأثر. وهذه العمومية تسمح للحكومة بأن تقدم أي تدبير متخذ على طريق تطبيق تلك الاستراتيجيات بوصفه تحسنًا يقتضي التقدير. 

على سبيل المثال، يعتبر التقرير الأخير لتنفيذ الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، وكذا التقرير الوطني، إجراء الانتخابات الرئاسية في 2023 وقبلها الانتخابات البرلمانية في 2020 والانتخابات الدورية لعدد من النقابات المهنية كمؤشرات على تحسن في حالة الحق في المشاركة السياسية. ويعتبر التقرير الوطني كذلك أن مبادرة الحوار الوطني الرئاسية التي بدأت فعالياتها في 2022 مؤشرًا على تحسن في حالة حرية التعبير (فقرة 30)، وكذا إصدار التراخيص المطلوبة لعدد من المواقع الإلكترونية والمنصات الخبرية لممارسة عملها (فقرة 31). بل ويعتبر التقرير سماح الحكومة بتنظيم مسيرة مناصرة للبيئة في قمة المناخ في شرم الشيخ 2022 أو تنظيم تظاهرة دعا لها مسؤولو الدولة للاحتجاج على العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في 2023 (فقرة 35) كمؤشرات على تحسن في حالة الحق في التجمع السلمي، كما يعتبر تأسيس عددًا من اللجان النقابية العمالية كمؤشر على تحسن في حالة الحق في التنظيم (فقرة 38).

كل هذه الإجراءات هي محض إجراءات دورية واعتيادية لا يمكن اعتبارها بحد ذاتها تحسنًا أو تدهورًا في حالة الحقوق المذكورة. وذكر الحكومة لها كمؤشرات تحسن يتسق مع طبيعة الأهداف الفضفاضة الموضوعة في الاستراتيجية الوطنية، والتي تتخذ صيغًا مصل "كتحسين مناخ التنوع واختلاف الآراء إزاء مختلف القضايا العامة"، أو "تعزيز الوعي العام بثقافة التجمع السلمي". لا يمكن لأهداف على هذا القدر من العمومية أن تلهم أي سياسات محددة أو مؤشرات يعتمد عليها. 

كان من المفترض، في المقابل، أن توضح الحكومة علاقة هذه الإجراءات بحماية وتعزيز الحقوق المذكورة، والأهم، أن تعلق على الانتهاكات المتعددة التي وثقتها منظمات حقوقية محلية ودولية في سياق هذه الإجراءات. على سبيل المثال، كان من المنتظر أن يشرح التقرير الوطني كيف يؤدي انتخاب رئيس الجمهورية بعد تعديل دستوري في 2019، يمدد فترات الرئاسة لفترة إضافية بلا سند، إلى تعزيز الحق في المشاركة السياسية. كما كان من المفترض أن يعلق التقرير الوطني على التقارير الحقوقية العديدة التي صدرت عن منظمات حقوقية محلية أو دولية ووثقت طيفًا واسعًا من الانتهاكات الخطيرة التي أحاطت بالعملية الانتخابية منذ فتح باب الترشيح، وصولًا إلى الحكم بحبس المرشح المعارض الوحيد الذي حاول الترشح من خلال جمع توكيلات التأييد المطلوبة مباشرة من المواطنين في هذه الانتخابات.  

وكان من المفترض ألا تسرد الحكومة عدد التصاريح التي أصدرتها للمواقع الإلكترونية والمنصات، ولكن أن تشرح لنا أسباب رفضها ترخيص مواقع أخرى بدون سند قانوني، أو حجب العديد من المواقع الخبرية والصحفية الأخرى التي تقدرها المنظمات الحقوقية المصرية بما يتجاوز الـ 130 رابطًا - سواء استنادًا لمواد قانون تنظيم الصحافة والإعلام 175 لسنة 2018، أو بدون سند قانوني على الإطلاق. وكذلك لم يكن من المفترض أن تسرد أعداد اللجان النقابية التي قبلت مديريات وزارة القوى العاملة توفيق أوضاعها، بل أن تشرح لنا أسباب رفض أو بالأحرى حلّ لجان نقابية أخرى أخرى. وقبل كل ذلك كان من المفترض أن تشرح لنا الحكومة لماذا ألقي القبض على العشرات ممن مارسوا الحق في التجمع السلمي في نفس المناسبات التي تذكرها الحكومة، أي تظاهرات الاحتجاج على العدوان الإسرائيلي على غزة.

