المبادرة المصرية للحقوق الشخصية
حملة أمنية غير مسبوقة ضد اللاجئين والمهاجرين في مصر
اتخذت حملة ملاحقة مجتمعات اللاجئين والمهاجرين في مصر منحىً متطرفاً منذ بداية عام 2026، لتصل إلى حد الأزمة. ويتعذر على الجهات الحقوقية وغيرها من الجهات المعنية بأحوال اللاجئين والمهاجرين الحصول على أرقام شاملة بشأن الاحتجاز والترحيل، بسبب منع الوصول إلى مراكز الشرطة والمناطق الحدودية. ومع ذلك، تشير البيانات المتاحة إلى تصعيد حاد. إذ قدرت مصادر من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين اعتقال ما لا يقل عن 3000 لاجئ وطالب لجوء في الشهرين الأولين من العام الجاري، بينما قدر بعض المحامين عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المعتقلين بما يتراوح بين 5000 و10000 شخص. ويقدر أحد الفاعلين المحليين في مجال الحماية أن ما يقرب من 5000 لاجئ قد اعتقلوا خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر يناير، أغلبيتهم من السودانيين. ونتيجة لذلك، أصبح أفراد مجتمعات اللاجئين والمهاجرين يخشون الآن مغادرة منازلهم.
ومنذ منتصف عام 2024، شنت السلطات المصرية حملة عشوائية ضد اللاجئين والمهاجرين، وأخضعتهم للاحتجاز الإداري والترحيل بغض النظر عن وضعهم القانوني. ويرقى هذا التصعيد إلى ما وصفناه سابقاً بانهيار منظومة حماية اللاجئين القائمة لعقود.
وفي أكتوبر 2025، أعرب أربعة مقررين خواص للأمم المتحدة عن قلقهم العميق إزاء التصعيد واسع النطاق للاحتجاز التعسفي والترحيل القسري للاجئين وطالبي اللجوء، في خطاب موجه للحكومة المصرية وسلط المقررون الخواص الضوء على ارتفاع حوادث الإعادة القسرية - التي تشمل لاجئين مسجلين لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين- بنسبة 150% بين عامي 2024 و2025، إلى جانب ارتفاع بنسبة 56% في اعتقالات اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين. في ديسمبر 2025، ردت الحكومة على المقررين الخواص في خطاب أكدت فيه احترامها الكامل للحماية الدولية، ونفت تورطها في أي إعادة قسرية للاجئين أو طالبي اللجوء المسجلين، أو احتجاز وترحيل الأطفال. وعلى الرغم من النفي الرسمي، تصاعدت الحملة التي تستهدف اللاجئين والمهاجرين مع بداية عام 2026 إلى مستويات غير مسبوقة، مما أدى إلى نشر أربعة خبراء ومقررين خواص للأمم المتحدة بيانًا جديدًا يعربون فيه عن استمرار مخاوفهم بشأن التصعيد غير المسبوق للاعتقالات التعسفية والترحيل غير القانوني، المصحوب بانتهاكات حقوق الإنسان ضد اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين في مصر.
الاحتجاز والإعادة القسرية
منذ أوائل عام 2026، كثفت السلطات المداهمات التي تستهدف مجتمعات اللاجئين والمهاجرين. ويشير حجم الاعتقالات واستمراريتها وانتشارها الجغرافي إلى تنفيذ سياسة رسمية من قبل وزارة الداخلية، تتضمن فحوصات عشوائية للإقامة والوثائق. وقد اطلع المحامون العاملون في مجال احتجاز المهاجرين على وثائق رسمية للشرطة، تحتوي على تعليمات باستهداف مجتمعات اللاجئين والمهاجرين بشكل منهجي.
