الرابط
"چيسكا" وهى منصة إعلامية ثلاثية اللغات تُعنى بالتحليل السياسي العميق ووجهات النظر حول الأحداث، كما توفّر فضاءً للثقافة والفن ومراجعات الكتب عن منطقة القرن الأفريقي.
الديمقراطية المُهانة
تقف جنوب أفريقيا، بعد واحد وثلاثين عامًا على سقوط نظام الفصل الإداري العنصري، عند مفترق طرق حرج بين وعد الديمقراطية القائمة على الحقوق، وواقع الحياة اليومية المطبوع بعدم المساواة الواسعة، والجمود البيروقراطي، وتآكل الثقة العامة. فقد كرّس دستور 1996 مبدأ العدالة الإدارية؛ أي الحق في قرارات قانونية ومعقولة وعادلة إجرائيًا من قبل الهيئات العامة، ورفع من قيمة الكرامة الإنسانية بوصفها مبدأ تأسيسيا. ومع ذلك، فإن ملايين المواطنين السود في جنوب أفريقيا يواجهون يوميًا خدمات حكومية تخون هذه المبادئ. وقد مدح الرئيس الأسبق ثابو مبيكي ذات مرة "صبر" الفقراء؛ هذا الصبر، الذي يقوم على الأمل والقدرة على التحمل، غالبًا ما استُغِلّ لتأخير العدالة الجوهرية أو إنكارها.
لقد أصبحت الديمقراطية في جنوب أفريقيا، من نواحٍ كثيرة، مهانة: فالنظم الإدارية فيها تفشل بشكل روتيني في خدمة الفئات الهشة، وتطلب من المواطنين الانتظار إلى ما لا نهاية للحصول على حقوق مضمونة نظريًا، بينما تنعم النخبة السياسية وطبقة جديدة من المنتفعين بخيرات الدولة بلا مساءلة.
لا بد من تتبّع معاني العدالة الإدارية والكرامة والصبر لفهم هذا الواقع، قبل الانتقال إلى طرق تمرّد الجنوب أفريقيين تاريخيًا على الخيانة السياسية. يستلزم الأمر أيضًا تحليل فشل الأحزاب السياسية في تحقيق المساءلة، والخلل الإداري الذي يعمّق الفوارق، والنماذج الدالة – مثل: السكن وتعويضات لجنة الحقيقة والمصالحة وقدامى المحاربين واسترداد الأراضي– التي تكشف هشاشة الوعد الدستوري. وأخيرًا، يتناول هذا المقال كيف يسهم الامتياز الأبيض، الذي ضاعفته جماعات مثل "AfriForum" وبعض الفاعلين الدوليين أثناء إدارة ترامب وبعدها، في تأجيج الإحباط المحلي، وتراجع الإقبال على الانتخابات بشكل مقلق.
الديمقراطية غنية بالأشكال والشكليات بيد أنها خاوية في الجوهر
يقف مبدأ العدالة الإدارية في صلب النظام الدستوري؛ فكل ممارسة للسلطة العامة يجب أن تكون قانونية ومعقولة وعادلة إجرائيًا، وتحميها آليات مثل "قانون تعزيز العدالة الإدارية" لسنة 2000. كما أكدت الباحثة القانونية كورا هوكستر، فإن القانون الإداري يُعد ضابطًا حاسمًا للسلطة، يضمن أن تُتخذ القرارات التي تمس الحقوق بشفافية وخضوع للمساءلة. وعلى المستوى الدولي، تُعَد العدالة الإدارية ركيزة أساسية من ركائز حقوق الإنسان، وحاجزًا ضروريًا في وجه تجاوزات البيروقراطيين أو انتهاكهم للإجراءات الواجبة.
يرتبط بهذه البنية التزام دستوري وثيق بالكرامة الإنسانية. مستمدة من أخلاقيات كانطية ومتجذّرة في الاجتهاد القضائي الجنوب أفريقي، لا تُعدّ الكرامة مجرد حق من بين الحقوق، بل هي البوصلة التي تُفسَّر على أساسها جميع الحقوق. وقد شدد القاضي لوري آكرمان على مركزيّتها.