كذلك فذكر الأرقام المطلقة لن يفيد في شرح موقف الحكومة بشأن هذه القضايا، ما يعنينا هو نسبة ما يُتخذ من إجراءات من بين إجمالي الإجراءات المطلوبة. على سبيل المثال، يشير التقرير إلى استخدام رئيس الجمهورية للسلطات المخولة إليه بحكم المادة 155 من الدستور في العفو عن 77585 مسجونًا في الأعياد والمناسبات القومية، والعفو عن 605 من المحكوم عليهم من كبار السن وذوي الحالات الصحية المتراجعة، بخلاف 27 حالة إفراج صحي (فقرة 24). كما يشير التقرير إلى إخلاء سبيل 1434 من المتهمين المحبوسين احتياطيًا بقرارات من النيابة العامة أو المحاكم المختصة (فقرة 25). ولكننا لا نعلم - سواء في حالة العفو الرئاسي أو إخلاء السبيل- نسبة هذا العدد من إجمالي عدد المحبوسين احتياطيًا في مراكز قانونية متماثلة ولا المعايير المستخدمة لاتخاذ مثل هذه القرارات.

اعتبار المشكلة هي الحل:

معضلة الأهداف والمؤشرات الفضفاضة والأرقام المطلقة تتكثف أكثر في حالة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وتصبح للأسف مدعاة للحيرة أو السخرية. يحفل التقرير بالإشارة لأي إجراء حكومي يدخل في صميم سياستها المالية والنقدية المعتادة باعتباره من ضمن جهودها لتحسين حالة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، حتى لو كان هذا الإجراء بحد ذاته سببًا في انتهاك أي من هذه الحقوق. 

على سبيل المثال يذكر التقرير رقمًا مطلقًا يتعلق بزيادة نسبة مخصصات دعم رغيف الخبز في الموازنة العامة للدولة للعام الحالي بنسبة 51٪ (بند أ فقرة 45)، وهي زيادة متوقعة بحكم تراجع سعر العملة المحلية والتضخم العالمي. ولكنه يتجاهل تمامًا تراجع نسبة دعم رغيف الخبز في الموازنة العامة على مدار السنوات الأربع الماضية نفسها، بل وتراجع نسبة مخصصات الدعم السلعي ككل من مجمل مخصصات الدعم في الموازنة. إذ تراجع الإنفاق الحقيقي على هذا البند بنسبة 11٪ ليكمل سلسلة من التراجعات في السنوات الماضية من 8٪ قبل عشر سنوات إلى 3.7٪ في الموازنة الجديدة. الأمر هنا لا يقتصر على مؤشر فضفاض ولكنه يمثل خداعًا صريحًا. 

ينطبق منهج الخداع ذاته على الأرقام المذكورة بشأن ارتفاع معاشات العاملين بالقطاع العام والخاص وزيادة الحد الأدنى للمعاشات (بند ج فقرة 45). فأي مراقب يعلم جيدًا أن مجرد مقارنة بسيطة للنسب والأرقام المذكورة بمعدلات التضخم الحالية ستظهر تراجعًا ملفتًا في قيمة المعاشات وليس العكس، وهو ما ينطبق بشكل أقل قليلا في حالة الحد الأدنى للأجور، الذي رغم زياداته المتوالية يظل أقل من حد الفقر. 

أما فيما يتعلق بالتعليم، يعود التقرير إلى لعبة الأرقام المطلقة منزوعة السياق، ليتحدث عن ارتفاع كبير في نسب الفتيات المقيدات في مراحل التعليم المختلفة (فقرة 58)، بينما يصمت تمامًا عن التراجع الحاد في نسبة الإنفاق على التعليم في الموازنة العامة للدولة، أو نسبة هذا الإنفاق من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة منصوص عليها دستوريًا. لا يذكر التقرير هذه الوقائع من الأصل ناهيك عن أن يقدم تبريرًا لها. 

مبرر هذا الصمت والتجاهل نجده في الفقرة الأولى في الجزء الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والتي تتحدث عن التزام الحكومة المصرية ببرامج الإصلاح الاقتصادي والمالي الهيكلي المتفق عليها مع مؤسسات التمويل الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي (فقرة 44). ومن المعروف أن هذه البرامج بحد ذاتها، بما تقتضيه من تخفيض عمدي للإنفاق الحكومي ولقيمة العملة المحلية، هي المسؤولة عن التراجع الحاد في قيمة الأجور والمعاشات وتقلص نسب الإنفاق على الخدمات العامة أو الدعم. بل إن هذه القيم مرشحة للمزيد من الانخفاض اتساقًا مع توجه الحكومة للتحول للدعم النقدي بديلًا عن الدعم السلعي، والذي يحتفي به التقرير بوصفه تقدمًا علي طريق كفالة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. 