شملت تلك الحملة إجراء السلطات لعمليات مرور على المنازل لاستهداف المهاجرين واللاجئين، مما أدى إلى اعتقالات من داخل المساكن الخاصة. كما وقعت اعتقالات عند نقاط تفتيش عشوائي في الشوارع وفي وسائل النقل العام، وفي المدارس والجامعات وأماكن العمل. وفي حالات عديدة، أقيمت نقاط تفتيش خارج مراكز تعليم اللاجئين ومقار مقدمي الخدمات. وتم اعتقال بعض الأفراد أثناء سعيهم للحصول على حماية الشرطة أو العلاج الطبي في المستشفيات العامة. كما تم احتجاز أطفال بزي مدرسي وطلاب جامعيين يحملون وثائق وإقامات سارية، ونساء، وكبار سن، وأشخاص ذوي إعاقة. وفي حالات كثيرة، يبدو أنه تم توقيف الأفراد واعتقالهم فقط على أساس لون البشرة أو الشك في الجنسية.
تذكر حكومة مصر في ردها الرسمي على مذكرة الخبراء الأمميين: "لا يتم اعتقال أحد لكونه لاجئاً أو طالب لجوء، بل فقط لانتهاك قوانين الإقامة". وبالفعل، يمثل عدم الحصول على إقامة رسمية السبب الرئيسي (بنسبة 90%) للاعتقالات بين اللاجئين وطالبي اللجوء. ولا يحمل ما يقرب من 80% من اللاجئين تصاريح إقامة سارية صادرة عن وزارة الداخلية، بسبب امتداد مواعيد إجراءات النظر في الطلبات حتى عام 2029 بعد تقدمهم بطلبات للحصول عليها. ومن المتوقع أن تنخفض فترات الانتظار في المستقبل مع زيادة القدرة على استقبال طلبات الإقامة من اللاجئين وطالبي اللجوء، لكن ستظل فترات الانتظار تصل الى 19 شهرًا، مما يفرض على اللاجئين حالة من عدم القانونية القسرية، التي تُستخدم بعد ذلك لتبرير اعتقالهم الإداري.
واستهدفت الحملة الأمنية أيضًا لاجئين موثقين يحملون بطاقات هوية من مفوضية اللاجئين وتصاريح إقامة سارية. وأثناء الاعتقالات، أفادت التقارير أن السلطات صادرت وأتلفت وثائق المفوضية وكذلك تصاريح الإقامة التي كانت بحوزة من اعتقلتهم، مما ترك المحتجزين غير قادرين على إثبات وضعهم القانوني أثناء الإجراءات الرسمية. وعلى الرغم من تمتعهم بالحماية من الإعادة القسرية بموجب القانون الدولي (كما ورد في رد الحكومة الرسمي على المقررين الخواص للأمم المتحدة) فإن أعدادًا متزايدة من اللاجئين المسجلين لدى المفوضية تُتَّخذ إجراءات ترحيلهم.
أصبحت الإفراجات من الاحتجاز الإداري نادرة بشكل متزايد، إذ يواجه جميع الأفراد غير الموثَّقين إجراءات الترحيل. ويواجه المحتجزون قيد الاتهام بممارسة نشاط مُجرّم جنائيًّا إجراءات الترحيل، حتى لو تمت تبرئتهم لاحقاً. ويمثل اللاجئون السودانيون أكثر من 90% من المرحلين، على الرغم من موقف مفوضية اللاجئين الصارم، المؤكد على احتياجات الحماية الدولية للاجئين السودانيين. ومؤخرًا، تم أيضًا اعتقال وترحيل أعدادًا كبيرة من اللاجئين السوريين.
وتؤكد الشهادات والوثائق الرسمية أيضًا أن اللاجئين الذين تُتخذ إجراءات ترحيلهم يُجبرون على التوقيع على إقرارات عودة طوعية. وتشير شهادات اللاجئين المُرحلين إلى استخدام ممارسات قسرية، بما في ذلك التعذيب والتهديد بالاحتجاز المطول، إضافة إلى تعريضهم إلى ظروف احتجاز غير إنسانية، لإجبارهم على التوقيع على ما يسمى بإقرارات العودة الطوعية، وبالتالي التستر على الإعادة القسرية غير القانونية. وعلى الرغم من حظر مصر المعلن لاحتجاز الأطفال بسبب الهجرة، تم احتجاز وترحيل مئات الأطفال دون والديهم.
