بعد قول السيسى على رؤوس الاشهاد بإن "مصر ستتصرف طبقا لتوجيهات جلالة الملك سلمان وتوجيهات ولي العهد محمد بن سلمان" لحماية السعودية والدفاع عنها.مصر يا سيسى لا تعمل بتوجيهات من أحد.. مصر لديها مصالح.. مصر تبني تحالفات
- خلال حفل تخرج دفعات من الأكاديمية العسكرية يوم السبت، وفي سياق حديثه عن دور مصري مرتقب في الحرب على الحوثيين في اليمن، قال الرئيس السيسي إن "مصر ستتصرف طبقا لتوجيهات جلالة الملك سلمان وتوجيهات ولي العهد محمد بن سلمان" لحماية السعودية والدفاع عنها.
- ورغم تأكيد الرئيس قبلها على ضرورة وقف الحرب، وهو الموقف المفترض من مصر، وكان جزء من ثوابت السياسة الخارجية المصرية من بداية الحرب في 2015 ، لكن الرئيس في نفس الحديث طلب من مجلس النواب عقد جلسة طارئة لمنحه التفويض اللازم، إذا طلبت السعودية من مصر اتخاذ إجراءات للدفاع عنها.
- وفي اليوم التالي، أعلن مجلس الدفاع الوطني التضامن الكامل مع المملكة، والاستعداد لتقديم أشكال الدعم اللازمة والممكنة، بالتوازي مع تكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية لخفض التصعيد وتسوية الأزمات سلميًا.
- ناس كتير شافت أنه ده بمثابة إعلان دخول مصر للحرب في اليمن، وده شيء يبدو مبكر شوية علي التحليل، لأنه محدش يعرف حتى الآن ما هي حدود التدخل المصري، واللي هو شأن عسكري هيتضح مع الوقت، مصر بالأساس كانت خارج تحالف مكة اللي أعلنته السعودية في أغسطس الماضي مع تركيا وباكستان، ولم تدع مصر له أو تحفظت علي المشاركة فيه، محدش يعرف بشكل يقيني ماذا حدث.
- حاليا البرلمان بيعقد جلسات للموافقة على التدخل ده، أو التفويض للرئيس بالتدخل، وده من المعلوم في السياسة المصرية بالضرورة يبدو أمر بروتوكولي، لأنه البرلمان هيوافق وبالتالي الرئيس ومعه غالبا المؤسسات السيادية الأخرى حسمت أمرها بالتدخل لصالح دعم المملكة العربية السعودية.
مساعدة السعودية ضرورة.. لكن دون توريط مصر
- لا يخفي علي الجميع التحالف العضوي بين الخليج ومصر منذ 2013، الخليج قدم الاستثمارات والقروض لدعم استقرار مصر، ومازالت مصر حتى الآن بتعتمد على الدعم الخليجي فقط للبقاء بدون أزمات اقتصادية أكثر عنفا مما شهدناه.
- هجمات الحوثيين على مطارات ومنشآت سعودية تهديد حقيقي، ومن حق السعودية أن تدافع عن أراضيها ومواطنيها. لكن المشهد العسكري الحالي واللي فيه الحوثيون قادرين يسيطروا على مناطق مهمة على الأرض، أهمها مكاسبهم الأخيرة في المخا وتعز، وبالتالي الحرب في اليمن بتدفع الجميع للتدخل البري مع قوات الشرعية في اليمن والمجموعات المتحالفة معهم، وده معناه تدخل بري في اليمن.
- مشكلة التدخل البري في اليمن يعرفها الجميع، ويعرفها الجيش المصري بحكم التدخل بريا في الستينيات، البلد مليان تضاريس بتصعب بشكل حقيقي عمل أي قوات برية، وعلشان كدا طوال أكثر من عشر سنوات من حرب السعودية والإمارات والمجموعات المتحالفة معهم في اليمن على الحوثي لم ينجحوا في أشياء كثيرة، مازال الحوثيين بيسيطروا على العاصمة اليمنية، والأهم قادرين علي تهديد الملاحة في باب المندب، ومؤخرا تعزز ده من خلال السيطرة على المخا والجزر الأخرى في المضيق.
- ومن هنا يظهر السؤال الذي يجب أن يجيب عنه النظام في مصر، ما الذي تستطيع مصر تقديمه تحديدًا ولا تستطيع السعودية توفيره بقدراتها الحالية؟ هل منظومات دفاع جوي؟ السعودية عندها، هل طيارين؟ السعودية بتستعين بطيارين باكستانين وبتتعاقد مع طيارين أمريكيين وإسرائيليين في بعض المراحل، هل القوة البحرية المصرية تقدر تفتح باب المندب؟ وده الشيء اللي فشل فيه الأمريكان والأوروبيين نفسهم!
- السعودية، وفق أحدث بيانات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام SIPRI، كانت ثالث أكبر مستورد للسلاح في العالم خلال الفترة 2021–2025، والأولى إقليميًا.
