عبدالناصر سلامة رئيس تحرير صحيفة الأهرام الحكومية السابق فى مقاله اليوم بصحيفة القدس العربي.
«متصدقش» تكشف عمق أزمة التعبير في مصر
أزمة صحافيي (متصدقش) كشفت عن أزمة أكثر تعقيداً، هي المتعلقة بمستقبل الإعلام، أو التعبير في مصر، خلال السنوات القليلة المقبلة، التي من المفترض أن تشهد الكثير من التطورات المثيرة
في الآو نة الأخيرة، ظهرت في مصر، أكثر من منصة إعلامية إلكترونية، متخصصة في التحري وتدقيق المعلومات المنشورة، سواء صدرت هذه المعلومات عن مصادر رسمية، أو معارضة، أو مستقلة، أو حتى شائعات مواقع التواصل الاجتماعي، ومن بين هذه المنصات، صحيح مصر، متصدقش، أخبار ميتر، مرصد التحقق، تفنيد، وغيرها، الأمر الذي وضع المسؤولين خصوصاً، في موقف لا يحسدون عليه، حيث بدا أن تلك المنصات تترصد التصريحات الكاذبة، أو بتعبير أكثر تهذيباً، التصريحات غير الدقيقة، وما أكثرها، في غياب إعلام حقيقي، من المفترض أنه كان يجب أن يقوم بهذه المهمة، أو على أقل تقدير، سيراقب، وينتقد، ويتحرى الصدق أيضاً.
يبدو أن النظام في مصر، ضاق ذرعاً بعمل هذه المنصات، التي اعتادت إحراج المسؤولين، فما كان من الأجهزة الأمنية، إلا أن ألقت القبض على ستة صحافيين، من العاملين في منصة (متصدقش) دفعة واحدة، فيما بدا أنهم يشكلون كل المجموعة العاملة في المنصة، أو معظمهم، وبعد إخفائهم عدة أيام، ظهروا في تحقيقات موسعة، في نيابة أمن الدولة العليا، صدر في أعقابها قرار بالحبس، على ذمة التحقيقات، بعد توجيه اتهامات لهم تتعلق بتمويل خارجي، والانتماء إلى جماعة إرهابية محظورة، ونشر أخبار كاذبة، وتكدير السلم العام، إلى غير ذلك من الاتهامات المتعارف عليها، حين القبض على الإعلاميين بشكل عام.
كان من الطبيعي أن تدخل نقابة الصحافيين على خط الأزمة، مستنكرة ذلك الذي يجري، في الوقت الذي كانت تسعى فيه طوال الأعوام السابقة إلى تحقيق انفراجة، تتمثل في الإفراج عن عشرات الصحافيين المعتقلين، الذين قضوا سنوات طويلة في السجون، إلا أن الرياح جاءت بأمواج عاتية هذه المرة، تمثلت في اعتقال مجموعة صحافيين دفعة واحدة، في عملية غير مسبوقة، دافعت عنها وزارة الداخلية بقوة، وصدر بشأنها بيان من النيابة العامة أيضاً، ثم تصريحات رسمية متعددة، بالتزامن مع الاستعانة بالكتائب الإلكترونية، للترويج للموقف الرسمي، فيما يشير إلى أهمية القضية، والإصرار على قرار الحبس، تمهيداً لمحاكمتهم.
الغريب هو ذلك الانقسام، بين المعارضة والموالاة، في موقف مجلس نقابة الصحافيين، الذين من المفترض أن يدافعوا عن المهنة، إلى أن يصدر بشأن المعتقلين حكم قضائي على أقل تقدير، ما أثار انقساماً أيضاً في صفوف الجمعية العمومية ككل، وسط تبادل اتهامات صريحة، بين الانحياز للمهنة وللحريات، في مواجهة الانحياز لأجهزة الأمن والتجاوز عن المهنة، ما أضعف دور النقابة بشكل عام، بعد أن أصبحت تدافع عن نفسها، بدلاً من التفرغ للدفاع عن أعضاء يقبعون في السجون، باتهامات جعلت من جماعة الإخوان المسلمين، الحاضر الغائب في كل هذه المهاترات، رغم أن نقيب الصحافيين وحلفاءه في الأزمة، هم من اليسار والناصريين، المختلفين سياسياً مع جماعة الإخوان شكلاً وموضوعاً.
