الرابط
🔴 في أغسطس الماضي، تلقى جهاز تنظيم الاتصالات شكاوى من مواطنين اكتشفوا تسجيل خطوط محمول بأسمائهم وبياناتهم الشخصية دون علمهم، واستخدامها من قبل أشخاص مجهولين؛ ليقرر الجهاز سريعًا الاعتماد على بيانات بصمة الوجه البيومترية في محاولة لمنع أي تلاعبات في تسجيل الخطوط.◾️وأولى خطوات التنفيذ بدأت من قرار الجهاز بتولي شركة "ساي شيلد"، المتخصصة في الحلول الرقمية، تطوير منظومة للتحقق من بصمات الوجوه البيومترية والتوقيعات الإلكترونية، عبر تطبيقات شركات المحمول الأربع.
⚠️ تولّي شركة خاصة مسؤولية منظومة بصمات وجوه المصريين دفع "صحيح مصر" إلى أن تبدأ رحلة بحثية للكشف عن خلفيتها ومن يملكها؟ ليكشف البحث أن الشركة لديها سجلًا واسعًا من التعاقدات مع جهات حكومية.
◾️غير أن هذه الثقة الحكومية -وفقًا لثلاثة مصادر تعمل في مجال الحماية السيبرانية، من بينهم موظف سابق في الشركة- ليست من فراغ؛ إذ تتبع "ساي شيلد" لأحد "الأجهزة الأمنية السيادية".
◾️وتروّج الشركة لعملها باعتبارها "توفر نظامًا للأمن السيبراني تم تصميمه مصريًا بنسبة 100%، مما يضمن عدم وصول أي أجنبي إلى بيانات المواطنين". كما أشارت إلى أنه "تم تصميم وتطوير بنية المطابقة البيومترية والتحقق الإلكتروني من قبل مواهب هندسية مصرية، مما أعطى مصر سيطرة وطنية على طبقة مهمة من بنيتها التحتية الرقمية".
◾️وسبق أن أثار قرار الجهاز استخدام بصمات الوجوه في تسجيل الهواتف، مخاوف حقوقية بشأن الخصوصية، لا سيما أن بصمة الوجه تُعد من أكثر البيانات البيومترية حساسية، فهي لا تُستخدم فقط لتحديد هوية الشخص والتحقق منها، بل يمكن تقنيًا ربطها ببياناته لدى جهات مختلفة، وتتبع تحركاته عبر كاميرات المراقبة في الشوارع.
◾️وتكمن خطورة هذه البيانات أيضًا في أنه لا يمكن تغييرها أو استبدالها، بخلاف كلمات المرور أو أرقام التعريف؛ فإذا تسربت بصمة الوجه أو وقعت في حوزة أي جهة، تظل مرتبطة بصاحبها بشكل دائم، ويمكن استخدامها للوصول إلى بياناته أو ربطها بأي معلومات جديدة تُجمع عنه مستقبلًا.
🔴 التأسيس والتوسع في التعاون مع الحكومة
◾️المعلومات المتاحة على المواقع المفتوحة تقول إن شركة "ساي شيلد" تأسست في العام 2016 كشركة خاصة (Privately Held)، بحسب ما تسجله على حسابها على لينكد إن، كما تورد عبر موقعها الرسمي أنها عملت على أكثر من 350 مشروعًا، وخدمت أكثر من 30 مليون "مستهلك رقمي"، بمساعدة أكثر من 700 خبير يعملون لديها؛ وتهدف إلى أن تصبح الخيار الأول للحكومات في العالم السيبراني.
◾️وتشير سجلات الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات (NTRA) إلى أن الشركة معتمدة رسميًا من الجهاز كمقدم لخدمات الأمن السيبراني، ومرخصة لتقديم اختبارات الاختراق وتقييم الثغرات الأمنية ومراقبة مراكز العمليات الأمنية SOC، وهي المراكز المسؤولة عن تقديم التحذيرات الفورية للجهات الحكومية والقطاعات الحيوية في حال وجود تهديدات موسعة.
◾️كما يسمح الجهاز للشركة تقديم خدماتها للجهات الحكومية وشركات قطاع الأعمال، بجانب القطاع الخاص وشركات الاتصالات، والتي تشمل مواجهة الحوادث السيبرانية وتحليل الأدلة الرقمية وتقديم الحلول المتكاملة والاستشارية والتدريب.