- ده لا يعني أنها مش محتاجة دعم، لأنه السلاح مش بيشغل نفسه، والحروب بتخاض بالقدرات البشرية قبل السلاح، لكن في نفس الوقت حجم التسليح السعودي بيطرح سؤال كبير عن حدود التدخل المصري؟ إيه الحاجة الفعلية للقوات المصرية؟ وإيه المهام اللي هتتولاها القوات دي؟ وإيه المدة اللي مخطط أن تستمر فيها المهمة دي؟ وهل الدعم فعلا هيقتصر على الدفاع عن الأراضي السعودية ولا هيتحول مع الوقت لمشاركة مصرية أكثر نشاطا في الحرب في اليمن وبالتالي تعريض مصر لمخاطر الرد من الحوثيين ومن وراهم إيران.
- مصر بالفعل دفعت كثير بسبب توقف الملاحة في البحر الأحمر في 2025، وتأثيره على إيرادات قناة السويس اللي انهارت بأكثر من 60% خلال العام المالي 2024 -2025، والرئيس السيسي قال مؤخرا أنه تكلفة الحرب على القناة تجاوزت 20 مليار دولار خلال السنوات الماضية.
ما هي مسارات التدخل المصري؟
- احنا أمام مسارين للتدخل المصري، الأول هو تقديم دعم دفاعي محدود، مثل تأمين المجال الجوي أو حماية منشآت محددة أو مرافقة الملاحة، وده يختلف سياسيًا وعسكريًا عن المسار الثاني وهو المشاركة المصرية في ضرب مواقع الحوثيين أو إرسال قوات برية لمحاولة إزاحتهم من الساحل.
- وكلما اتسع الهدف من حماية السعودية إلى هزيمة الحوثيين أو فرض ترتيبات سياسية داخل اليمن، زادت احتمالات اتساع المهمة، وصَعُب تحديد موعد لإنهائها.
- التاريخ المصري في اليمن غير مطمئن، ففي حرب شمال اليمن التي بدأت عام 1962، بدأ الوجود المصري بتدخل محدود، ثم اتسع إلى عشرات الآلاف من الجنود، وبلغ نحو 70 ألفًا في ذروته.
- ورغم الفوارق وقتها في التسليح بين الجيش المصري اللي كان مسلح سوفيتيا بشكل جيد بالمقارنة بالإمام في اليمين إلا أنه مصر لم تنه الحرب ولم تقدر على إنهاء نظام الإمام، واستمر الوجود العسكري لما بعد 67 اللي كثير بيقولوا أنه التدخل في اليمن كان أحد الأسباب المباشرة للنكسة.
- الدرس اللي المفروض ياخده الجيش والنظام في مصر من التدخل في اليمين هو أنه المهمات بتبدأ بشكل محدود، ولكن بسبب طبيعة اليمن القبلية والجغرافية بنغرس في وحل بدون خطط واضحة للخروج، وهي بالمناسبة حالة السعودية منذ 2015 وحتي اليوم.
- ده مش معناه إن مصر تقف متفرجة أو ترفض مساندة السعودية، لأنه هزيمة السعودية ليها تداعيات علينا شئنا أم أبينا، لكن معناه أن التضامن وتقديم الدعم العسكري حتى لا يعني شيك على بياض بالحرب.
- ولكن معناه الأهم هو أنه الدور المصري في الوساطة لإنهاء الحرب مهم، مش بس عشان مصالحنا لكن عشان ببساطة الحرب الحالية بين السعودية والحوثيين تقع ضمن حرب أوسع في الإقليم، تفيد الولايات المتحدة وإسرائيل في النهاية.
مصلحة مصر في وقف الحرب
- مصر لديها مصالح سياسية واقتصادية مباشرة تتعلق بتأمين البحر الأحمر في المقام الأول، لكن في نفس الوقت أمن مصر القومي يتطلب نظرا أكثر شمولا لما يحدث في الاقليم.
- التحالف السني ( السعودية - تركيا - باكستان - مصر) اللي لسه بتتشكل ملامحه مهم مصر تكون موجودة فيه، ومش بس موجودة عسكريا، لكن موجودة سياسيا، ويجب أنه التحالف ده يحاول استباق هزيمة المحور الشيعي، واللي بالمناسبة كانت هزيمة محتومة بفعل تدخلات المحور السلبية في سوريا، لبنان، اليمن.
- إذا كان هدف المحور السني هو إعادة تشكيل النظام الأمني بعيدا عن اسرائيل، بل وبعيدا عن الولايات المتحدة فده هو الخطوة الصحيحة، ساعتها ممكن نفهم التدخل المصري بجانب السعودية أنه خطوة في مسار طويل لإعادة ترتيب إقليم مضطرب زي الشرق الأوسط.
