عربى 21
المال مقابل "حرب القوارب".. صفقة أوروبية مصرية على حساب حقوق الإنسان
دفع تجاهل المسؤولين الأوروبيون ملف المعتقلين المصريين وغض الطرف عن الجرائم الأمنية والحقوقية التي ترتكبها السلطات المصرية بحق المصريين منذ العام 2013، وفي الوقت ذاته الإشادة الأوروبية بدور القاهرة في استقبال اللاجئين، للتساؤل حول مدى تضحية المشرعين الأوربيين بالقيم الغربية لأجل مصالح القارة العجوز المتمثلة في منع السلطات المصرية المهاجرين من الوصول لأراضيها.
وفي هذا السياق، أقرت المفوضية الأوروبية، الجمعة، تحويل 1.5 مليار يورو إلى الحكومة المصرية، في تمويل يعد القسط الثاني من الشريحة الثانية لحزمة دعم الاتحاد الأوروبي حكومة القاهرة، ضمن برنامج دعم بقيمة 5 مليارات يورو.
إقرار الاتحاد الأوروبي الدعم المالي الكبير لمصر، يأتي بعد زيارة وفد من اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان في البرلمان الأوروبي بقيادة الفرنسي منير ساتوري، للقاهرة لأول مرة منذ 5 سنوات في زيارة رسمية استمرت لمدة 3 أيام، التقى خلالها مع وزير الخارجية بدر عبدالعاطي الثلاثاء الماضي، ومسؤولين بالحكومة، والبرلمان، والمجلس القومي لحقوق الإنسان.
صدمة الإشادة وخسارة التفاؤل
ورغم لقاء الوفد مع حقوقيين مصريين غير حكوميين عرضوا عليه أزمة معتقلي الرأي وغياب الحريات وغلق المجال العام، إلا أن الوفد خرج ببيان يشيد فيه بجهود مصر في هذا المجال دون أي إدانة للملف الذي يمس أكثر من 60 ألف معتقل لأكثر من 13 عاما، والذي طالما وجه له البرلمان الأوروبي انتقادات لاذعة بالسنوات الماضية.
وخلال لقائه الوفد الأوروبي، أكد الحقوقي المصري بمركز "القاهرة لدراسات حقوق الإنسان" محمد زارع، على أزمة تصاعد انتهاكات حقوق الإنسان على مدار السنوات الماضية في البلاد، وغياب أي التزام جدي باحترام حقوق الإنسان في اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين مصر والاتحاد الأوروبي منذ عام 2024 وحتى الآن، بحسب موقع "فكر تاني".
لكنه كان لافتا، أن الوفد الأوروبي، ثمن الدور الكبير الذي تقوم به مصر في استضافة أعداد ضخمة من اللاجئين وتحمل أعباء ذلك، وناقش سبل التعاون المشترك لحماية اللاجئين ودعمهم، دون التطرق لأزمة المعتقلين المصريين، وفي تجاهل كذلك لانتقادات حقوقية عديدة وبينها سودانية لملف تعامل السلطات المصرية الأمنية والإدارية مع اللاجئين، وخاصة السودانيين، الذين جري ترحيل وتوقيف الكثيرين منهم.
وكانت قد سادت حالة من التفاؤل بين ناشطين وحقوقيين مصريين لرئاسة الفرنسي ساتوري، وفد البرلمان الأوروبي خاصة وأنه أحد الشخصيات الغربية التي أعلنت مرارا تضامنها مع نشطاء ومعتقلين مصريين، بينها موقفه في نيسان/أبريل الماضي، الرفض لتوقيف الناشط أحمد دومة مجددا، في موقف شاركته فيه مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحالة المدافعين عن حقوق الإنسان، ماري لولور.
مقابل التمويل
وتقوم الشراكة الاستراتيجية بين مصر والاتحاد الأوروبي الموقعة في آذار/مارس 2024، على احترام القانون وحقوق الإنسان، والتعاون في 6 محاور استراتيجية منها الهجرة والتنقل، والأمن، مقابل حزمة تمويلية بقيمة 7.4 مليار يورو بين عامي 2024 و2027، بينها 5 مليارات يورو كقروض ميسرة على 35 عاما ضمن حزمة أوروبية بقيمة 7.4 مليارات يورو.
تم صرف مليار يورو في كانون الأول/ديسمبر 2024، ثم مليار يورو في كانون الثاني/يناير الماضي، ثم 1.5 مليار الشهر الجاري ليتبقى القسط الأخير بقيمة 1.5 مليار يورو.