وتستخدم الحكومة فيما يتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية أيضًا الفلسفة  نفسها الخاصة بالاستراتيجيات، حيث تسرد قائمة كبيرة من المبادرات المختلفة، دون أي إشارة لوضعيتها في سياق السياسات العامة، ودون بيان لأثرها على المشكلات المختلفة. مثلًا، في حالة برنامج تكافل وكرامة"، هل قل عدد الفقراء نتيجة للبرنامج؟ هل لعب البرنامج دوره في حماية الفئات الأفقر في المجتمع؟ وكيف؟ المبادرات لا تصلح لأن تكون بديلًا للسياسات ومؤشرات الأداء. 

انتقائية في عرض "المنجزات" والإخفاقات: 

بعد أن يغرق التقرير القارئ في بحر من الأرقام المطلقة والأهداف الفضفاضة، يعود ليذكر سريعًا أن هناك عدد من الأهداف التي لا تزال الحكومة تسعى لتحقيقها على طريق تحسين حالة حقوق الإنسان. وهذه الأهداف ومؤشراتها، مذكورة في بعض الاستراتيجيات الحكومية ذاتها، ناهيك عن ذكر الكثير منها في الدستور الحالي، وتضمن التوصيات التي قبلتها الحكومة المصرية بلا تحفظ في الاستعراض السابق في 2019 العديد منها كذلك. 

ولكن اللافت للنظر أن هذه الأهداف المذكورة التي لم تنجزها الحكومة هي نفسها الأهداف الوحيدة المحددة بدقة وتشمل التزامات تشريعية أو دستورية ملموسة. على سبيل المثال لا يشرح لنا التقرير عدم تقديم الحكومة حتى الآن لمشاريع قوانين مكافحة التمييز (مادة 53 من الدستور الحالي)، أو دعم حرية تداول المعلومات، أو الإدارة المحلية (مادة 242 من الدستور الحالي)، بالرغم من التعهد بذلك في الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان نفسها، وعلى الرغم من اشتمال مخرجات الدورة الأولى من جلسات الحوار الوطني الصادرة في أغسطس 2023 على توصيات بشأن الإسراع في تبني هذه التشريعات، خصوصًا تشريعي مناهضة التمييز والإدارة المحلية. 

أما الالتزامات الدستورية بإصدار قانون منظم لعملية العدالة الانتقالية (مادة 241)، أو تخصيص نسب من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق على الصحة والتعليم والبحث العلمي (المواد 18، 19، 23 على الترتيب )، فلم يرد لها ذكر من الأصل ولا حتى في الاستراتيجية الوطنية المذكورة. 

وفيما يتعلق بالتوصيات المقبولة في الاستعراض السابق، فلم يشر التقرير الوطني لأي توصية مقبولة تتعلق بإجراء ملموس كإلغاء أو تعديل تشريع قائم، أو الحد من ممارسة مؤسسية بعينها، أو إقرار تشريع جديد. ومن ضمن أمثلة تلك التوصيات الملموسة والتي تجاهلها التقرير تمامًا "تنقيح القوانين القائمة لكفالة الامتثال لدستور 2014" (توصية 52،31)، "إعادة النظر في تعريف الإرهاب الوارد في قانون الإرهاب 94/2015 لمنع استخدامه لتقييد الحقوق، مثل حرية التعبير" (توصية 31،134)، "تعديل قانون مكافحة الإرهاب ليتواءم مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان" (توصية 31،137)، "وضع تشريعات محددة تتعلق بحرية المعلومات وإمكانية الحصول عليها" (توصية 31،170)، "تقييم إمكانية إعادة النظر في التشريعات المتعلقة بوسائط الإعلام لضمان اتساقها مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان" (توصية 31،177)، "تقييد الاستخدام المفرط لتدابير الاحتجاز السابق للمحاكمة وتدابير الإخضاع لمراقبة الشرطة في الحدود الضيقة المبينة في المادة ٥٤ من الدستور" (توصية 31، 122)، "النظر في إعلان وقف تنفيذ عقوبة الإعدام، وإعادة النظر في جميع الأحكام التي فرضت فيها عقوبة الإعدام" (توصية 31، 102)، "إلغاء أو تعديل قانون الأحوال الشخصية لضمان المساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة في جميع المسائل المتعلقة بالزواج والعلاقات الأسرية، وبالميراث، والطلاق، وحضانة الأطفال" (توصية 221،31)، "النظر في سحب التحفظات على اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة" (توصية 31،18). 