- لكن إذا كان هدف المحور فقط هزيمة الحوثيين، وهي شيء شديد الصعوبة هياخد وقت، وتقديم ده على طبق من ذهب للأمريكان والإسرائيليين، فساعتها مفيش منطق أساسا من مساهمة مصر، لأنه في النهاية التاريخ بيحكم على الحروب من نتائجها طويلة المدي، مش من نتائجها قصيرة المدي.
- ربما كان قصر النظر من البداية في دخول السعودية والخليج بكل هذا الإنفاق العسكري لحرب اليمن، البلد الفقير اللي دمره الحوثيين ومعاهم مختلف الفصائل اليمنية اللي ارتكبت الكثير من الكوارث في حق الشعب اليمني، وعشان كده بنقول دائما أنه العقلانية السياسية تقتضي إنهاء الحرب الحالية مع الحوثي، حتى لو ظهرت السعودية بشكل سيء.
- خفض التصعيد من الحوثيين بالضغط عليهم من ايران في إطار اتفاق أوسع لإنهاء الحرب في المنطقة ممكن، ولم يفت الأوان على السعي لذلك.
- وإذا كانت الفائدة المرجوة هي حماية السعودية وخفض التهديد على الملاحة في البحر الأحمر، فلازم يكون في صلة بين الوسيلة والهدف، هل سيحقق إرسال قوات مصرية هذا الهدف؟ أم سيورط مصر في حرب بالفعل السعودية متورطة فيها، ويزيد احتمالات استهداف السفن المصرية والموانئ المصرية من قبل الحوثيين، ومش بعيد من قبل إيران لو زاد التصعيد.
- لو الهدف هو إزاحة التهديد الحوثي عن باب المندب، فإيه هو التصور السياسي لما سيأتي بعد؟ السيطرة حتى على الساحل والمدن القريبة من المضيق لن تحميه بشكل كامل، ولن تعني هزيمة حركة متمردة عسكريا في الجبال بتحارب الحكومة اليمنية من التسعينات بأشكال مختلفة، ولم تنجح السعودية في المرتين في القضاء عليهم، ولا نجحت الحكومة اليمنية.
- حوثيي اليوم يستخدمون claude في تحسين استهدافات صواريخهم البالستية ومسيراتهم، وبالتالي هما مش حركة مسلحة سهل القضاء عليهم، عندهم تراكم من الخبرات من 10 سنوات وأكثر وربما عقود من حرب العصابات، وبالتالي التصور بأنه دعم مصر للسعودية هينهي الحرب هو تصور غير صحيح.
- الخلاصة أن مصر ليست مطالبة بالسكون أمام تهديد حقيقي للسعودية أو للملاحة في البحر الأحمر، وكذلك ليست مطالبة بالوقوف ساكنة أمام طموحات أثيوبيا للوصول للبحر الأحمر، وأمام التواجد الإسرائيلي المكثف في القرن الإفريقي، كما أننا لسنا مطالبين بالسكون والابتعاد عن ما يحدث في السودان، وقبلها ما يحدث في ليبيا.
- في النهاية كل التدخلات دي مهمة وضرورية لحماية الأمن القومي المصري بمفهومه الأشمل.
- أي تغييرات بتحصل في الإقليم هتؤثر عليك، شئنا أم أبينا، لكن السؤال طويل المدى عن استعادة أمن الإقليم، وبالتالي استعادة قدرة الدول العربية ككتلة متكاملة، ومن بعدهم ما يسمى بالمحور السني، علي زمام المبادرة في إقليم يتجه كل يوم نحو هيمنة اسرائيلية مدعومة أمريكيا.
- وعشان كده مطالبة مصر والنظام المصري بأنه يجعل الوساطة وخفض التصعيد أولويات هو شيء شديد العقلانية في منطقة شديدة الاضطراب والجنون، والأهم هو أنه مطلوب من النظام أن يشرح للرأي العام أي مهمة عسكرية محتملة قبل أن تبدأ، ده جيشنا ودول ولادنا.
- يجب أن نشرح للرأي العام بوضوح هدف المهمة العسكرية دي ، وحدودها، ومدتها، بل وتكلفتها واحتمالات الرد عليها، ويجب أن يكون تأمين المؤسسات الحيوية المصرية بالأخص في قطاعات زي الطاقة أولوية على أي شيء آخر.
- لا نريد للحرب أن تصل للسويس، ولا نريد أن نصل لنقطة الاعودة اللي نلاقي فيها الحوثيين بيقصفوا الموانئ المصرية علي البحر الأحمر، وبيبعتوا مسيرات ضد أهداف مصرية، لأنه وقتها الرد العسكري هيكون هو المقبول فقط من جموع الشعب المصري.
- التدخل العسكري يجب أن يبقى محدودا ودفاعيا، والأهم مرتبط بمسار سياسي وتفاوضي لإنهاء الحرب العبثية بين اليمن والسعودية واللي لن تقود في النهاية سوى لمكاسب مجانية لإسرائيل وحلفائها في المنطقة.
#الموقف_المصري
الرابط
https://x.com/AlmasryAlmawkef/status/2111860090114613753