في يناير 2026، تم اعتقال طفل سوداني أثناء شرائه الطعام لعائلته، رغم حيازته وثائق سارية من المفوضية السامية للاجئين تتضمن موعد إقامة محدد. واحتُجز في في منطقة احتجاز مفتوحة ومكتظة، وأصيب بمضاعفات صحية وتوفي في فبراير قيد الاحتجاز أثناء انتظار إجراءات الترحيل. وأدى الاكتظاظ في أماكن الاحتجاز إلى قيام السلطات بنقل محتجزين إلى معسكرات قوات الأمن التي تستخدم مراكزًا غير رسمية للاحتجاز. كما أن الوصول إلى الرعاية الصحية في مراكز الشرطة محدود للغاية، وغالبًا ما يعتمد المحتجزون على عائلاتهم لتوفير الغذاء اليومي. وفي فبراير 2026، توفي لاجئ سوداني مسن عقب حرمانه من الرعاية الطبية المناسبة.
هذه الوفيات، رغم إمكانية الوقاية منها، تتسق مع حجم وشدة الحملة الحالية، وما تحدثه من ضغط على بنية الاحتجاز التحتية. ومنذ بداية العام الجاري، أكد مقدمي خدمات الحماية وفاة سبعة لاجئين ومهاجرين قيد الاحتجاز في مصر، خمسة منهم كانوا مسجلين لدى المفوضية طالبي لجوء.
وبالنظر إلى هذه المعطيات جميعها؛ فإن حجم هذه الحملة وطبيعتها العشوائية قد أدت فعليًا إلى تفكيك إطار حماية اللاجئين في مصر. وبات اللاجئون يواجهون الآن الاعتقال والترحيل أثناء قيامهم بأنشطتهم اليومية الروتينية؛ أي أثناء الذهاب إلى المدرسة أو العمل، أو عند طلب الحماية أو الرعاية الطبية، بما في ذلك البقاء في المنزل.
العزلة وتآكل الحماية
على الرغم من استمرار التصريحات الرسمية - بما فيه رد الحكومة المصرية على المقررين الخواص- في التأكيد على دمج اللاجئين في الخدمات العامة، وخاصة الصحة والتعليم. إلا أنه منذ يوليو 2024 حرمت السلطات من لا يحملون إقامة سارية من الوصول إلى الخدمات العامة. وحتى قبل التصعيد الأخير، ذهبت تقديرات إلى أن أكثر من 50% من الأطفال اللاجئين المسجلين لدى المفوضية هم خارج التعليم المدرسي، بسبب المتطلبات الإدارية المتعلقة بالإقامة. ووثَّق العاملون في المجال الصحي مئات الحالات التي حُرم فيها لاجئون من الرعاية الطبية الطارئة والمنقذة للحياة والرعاية الأولية، بسبب مشاكل التوثيق خلال آخر 18 شهراً.
وقد أدت حملة الملاحقة الحالية إلى تآكل الخدمات المجتمعية المتاحة للاجئين وطالبي اللجوء، حيث أغلقت مراكز تعلم مخصصة للاجئين، أُنشئت للتعويض عن عوائق الوصول للتعليم العام. تلك المدارس أغلقت بقرارات مباشرة من السلطات، أو لجأ العاملون بها لتعليق أنشطتها لحماية الموظفين والطلاب من الاعتقال. وبالمثل، أغلقت عشرات المنظمات التي يديرها لاجئون ومهاجرون مراكزها، أو قلصت أنشطتها بسبب مخاوف أمنية. وأصبح التوجه إلى مكاتب مفوضية اللاجئين في حد ذاته أمرًا محفوفًا بالمخاطر، مع زيادة التقارير عن حدوث اعتقالات بالقرب من مقر المفوضية أو على أبوابها.
وأدى الخوف من الاعتقال إلى حبس العديد من اللاجئين في منازلهم، وفقد الكثيرون فرص العمل غير الرسمي التي كانت لديهم ولم يعودوا قادرين على تلبية الاحتياجات الأساسية. ومع محدودية الوصول إلى حماية الشرطة أو المفوضية أو مقدمي الخدمات، يواجه اللاجئون عوائقًا كبيرة في الإبلاغ عن الجرائم ضدهم وطلب الحماية. ووثق العاملون في الحماية مئات الحالات التي حُرم فيها ضحايا من اللاجئين من خدمات الشرطة. كما يواجه الناجون من العنف القائم على النوع الاجتماعي وإساءة معاملة الأطفال خطرًا متزايدًا بالتعرض للانتهاك مجددًا في غياب خدمات الحماية، بينما يتزايد الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة ضد اللاجئين. وقد عزلت هذه العوامل التراكمية مجتمعات اللاجئين فعليًا عن الوصول المُجدي إلى الحماية والمساءلة.