◾️كما ترد ساي شيلد أيضًا ضمن سجلات NTRA باعتبارها مرخصًا لها "إنشاء وتشغيل مراكز البيانات وتقديم خدمات مراكز البيانات والحوسبة السحابية". [2]
◾️في عام 2024، نسقت ساي شيلد مع الشركة القابضة لكهرباء مصر وشركات الدفع الإلكتروني لطباعة الرقم القومي للعقار على إيصالات إعادة شحن العدادات مسبقة الدفع، باعتباره جزءًا من "مشروع رقمنة وربط بيانات المشتركين"، الذي شمل 29.9 مليون مشترك، وفقًا للتقرير السنوي للشركة القابضة للكهرباء لعام 2024.
◾️وفي ديسمبر 2024، بدأت العمل كمشغل محلي لإدارة شرائح eSIM في مصر، بحسب شركة Thales الدولية، التي منحتها حق استخدام منصتها لإدارة الشرائح. وتعمل الشركة مع مشغلي المحمول الأربعة، وحصلت على اعتماد كامل من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات وشهادة الأمان الدولية GSMA SAS-SM.
◾️وفي مايو 2025، نظمت ساي شيلد أول برنامج تدريبي واعتماد متخصص لبناء قدرات مراكز العمليات الأمنية (SOC) في قطاع الطاقة، بتكليف من وزارة البترول والثروة المعدنية واستضافة شركة إنبي. واستهدف البرنامج "بناء كوادر وطنية لحماية البنية التحتية الحيوية والربط بالمركز الوطني للأمن السيبراني".
◾️وفي مايو 2026، وقع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي اتفاقيتي إدارة وتشغيل منظومة التأشيرة الرقمية الجديدة في مطار القاهرة. وكانت ساي شيلد الشركة المنفذة للمنظومة، بينما تولى البنك الأهلي المصري وبنك مصر دور مقدمي الخدمة. وبدأت المرحلة التجريبية في 1 أغسطس 2026 بإصدار رمز QR للتأشيرة.
🔴 الهوية الرقمية وتسجيل بصمات الوجوه
◾️وقبل ثلاثة أشهر، أعلنت "ساي شيلد" عبر حسابها في "لينكد إن" أنها شاركت في تصميم وتطوير تطبيق "الهوية الرقمية" بالتعاون مع وزارة الاتصالات ووزارة الداخلية، لتوحيد دخول المستخدمين إلى الخدمات الحكومية عبر حساب واحد.
◾️ويتطلب استخدام تطبيق "الهوية الرقمية" مسح بطاقة الرقم القومي للمواطن، وإجراء مسح آخر لبصمة الوجه للتحقق من الهوية، وبعد التفعيل، يمكن التطبيق المواطن المصري من الدخول إلى أي جهة حكومية، وإجراء الكثير من الخدمات بشكل إلكتروني، دون الحاجة لزيارة تلك الجهات.
◾️وخلال الشهر الماضي، أصبح تطبيق "الهوية الرقمية" جزءًا من منظومة التحقق البيومتري لتسجيل خطوط المحمول.
◾️وفي إطار تفعيل ذلك، شاركت "ساي شيلد" في تصميم وتطوير التطبيق الذي يتيح لعملاء الاتصالات إثبات الهوية والتوقيع إلكترونيًا عبر الهاتف دون زيارة الفروع. وقالت إنه "تم تصميم وتطوير بنية المطابقة البيومترية والتحقق الإلكتروني من قبل مواهب هندسية مصرية، مما أعطى مصر سيطرة وطنية على طبقة مهمة من بنيتها التحتية الرقمية".
◾️وتروّج الشركة لعملها باعتبارها "توفر نظامًا بيئيًا للأمن السيبراني تم تصميمه مصريًا بنسبة 100%، مما يضمن عدم وصول أي أجنبي إلى بيانات المواطنين". [3]
◾️أثار كل ما تفعله "ساي شيلد" الفضول، فالشركة معنية ببصمات الوجه البيومترية للمصريين، وبياناتهم الرقمية عبر تطبيق "الهوية الرقمية"، كما أنها مسؤولة عن تدريب كوادر حكومية، ولكن السؤال الذي ظل مجهولاً ومهمًا: من إذن يملك هذه الشركة؟
❓ من يملك "ساي شيلد"؟ رئيس المخابرات الحالي كان رئيسها
◾️لا تكشف المواقع أو قواعد البيانات عن هيكل ملكية واضح للشركة المتخصصة في المجال السيبراني؛ لذا اتجه "صحيح مصر" إلى سجلات جهاز تنمية التجارة الداخلية للبحث عن هيكلها الإداري، ليتضح أن الشركة قُيدت لأول مرة في 14 أغسطس 2016 تحت رقم قيد 96106، برقم إيداع 25042، ثم تقدمت في 18 مايو 2021 لتسجيل علامة CYSHIELD / ساي شيلد، باسم "ساي شيلد للتكنولوجيا ش.م.م – شركة مساهمة مصرية".