في المقابل، يشير التقرير لعدد من التشريعات المنتظرة والتي يفترض أن تقود إلى تحسن ملموس في حالة حقوق الإنسان حال تبنيها. على رأس هذه التشريعات قانون الإجراءات الجنائية (بند أ فقرة ١11)، وقانون العمل (فقرة 49). إلا أن المسودات التي طرحتها الحكومة لكلا القانونين قد حفلت بانتهاكات متعددة لطائفة واسعة من الحقوق وتراجعًا واضحًا عن الالتزامات الدستورية والدولية بشأنها، إلى الحد الذي دفع عددًا من المنظمات الحقوقية المحلية إلى حث الحكومة على التريث في طرح هذه التشريعات نفسها إذ أن الوضع الحالي، على سوءه، يبقى أفضل من الوضع المقترح. 

في مواضع أخرى من التقرير تعزو الحكومة أي قصور في إنفاذ التزاماتها الدستورية إلى أزمات خارجة عن إرادتها أو توقعها كتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي عقب جائحة كوفيد-19  أو النزاعات الإقليمية (فقرة 44)، أو بالطبع استمرار التهديدات الإرهابية (فقرة 106)، أو شيوع معتقدات ثقافية تتناقض مع جهود الحكومة في رفع وتعزيز الوعي بثقافة حقوق الإنسان. 

في الواقع لا ننكر أبدًا عمق التحديات التي تمثلها هذه التطورات، ولكن المعضلة أن الاستجابة الحكومية لهذه التحديات تفاقم من أثرها السلبي لا العكس. تراجع الإنفاق الحكومي على الخدمات العامة، مثلًا، لا يمكن أن يسهم في التلطيف من أثر التباطؤ العالمي الناتج عن جائحة الكوفيد، بل بالعكس سيضع المزيد من الضغوط على المؤسسات الصحية على وجه التحديد، وهو ما رأيناه تحديدًا في ذروة أزمة الكوفيد، ووثقنا الأثر السلبي لتراجع التعيينات الحكومية في هذا القطاع الحيوي، وقصور تدخلات الدولة في التصدي لجائحة كوفيد-19 وأثرها غير المتساوي على الفئات الأضعف في المجتمع. وكذلك فالاستجابة لتحدي الإرهاب أو النزاعات الإقليمية لا يمكن أن يكون بالخروج على المبادئ والضمانات الدستورية والقانونية للحق في المحاكمة العادلة أو الأمان الجسدي. هذه الاستجابة الحكومية مجربة في الماضي ولم تنجح في معالجة هذه المعضلة من جذورها، بل زادت من تفاقمها. 

وأخيرًا، فرفع الوعي بثقافة حقوق الإنسان ليس مجهودًا نظريًا تقوم عليه عدد من المؤسسات التعليمية أو الدينية الرسمية، فالمعتقدات الراسخة لقرون لن تتغير من خلال مناهج تعليمية أو دورات تدريبية، على أهمية هذه المبادرات بالطبع. ولكنها ستتغير عندما يلمس المواطن تحولًا جوهريًا في سياسات السلطة العامة تجاه تبني معتقدات جديدة. لا يتسق مثلًا السعي المحمود لإصلاح الخطاب الديني ومواجهة العنف والتمييز الطائفيين، مع استمرار القيود الأمنية على بناء الكنائس بالمخالفة للقانون القاصر نفسه، ولا مع استمرار تعقب كتاب الرأي أو منتجي المحتوى باتهامات إزدراء الأديان. الرسالة التي يتلقفها المواطن أن الحكومة غير جادة في مواجهة هذه الظواهرالسلبية، بل إنها على استعداد للاستجابة لأي ضغط مجتمعي عليها يدفعها لسياسة عكس خطابها المعلن. وكذلك لا يستقيم السعي لمواجهة ثقافة الحط من شأن المرأة في المجال العام، أو مواجهة التحرش والعنف الجنسيين، مع الخطاب التحريضي الذي تتبناه النيابة العامة نفسها ضد قطاع واسع من منتجات المحتوى الترفيهي على منصات التواصل الاجتماعي، بل وإحالة الكثير منهن إلى المحاكمة وفقًا لنصوص قانونية فضفاضة تجرم ما يعرف مثلًا بـ "الاعتداء على قيم الأسرة المصرية". ومن المفترض في تقرير وطني حكومي أن يركز في عرضه على هذه الاستجابة نفسها، بدلًا من محاضرة المتلقين عن عمق التحديات التي تواجهها كافة دول العالم في الواقع.