تصاعد الخطاب المناهض للاجئين والمهاجرين
تزامنت حملة الملاحقة مع تصاعد ملحوظ في الخطاب المناهض للاجئين والمهاجرين، والذي وصل حد التحريض العنصري عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام التقليدية. ورغم وجود سرديات سلبية ضد اللاجئين وطالبي اللجوء منذ عدة سنوات؛ إلا أن الأسابيع الممتدة منذ منتصف يناير الماضي وإلى موعد صدور هذه الورقة، شهدت تكثيفًا كبيرًا في هذا الخطاب، تزامنًا مع ارتفاع معدلات الاعتقالات. وقد تصدرت الوسوم (هاشتاجات) التي تدعو إلى الترحيل، قوائم الأكثر تداولاً (الترند) على منصة إكس (تويتر سابقًا) بشكل متكرر، لا سيما الوسوم التي تستهدف اللاجئين السودانيين والسوريين.
وتشير التقارير الاستقصائية إلى أن هذا الارتفاع مرتبط بحملات منسقة عبر الإنترنت تهدف إلى التحريض على العدائية ونشر المعلومات المضللة، وإلقاء عبء التسبب في الصعوبات الاقتصادية في مصر على كاهل اللاجئين والمهاجرين. وخلال فترة ستة أيام، ولّد وسم ترحيل رئيسي حوالي 8000 منشور، تضمنت تفاعلات من 26000 حساب، ووصولاً تجاوز ستة ملايين مستخدم. وبينما قد لا يعكس هذا النشاط المنسق المشاعر العامة الأوسع؛ إلا أن حجمه وتنظيمه يُظهِر الاستثمار في تشكيل الإدراك العام ضد اللاجئين والمهاجرين وإضفاء الشرعية على السياسات الإقصائية.
الخاتمة
منذ بداية عام 2026، وصلت حملة الاحتجاز والترحيل في مصر إلى حد الأزمة، في انتهاك واضح لالتزامات مصر بموجب اتفاقية اللاجئين لعام 1951 وغيرها من الصكوك الدولية لحقوق الإنسان.
حجم الحملة وكثافتها وطبيعتها المنهجية خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026، وضع مئات الآلاف من اللاجئين وطالبي اللجوء في خطر مباشر من الاحتجاز والإعادة القسرية.
ولا تتوقف هذه الحملة عند كونها حملة قمع عملياتية، بل تمتد لتشكل تفكيكًا هيكليًا لمنظومة حماية اللاجئين في مصر، وخروجًا على موقف مصر التاريخي كدولة كانت متاحة نسبيًّا للاجئين الفارين من الصراعات الإقليمية في ظروف حماية معقولة. وتشكل هذه الحملة أيضًا خرقًا خطيرًا للالتزامات القانونية الدولية التي مازالت تقر بها الحكومة المصرية طبقًا لردها على المقررين الخواص.
في الشهر الماضي، عيّن رئيس الوزراء المصري رئيس اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين. وهي الخطوة الأولى نحو تنفيذ قانون اللجوء الجديد. وتثير الانتهاكات الحالية مخاوف جدية في ضوء الخطوات الملموسة المتخذة لتنفيذ قانون اللجوء، إذ أن السلطات ذاتها المتورطة في الإعادة القسرية والانتهاكات ذات الصلة؛ ستكون مكلَّفة بإدارة نظام اللجوء الوطني. وبدون تعديلات جوهرية في نصوص قانون اللجوء، وفي السياسة والرقابة؛ ستظل آفاق وجود إطار عمل للجوء عادل وشفاف ومتوافق مع الحقوق أمرًا مستبعدًا، إن لم يكن مستحيلًا.