القضية انتقلت الآن، من أروقة نيابة أمن الدولة ونقابة الصحافيين، إلى مواقع التواصل والصحف والأحزاب السياسية، وإلى الشارع عموماً، الذي كان قد فقد شغف الاهتمام بقضايا شؤون الحريات إلى حد كبير، مع طغيان القضايا الاجتماعية والأزمات المعيشية من جهة، وتسارع الأحداث السياسية في المنطقة من جهة أخرى، ناهيك من حالة الخوف والهلع، التي تسيطر على المواطن بشكل عام، جراء إجراءات القمع والبطش، التي أصبحت عنواناً رئيسياً لأي احتجاج من أي نوع، ربما على أبسط الأشياء، إلا أن الشارع هذه المرة، لم يتوان عن الإعراب عن استنكاره للذي يجري، من خلال قنوات عديدة، على اعتبار أن مثل هذه المنصات الإعلامية، لا تشكل أزمة أمنية حقيقية تهدد النظام، الذي يستسهل عمليات الاعتقال والحبس.
أزمة صحافيي (متصدقش) كشفت عن أزمة أكثر تعقيداً، هي المتعلقة بمستقبل الإعلام، أو التعبير في مصر، خلال السنوات القليلة المقبلة، التي من المفترض أن تشهد الكثير من التطورات المثيرة، المتعلقة خصوصاً باستمرار الرئيس عبدالفتاح السيسي في الحكم من عدمه، في ختام فترة رئاسية تنتهي عام 2030، والتي يكمل من خلالها مدة ستة عشر عاماً، يجري التمهيد حالياً للاستمرار بعدها، من خلال جمع توقيعات شعبية من أنصاره تطالب بذلك، تستدعي في نهاية الأمر تعديل الدستور، الذي تم تعديله من قبل، للمد فترة ثالثة، ومد الفترة الواحدة إلى ست سنوات. ولأن الشواهد واضحة برفض الأغلبية تعديل الدستور، ومن ثم رفض المد للرئيس، فإن ما جرى أخيراً، يثير المخاوف من أن تشهد الساحة مستقبلاً، تعاملاً أمنياً شديد القسوة، مع أولئك المعترضين، خصوصاً الإعلاميين، وكتاب الرأي، وذوي الانتشار الواسع بمواقع التواصل الاجتماعي، إلى غير ذلك ممن لهم تأثير في الرأي العام، من ناشطي الأحزاب السياسية، والقوى الثورية، خصوصاً أنه تم بناء العديد من السجون الضخمة، خلال السنوات الأخيرة، ما زال بعضها شاغراً إلى حد كبير، رغم وجود عشرات آلاف السجناء والمعتقلين. الغريب أن أزمة الاعتقالات الأخيرة، جاءت في أعقاب توجيهات رئاسية، بتنظيم مؤتمر واسع النطاق، في شهر ديسمبر المقبل، لمناقشة الحالة الإعلامية، وكيفية النهوض بها، لتحقيق انفراجة بهذا الشأن، وهو ما اعتبره المراقبون ضربة قاصمة للمؤتمر قبل أن يبدأ، بينما اعتبر البعض الآخر أن التوجيهات في حد ذاتها، تحصيل حاصل، لا تحمل الجدية الكافية، وإلا لما حدث ما حدث، في الوقت الذي لم تعد تعير فيه السلطات أي اهتمام لردود أفعال المنظمات الدولية، التي سارعت جميعها تقريباً، للتنديد بحملة الاعتقالات الأخيرة، والمطالبة بالإفراج عن الصحافيين الستة. على الجانب الآخر، جاء إعلان وزارة الخارجية الأمريكية أخيراً، بالإفراج عن المساعدات العسكرية لمصر هذا العام، بقيمة 320 مليون دولار، بعد إعفائها من الشروط المتعلقة بحقوق الإنسان، حسبما جاء في الإعلان، لتمنح السلطات المصرية قوة إضافية في التعامل بحزم مع الأوضاع الداخلية، المتعلقة بقضايا الرأي والتعبير وغيرها، ما يؤكد أن المستقبل قد لا يحمل تنازلات في هذا الصدد، في غياب حياة حزبية حقيقية، وبرلمان قوي، ونخبة سياسية، وصحافة مستقلة، في تراجع واضح لما كانت عليه الأوضاع قبل 2011، بل قبل 1952.