◾️ويكشف تتبع عشرات السجلات في جريدة الأسماء التجارية، أن الشركة كان يترأس مجلس إدارتها وقت التأسيس في أغسطس 2016، رئيس جهاز المخابرات العامة الحالي حسن رشاد، بصفته ممثلاً عن "الشركة المصرية للمشروعات الاستثمارية".
◾️ووجود حسن رشاد على رأس مجلس الإدارة ممثلاً عن "الشركة المصرية للمشروعات الاستثمارية" يشي بأنها صاحبة النصيب الأكبر في أسهم الملكية. إذ بالإضافة لذلك، ضمت ممثلين عنها في عضوية مجلس إدارة "ساي شيلد".
◾️وبحسب موقعها الرسمي، فإنها "المصرية للمشروعات الاستثمارية" تعمل في مجال الاستثمار، ونشاطها "الاشتراك في تأسيس الشركات التي تصدر أوراقًا مالية أو في زيادة رؤوس أموالها في مصر وخارجها". كما أن الهيئة العامة للرقابة المالية تسجلها كشركة مرخصة بهذا النشاط منذ 11 أكتوبر 1997.
◾️لكن تحقيق سابق لـ"مدى مصر" -في عام 2018- عن شراء الغاز الإسرائيلي من قبل شركة تتبع الجهاز السيادي، ذكر أن "الشركة المصرية للمشروعات الاستثمارية"، معروفة في عالم الأعمال بكونها "الذراع التجارية" لهذا الجهاز السيادي. [4]
◾️وأشار التحقيق إلى أن المعلومات عن الشركة لدى قاعدة بيانات Orbis، المملوكة لوكالة موديز للتصنيف الإئتماني، تشير إلى أنها مسجلة منذ عام 1958، وفي يوليو 2013 كان يرأس مجلس إدارتها الفريق عبد الوهاب سيد، نائب رئيس جهاز المخابرات العامة وقتها.
Mada
◾️وكانت أسهمها آنذاك موزعة بالنصف بين أحمد إبراهيم العوضي ومحمد أحمد الجندي، وكلاهما من قيادات حرب أكتوبر 1973، إذ تولى اللواء "العوضي" قيادة سلاح الصاعقة سابقًا، كما كان عضوًا في مجلس النواب عن حزب حماة الوطن، ممثلًا عن دائرة السنبلاوين بالدقهلية، وعضو لجنة الدفاع والأمن القومي بالمجلس سابقًا. أما اللواء طيار "الجندي" فهو حاصل على وسام النجمة العسكرية ونوط الواجب ونوط الشجاعة.
🔴 تعاقداتها بالأمر المباشر
◾️بعد التأكد عبر سجلات التجارة الداخلية من تبعية الشركة للجهاز السيادي، أراد "صحيح مصر" التأكد من أن هذه الملكية التي ظهرت في السجلات قبل عشر سنوات، لا تزال كما هي. وهو ما أكدته ثلاثة مصادر تعمل في شركات خاصة بمجال الحماية السيبرانية، كان أحدهم موظفًا سابقًا في "ساي شيلد"؛ مشيرًا إلى أنها بالفعل "تتبع جهاز أمني سيادي".
◾️وقال الموظف السابق، الذي غادر الشركة قبل عدة سنوات، لـ"صحيح مصر": "تقدر تقول ده سر معلن.. يمكن في البداية ده مكنش معروف إننا شغالين مع الجهاز، لكن اتعرف الموضوع داخل الشركة لما زاد بشكل ملحوظ التعاون مع الجهات الحكومية، وخاصة الأجهزة الحساسة، وبقا بيُطلب من الجهات الحكومية التعاقد مع الشركة بالأمر المباشر".
◾️وأشار الموظف السابق إلى أن الشركة تولت أيضًا تشغيل تطبيق "WATCH IT" المتخصص في المسلسلات والأفلام، والمشاركة في إطلاقه وتأمينه.