وفي ملف المهاجرين واللاجئين، تم اعتماد تمويل بقيمة 181 مليون يورو لصالح مصر، مع الإعلان عن تمويل إضافي بقيمة 200 مليون يورو للفترة (2024-2027)، وفي عام 2024، خصّص الاتحاد الأوروبي 9 ملايين يورو كمساعدات إنسانية لدعم اللاجئين وطالبي اللجوء الأكثر ضعفا في مصر.
المصالح تطغى على الحقوق
وفي إجابته على السؤال: كيف ضحى المشروعون الأوروبيون بالقيم الغربية حول الحريات وملف المعتقلين لأجل منع المهاجرين للقارة العجوز؟، تحدث الحقوقي المصري محمود جابر، لـ"عربي21".
وقال إن "المصالح السياسية دائما ما تطغى على حقوق الإنسان، وهذا هو الأصل في علاقات الدول، تقديم المكاسب السياسية والاقتصادية دائما على حقوق الإنسان خاصة في الشرق الأوسط بشكل عام، دائما ما تغض الدول الطرف عن الانتهاكات الإنسانية إذا ما تعارضت مع مصالحها".
مدير منظمة "عدالة لحقوق الإنسان"، أوضح أن "أوروبا تستخدم حقوق الإنسان لتحقيق غايات سياسية بعيدة أو قريبة، مع الأسف هذا واقع ملموس وملحوظ؛ لذلك لا نعول كحقوقيين على الهيئات السياسية، ونحن كمنظمات مجتمع مدني نعاني كثيرا معهم، لكننا لا نيأس ولا نقطع الأمل".
وأكد أن "البرلمان الأوروبي على مدار السنوات الماضية أصدر عدة قرارات تدين مصر حقوقيا، في مناسبات متفرقة، حول أوضاع حقوق الإنسان في مصر، حيث صدرت القرارات التالية: بتاريخ 17 تموز/يوليو 2014 بشأن حرية التعبير والتجمع، وفي 15 كانون الثاني/يناير 2015 بشأن الوضع الحقوقي، وخلال 10 آذار/مارس 2016 بشأن قضية الإيطالي جوليو ريجيني".
وأضاف: "وأصدر كذلك بتاريخ 8 شباط/فبراير 2018 قرارا بشأن الإعدامات في مصر، تبعه في 13 كانون الأول/ديسمبر 2018 قرار بشأن وضع المدافعين عن حقوق الإنسان، وفي 24 تشرين الأول/أكتوبر 2019 حول اعتقالات أيلول/سبتمبر والمدافعين عن حقوق الإنسان، ثم خلال 18 كانون الأول/ديسمبر 2020 قرارا بشأن تدهور حالة حقوق الإنسان".
استقرار وهمي قائم على القمع
ويلفت جابر، إلى أن "التطورات الأخيرة تثبت أن الاتحاد الأوروبي يستخدم ملف حقوق الإنسان كأداة مرنة يتراجع استخدامها فور تعارضها مع ملفات السيادة والأمن القومي، وعلى رأسها أزمة الهجرة واللجوء".
وقال: "نحن كحقوقيين في منظمة (عدالة) لا نندهش من هذا السلوك؛ فالمصالح الجيوسياسية والاقتصادية غالبا ما تتقدم على المبادئ لدى الحكومات؛ لكن رسالتنا للأوروبيين هي أن الاستقرار القائم على القمع والصفقات التكتيكية هو استقرار وهمي وقصير الأجل".
وأضاف أن "صنع استقرار مزيف عبر صفقات مالية لمنع الهجرة لن يحل جذور المشكلة، لأن غياب دولة القانون والحرية في مصر هو السبب الأكبر للهروب والاضطراب في المنطقة على المدى البعيد"، خاتما بالقول: "ندرك صعوبة الأمر والتحديات، ونعلم حجم معاناة المجتمع المدني، لكننا مستمرون في رصدنا وتوثيقنا ونشاطنا".
واقع قاسي
وتتواصل انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، وهو الوضع الذي عبر عنه مذكرة قدمها وفد نسائي من "لجنة الدفاع عن سجناء الرأي"، لنائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، أنور السادات، قبل زيارة الوفد الأوروبي لمصر، حول ما يتعرض له سجناء الرأي من انتهاكات، ومخالفات للدستور، ولقانون الإجراءات الجنائية وخاصة مادة الحبس الاحتياطي، إلى جانب ظاهرة تدوير المحبوسين بقضايا جديدة، إلى جانب الإهمال الطبي المتعمد الذي أودى بحياة المئات في مراكز الاحتجاز والسجون المصرية.