الرئيس المصري، عبر أكثر من مرة، عن رؤيته للحريات عموماً، بأنها لا تعني حرية الكلمة، أو حرية الرأي والتعبير، موجها خطابه للغرب قائلاً: الحرية لدينا ليست كالحرية لديكم، ديمقراطيتنا غير ديمقراطيتكم، حقوق الإنسان ليست سياسية فقط، بل تتعلق بتوفير الخدمات الصحية والتعليمية والإسكانية وخلافه، نحن لسنا في أوروبا المتقدمة فكرياً وإنسانياً، ولا نحتاج لأحد ليقول لنا ما هي حقوق الإنسان، لدينا قيمنا وأخلاقيتنا، وعليكم أن تحترموها كما نحترم قيمكم، نحن ثقافتين مختلفتين، ومنطقتين مختلفتين، أولوية الأوروبيين تحقيق الرفاهية لشعوبهم، أما أولوياتنا فهي منع الدولة من الانهيار، إلى غير ذلك من محاولات التبرير للأوضاع الحالية. وإذا وضعنا في الاعتبار، مدى تضارب هذه الاستراتيجية، مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان بشكل عام، نكتشف أننا أمام معضلة كبيرة، سوف تظل تلقي ظلالها على مجريات الأحداث السياسية والحزبية والإعلامية في مصر، غير بعيدة عن الصدام، حيث الفجوة الواسعة بين رؤية النظام في الداخل، وتطلعات شعب عانى كثيراً، وسدد ثمناً باهظاً من الدماء والأرواح، على مدى أكثر من قرن من الزمان، عندما كان يخرج إلى الشوارع، في ثورة 1919 بالملايين، في مواجهة الاحتلال بحثاً عن الحرية، وحتى أحداث 2011، التي أطاحت بالرئيس الراحل حسني مبارك أيضاً، احتجاجاً على قمع الحريات، التي كانت في أزهى صورها، مقارنة بالوضع الحالي.
أعتقد أن مجريات الأحداث، والتحفز الواضح على جانبي أطرافها، تحتم التوصل إلى صيغة مشتركة، من شأنها تحقيق النجاة، وانتشال المجتمع من حالة الاحتقان هذه، إلى أخرى أكثر هدوءاً، بما يتوافق مع حجم دولة تتطلع إليها كل دول المنطقة، لتكون نموذجاً للقيادة والاستقرار، ونشر الديمقراطية، بحكم عوامل كثيرة، تتعلق بالتاريخ والجغرافيا، والقوة العسكرية، والقوة الناعمة، ممثلة في الثروة البشرية والأزهر والثقافة والتعليم، وهي العوامل التي تراجع دورها كثيراً عن عمد أحياناً، وسوء تقدير أحياناً أخرى، ما ألقى بظلال سلبية على مناحي الحياة، الاقتصادية والاجتماعية والمعنوية، الأمر الذي قد يعجل بما هو أسوأ، خصوصاً مع توتر الأوضاع بالمنطقة ككل.