◾️وتعود ملكية منصة WATCH IT للشركة "المتحدة"، وهي تحت إدارة وإشراف الجهاز السيادي نفسه؛ حيث تأسست المجموعة عام 2016، واستحوذت في غضون سنوات على غالبية القنوات التليفزيونية والصحف ووسائل الإنتاج الإعلامي الكبرى في #مصر.
◾️وهو ما يؤكده مهندس برمجيات في أحد البنوك، تعاون سابقًا مع ساي شيلد في مشروع لتوفير أنظمة حماية للبنك، قائلاً: "ده مش أول تعاون حكومي بالصيغة دي، في مشاريع كتير متعلقة بمجال حماية سيبرانية بتروح بالأمر المباشر لساي شيلد تحديدًا، حتى الموظفين جوة الشركة من اللي اتعاملت معاهم عارفين إنها تبع جهاز سيادي وبيصرحوا بده".
◾️ويؤكد مهندس برمجيات آخر بإحدى شركات القطاع الخاص المتخصصة في هذا المجال تبعية الشركة للجهاز السيادي لكنه يشير في الوقت ذاته إلى أن "سمعتها معروفة في السوق وليها شغل كتير.. مقدرش أقول إنها قوية في كل التخصصات؛ لكنها معروفة بقوتها تحديدًا في مجال الحماية من الاختراقات والاختبارات المرتبطة بها".
🔴 مخاوف حقوقية من عدم حماية الخصوصية
◾️رغم ما يُبديه الاعتماد على بصمة الوجه في الخدمات الحكومية من تسهيلات للمواطنين، إلا أنها تثير في الوقت نفسه -إلى جانب مخاوف الاختراق- أسئلةً حول الخصوصية وحدود المراقبة الحكومية. وفي العديد من الدول الأوروبية والولايات الأمريكية فُرضت قيود على استخدام هذه التقنيات أو أُخضعت لضوابط قانونية مشددة.
◾️ولا يتضح حتى الآن إذا ما كانت قاعدة البيانات لبصمات الوجه البيومترية التي ينوي جهاز تنظيم الاتصالات تطبيقها، ستكون مربوطة بقاعدة بيانات وزارة الداخلية، أم في قاعدة منفصلة. كما لا توجد معلومات معلنة عن آليات الاحتفاظ بالبيانات البيومترية أو المدد الزمنية لتخزينها أو الجهات المخول لها الوصول إليها.
◾️ويصنف قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 البيانات البيومترية باعتبارها ضمن فئة "البيانات الشخصية الحساسة" التي تخضع لحماية قانونية مشددة، بحسب ما ورد في المادة الأولى من القانون.
◾️وبحسب المادتين 4 و5 بشأن التزامات المتحكم والمعالج، لا يجوز جمع أو معالجة أو تخزين البيانات الشخصية الحساسة إلا في حالات محددة وبضوابط قانونية خاصة، كما يُلزم الجهات القائمة على المعالجة باتخاذ إجراءات فنية وتنظيمية لحماية البيانات ومنع الوصول غير المصرح به إليها.
◾️ومع ذلك، يعتري ذات القانون بعض أوجه القصور، بحسب مركز "مسار" المتخصص في الحقوق الرقمية؛ إذ "يتضمن استثناءات واسعة لصالح الجهات الأمنية والبنك المركزي وغيرهم، مما قد يسمح بتجاوز ضمانات الخصوصية بدعوى الاعتبارات الأمنية".
Masaar - مَسَار
◾️ويتيح القانون بناءً على طلب جهات الأمن القومي، التي حددها نصًا بـ"رئاسة الجمهورية ووزارة الدفاع ووزارة الداخلية وجهاز المخابرات العامة وهيئة الرقابة الإدارية"، إخطار مركز حماية البيانات المتحكم أو المعالج بـتعديل أو محو أو عدم إظهار أو إتاحة أو تداول البيانات الشخصية، ويلتزم المتحكم أو المعالج بتنفيذ الإخطار. [5]
◾️يشير مركز "مسار" إلى أنه "أثبتت التجارب الدولية، خصوصًا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، أن مبررات الأمن القومي قد تدفع دولًا لاعتماد أنظمة هوية موسعة تتيح تتبع الأفراد بشكل شامل.. من هنا تأتي أهمية فرض ضمانات قانونية وتقنية قوية تضمن أن تكون حماية الخصوصية مبدأً أصيلًا في تصميم وتشغيل النظام".