خلاصة: 

مرة أخرى، الاستعراض الدوري الشامل هو إجراء يستهدف مناقشة توجهات الحكومات بشأن الأزمات المحيطة بحالة حقوق الإنسان في مجتمعاتها، وليس إجراءً يهدف لاستعراض جهود الحكومات الاعتيادية والدورية في الوفاء بالتزاماتها الدستورية. وفي الواقع، فالدبلوماسية المصرية قد احترفت هذا الخلط لسنوات طويلة بشكل يهدد بتفريغ إجراء الاستعراض الدوري الشامل من محتواه. وبالتالي، فالمفترض أن تنتبه الدول الأعضاء بالمجلس، والمنظمات الحقوقية الدولية التي تراقب هذه المناسبة المهمة، لهذه الاستراتيجية المتعمدة وتواجهها بوضع الحكومة المصرية أمام مسؤولياتها وأن تضغط عليها لتقديم شرح أو تبرير لاستمرار أشكال محددة من انتهاكات الحقوق الأساسية، أو القصور عن عن مواجهتها تشريعيًا ومؤسسيًا على الأقل. عندها فقط يكون لهذا الإجراء معنى وقيمة. 

الرابط

https://eipr.org/publications/%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B2%D9%8A-%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%82-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%AA%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D8%B1%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D9%85%D9%84

"أمن الدولة" تجدد حبس أحمد سراج 15 يومًا.. ومحاميه: لم يطلب شيئًا

 

"أمن الدولة" تجدد حبس أحمد سراج 15 يومًا.. ومحاميه: لم يطلب شيئًا


قررت نيابة أمن الدولة العليا تجديد حبس الصحفي بموقع ذات مصر أحمد سراج، المحبوس احتياطيًا على ذمة القضية 7 لسنة 2025 لمدة 15 يومًا، حسبما قال مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان جمال عيد لـ المنصة.

ويوم 16 يناير/كانون الثاني الحالي، ألقى الأمن القبض على أحمد سراج وندى مغيث زوجة رسام الكاريكاتير بـ المنصة أشرف عمر، المسجون احتياطيًا منذ 22 يوليو/تموز 2024.

وقررت نيابة أمن الدولة العليا مساء اليوم نفسه الذي ألقت فيه القبض عليهما إخلاء سبيل ندى مغيث بكفالة 5 آلاف جنيه بعد اتهامها بـ"الانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة"، فيما قررت حبس سراج 15 يومًا، بعد تحقيق استمر 5 ساعات.

واتهمت النيابة سراج بـ"الانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة واستخدام موقع للترويج لأفكار إرهابية وارتكاب جريمة من جرائم التمويل"، حسبما قال المحامي الحقوقي بمؤسسة حرية الفكر والتعبير أحمد عثمان لـ المنصة، الخميس الماضي.

من جانبه أكد المحامي ناصر أمين لـ المنصة أنه حضر جلسة نظر تجديد حبس موكله سراج، وأن سراج ظهر عبر الفيديو كونفرانس "استمع للمرافعة ولم تكن له طلبات أمام النيابة".

ودعت المبادرة المصرية في بيان 23 يناير/كانون الثاني الحالي للإفراج الفوري عن سراج، وإسقاط كل التهم الموجهة إليه وإلى ندى مغيث، وحفظ القضية.

وأكدت المبادرة ضرورة الالتزام بنص المادة 134 من قانون الإجراءات الجنائية، التي تحدد حالات واضحة ومحددة للجوء إلى الحبس الاحتياطي بوصفه إجراءً احترازيًا، مؤكدة أنه "لا ينطبق أي منها على سراج".

وقالت المبادرة إن القانون جعل اللجوء إلى الحبس الاحتياطي في حال كانت الجريمة في حالة تلبس، أو في حالة الخشية من هروب المتهم، أو عند خشية الإضرار بمصلحة التحقيق أو توقي الإخلال الجسيم بالأمن والنظام العام "وجميعها لا تنطبق على سراج".