كما تأتي زيارة وفد البرلمان الأوربي لمصر، وتقديم المفوضية الأوروبية الدعم المالي للقاهرة، بعد أيام من إعلان وكالة "فرانس برس"، في 16 تموز/يوليو الجاري، توقيف عشرات الشباب بسبب "الانضمام لمجموعة معارضة" على موقع "ديسكورد"، تحمل اسم "جيل زد"، ليصل العدد إلى 60 معتقلا منذ نهاية العام الماضي، وفق مدير الوحدة القانونية في "الجبهة المصرية لحقوق الإنسان" المحامية شروق سلام.
ويأتي صرف الدعم الأوروبي المشروط لمصر في الوقت الذي أطلقت فيه منظمات حقوقية حملة: حملة "#عايز_أتنفس"، لإنقاذ أرواح المحتجزين وضمان حقهم في الحياة والصحة والرعاية الصحية، والتهوية، والتنفس في بيئة آمنة وصحية، مع ظروف قاسية يعيشها آلاف المعتقلين والمحتجزين بالسجون ومراكز الاحتجاز، وما يرافقها من تدهور صحي وإهمال طبي يهدد حياتهم.
وتدعو الحملة لفتح وسائل التهوية وتشغيل المراوح والشفاطات خاصة خلال موجات الحر، وضمان عدم تعطيلها أو قطع الكهرباء عنها، وتوفير مياه شرب نقية وبكميات كافية ومنتظمة لجميع المحتجزين، مع اتخاذ التدابير اللازمة لتبريدها خلال موجات الحر، وخفض أعداد المحتجزين بالزنازين بما يضمن الحد الأدنى من المساحة الشخصية والتهوية، والحد من الظروف التي تؤدي للاختناق وانتشار الأمراض.
تبييض سجل الانتهاكات
ويلفت حقوقيون إلى أن تجاهل البرلمان الأوروبي ملف المعتقلين المصريين، لأن ملف المهاجرين واللاجئين الأهم لدى صناع القرار في القارة العجوز، ولهذا ثمن الوفد دور مصر في ملف اللاجئين، وقرر منح القاهرة مبلغ 1.5 مليار يورو، وذلك قبل منحها في ذات السياق 3.5 مليار يورو منذ 2024، ومن المقرر دفع شريحة أخيرة بقيمة 1.5 مليار دولار في سياق دعم مصر لمنع اللاجئين من الوصول إلى أوروبا.
ويؤكدون أن الجانب الأوروبي أصبح يتجاهل النداءات الحقوقية المتتابعة حول الجرائم الأمنية والانتهاكات المخالفة للقواعد الغربية لحقوق الإنسان، ملمحين إلى أنه في حزيران/يونيو الماضي، ومع مرور عامين على الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الاتحاد الأوروبي ومصر، ناشدت 15 منظمة حقوقية دول الاتحاد الأوروبي، بعدم تبييض سجل مصر الحقوقي.
وطالبت المنظمات أوروبا بعدم غض الطرف عن الانتهاكات الحقوقية وحملات التضييق على المجال العام، والاعتقال والاحتجاز التعسفي الجماعي، وممارسات الإخفاء القسري والتعذيب، التي تفضي أحيانا إلى الموت، وتهميش القوى السياسية والمدنية المستقلة، والقمع العابر للحدود الوطنية بحق المصريين في الخارج، وإحالة نحو 6 آلاف مصري للمحاكمة أمام دوائر الإرهاب خلال 8 أشهر فقط.
واعتبرت أن استمرار تعامل الاتحاد الأوروبي مع هذا القمع بوصفه ضمانة للاستقرار في مصر، يخاطر بترسيخ وضع هش قد يبدو مستقرا في الظاهر، لكنه يتحول بمرور الوقت لحالة أكثر اضطرابا وأقل قدرة على الصمود، مطالبة الاتحاد الأوروبي ودوله الضغط على السلطات المصرية لإجراء إصلاحات حقيقية.
وأوضح البيان، أن انتهاكات حقوق الإنسان لا تقتصر على المصريين، بل امتدت لتشمل طالبي اللجوء واللاجئين، خاصة السودانيين، الذين يواجهون حملات اعتقال تعسفي جماعي متصاعدة تعقبها عمليات ترحيل قسري.
وشددت المنظمات على استمرار تراجع الديمقراطية في مصر، رغم أن المساعدات المالية الكلية المؤكدة من الاتحاد الأوروبي بقيمة 5 مليارات يورو مشروطة رسميًا باتخاذ مصر خطوات ملموسة وذات مصداقية نحو احترام الآليات الديمقراطية الفعالة، وعلى رأسها التعددية الحزبية والبرلمانية، وسيادة القانون وضمان احترام حقوق الإنسان".