ودعا مثقفون للإفراج الفوري عن سراج في بيان على فيسبوك، مطالبين الكتاب والفنانين والشعراء بالانضمام إليهم في المطالبة بالإفراج عن أصحاب الرأي، ومن بين الموقعين على البيان الشاعر زين العابدين فؤاد، والكاتب زكي سالم، والباحث عمار علي حسن.

وفي 16 يناير الجاري أدانت لجنة حماية الصحفيين/CPJ، القبض على سراج وندى مغيث، وأعربت في بيان، صدر قبل الإفراج عن زوجة أشرف عمر بكفالة، عن "رفضها بشدة اعتقال سراج وندى مغيث، بعد إجراء مقابلة صحفية معها حول احتجاز زوجها وانتهاكات حقوق الإنسان المحيطة باعتقاله".

وجاء القبض على ندى وسراج بعد يومين من بيان أصدرته وزارة الداخلية نفت فيه صحة ما وصفته بـ"ادعاء إحدى السيدات إلقاء القبض على زوجها والتحصل على مبالغ مالية وبعض المتعلقات من محل سكنه أثناء ضبطه ودون إثباتها في محضر الضبط".

وقالت منسقة برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المؤقتة في لجنة حماية الصحفيين يجانه رضائيان إن "اعتقال ندى مغيث وسراج يمثل تصعيدًا خطيرًا من جانب السلطات المصرية لإسكات أي شخص يجرؤ على فضح قمعها".

وأشارت CPJ إلى أن السلطات المصرية "سبق واستهدفت زوجات الصحفيين المعتقلين بسبب حديثهن، ففي أبريل/نيسان 2024، اختفت زوجة الصحفي ياسر أبو العلا، نجلاء فتحي، وشقيقتها قسرًا لمدة 13 يومًا بعد تقديم عدة شكاوى بشأن اختفاء أبو العلا"، ووجهت للسيدتين تهم "الانضمام إلى تنظيم إرهابي ونشر معلومات كاذبة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك".

وألقي القبض على أشرف عمر في 22 يوليو الماضي، بعدما اقتحمت قوة أمنية بلباس مدني مقر سكنه، واقتادته مكبلًا معصوب العينين إلى جهة غير معلومة، إلى أن ظهر في نيابة أمن الدولة العليا بعد يومين، تحديدًا في 24 يوليو، ومحبوس من وقتها.

وفي 10 ديسمبر/كانون الأول الماضي قررت غرفة المشورة بمحكمة جنايات بدر حبسه احتياطيًا 45 يومًا على ذمة القضية 1968 لسنة 2024 حصر أمن الدولة، في أول عرض عليها، حسبما قال وقتها المحامي الحقوقي نبيه الجنادي لـ المنصة.

وتناول عمر في عدة رسومات أزمات الكهرباء والديون، وسألته النيابة خلال التحقيقات عن رسوماته المنشورة في المنصة، ومسودات أخرى لرسوم كاريكاتيرية لم تنشر بعد، واتهمته بـ"الانضمام إلى جماعة إرهابية مع العلم بأغراضها، وبث ونشر شائعات وأخبار وبيانات كاذبة، وإساءة استخدام إحدى وسائل التواصل الاجتماعي".

وفي تقرير آخر، أشارت لجنة حماية الصحفيين إلى أن مصر احتلت المرتبة السادسة بين أسوأ دول العالم من حيث حرية الصحافة في عام 2024، حيث سُجن 17 صحفيًا، اعتقل سبعة منهم العام الماضي، وأدت الأزمة الاقتصادية في البلاد إلى موجة جديدة من حالات القبض.

المنصة

https://manassa.news/news/21956

البرلمان المصري يناقش اليوم الأحد اتفاقية جديدة لنقل السجناء من الإمارات إلى مصر؟! ، تخيل أن برلمانا ينعقد، وتشريعا يناقش، ودولة تنتفض، واتفاقيات دولية تستحدث، وميزانيات حكومية تقتطع من قوت شعب فقير، كل ذلك من أجل التنكيل بشاعر مصري قال (كلاما) أزعج الجنرال ؟!

 

البرلمان المصري يناقش اليوم الأحد اتفاقية جديدة لنقل السجناء من الإمارات إلى مصر؟! ، تخيل أن برلمانا ينعقد، وتشريعا يناقش، ودولة تنتفض، واتفاقيات دولية تستحدث، وميزانيات حكومية تقتطع من قوت شعب فقير، كل ذلك من أجل التنكيل بشاعر مصري قال (كلاما) أزعج الجنرال ؟!

جمال سلطان
رئيس تحرير صحيفة المصريون