بعيدًا عن الأدبيات القانونية، رأى مفكرون من "الوعي الأسود" مثل ستيف بيكو، ومنظّرون مناهضون للاستعمار مثل فرانز فانون، أن الكرامة ليست زينة مجردة، بل شرط أساسي للتحرر. فقد سعى بيكو إلى "ضخ الحياة مجددًا في قوقعة الرجل الأسود الفارغة... وغرس الفخر والكرامة فيه"، في حين رأى فانون أن الحرية السياسية الحقيقية تتطلب استعادة قيمة الذات التي سلبها الاستعمار.
إذا كانت الكرامة تمثل أمل مشروع ما بعد الفصل العنصري، فإن الصبر هو عملته. فقد مجّد مبيكي صبر الفقراء كعلامة على النضج السياسي، واستعدادا لتحمّل المشقة المؤقتة من أجل مستقبل ديمقراطي. لكن آخرين حذّروا من أن الصبر قد يتحول إلى استسلام. وقد نبّه روبرت سوبوكوي من النزعة التدرجية، قائلًا: "كلما طال الانتظار، ازدادت الجراح عمقًا". وبيكو، بدوره، أدرك أن التحمل السلبي يخدم في نهاية المطاف مصالح القامع. ففي بلد خذلت فيه الوعود مرارًا، يغدو الصبر فضيلة ذات حدّين: دليلًا على الصمود، ولكنه أيضًا علامة على ديمقراطية تُرهق الذين أثقلهم التاريخ بما يكفي.
ومع ذلك، لم يكن الصبر يعني الخمول. فعلى الرغم من أن الجنوب أفريقيين لم يشنّوا ثورة موحدة منذ 1994، فإن الاعتراض ظهر في شكل انتفاضات محلية متفرقة، تفسرها عدة عوامل؛ ففكر المصالحة الذي روّج له نيلسون مانديلا، ومنهج "لجنة الحقيقة والمصالحة" التصالحي، شجّعا الإيمان بالإصلاح التدريجي بدل الانقلاب الجذري. كما أن عقودًا من الحكم الاستعماري والعنصري أسست لثقافة الامتثال والاحترام، عززها خطاب الزعماء الدينيين والتقليديين الذين دعوا للانتظار. كما أثارت ذكريات عنف البلدات في الثمانينيات، إلى جانب نماذج الصراع الأهلي العالمي، خشية عميقة من الانهيار المجتمعي. ومع غياب حركة ثورية موحّدة تؤطّر المطالب، بقيت الاحتجاجات مجزّأة ومرتبطة بقضايا بعينها. أما قوة الدولة القسرية وإرهاق التظاهر المتكرر دون جدوى، فقلّلا من الرغبة في المواجهة الواسعة.
مع ذلك، تمرد الجنوب أفريقيون بطرق مهمّة. فمنذ عام 2004، اندلعت آلاف الاحتجاجات على الخدمات سنويًا، حيث أغلقت المجتمعات الطرق، وواجهت الشرطة بسبب الإخفاقات في توفير الماء والكهرباء والصرف الصحي. وقد وثّقت دراسة كارل فون هولت الشهيرة "الدخان الذي ينادي" كيف لجأت أحياء فقيرة إلى الاحتجاج العنيف كوسيلة يائسة للفت انتباه الدولة اللامبالية. كما قاد طلاب الجامعات حركة قوية خلال احتجاجات #FeesMustFall عامي 2015 و2016، وأغلقوا الجامعات واقتحموا البرلمان مطالبين بوقف زيادة الرسوم. عام 2012، انتهى إضراب عمال مناجم ماريكانا من أجل أجر معيشي بمجزرة ارتكبتها الشرطة، ما أثار غضبًا شعبيًا واسعًا ضد استغلال العمال وعنف الدولة. ومؤخرًا، قادت نساء حركة #TotalShutdown احتجاجًا ضد العنف القائم على النوع الاجتماعي، في حين تحوّلت أحداث يوليو/تموز 2021، وهي مزيج متفجّر من التناحر السياسي والنهب الانتهازي، إلى شبه تمرّد في بعض مناطق كوازولو ناتال وخاوتينغ، أسفر عن أكثر من 300 قتيل.
تكشف هذه التمردات المتقطعة عن عمق الإحباط الشعبي وصعوبة تحويل الغضب المتفرق إلى تغيير منهجي مستدام. فمنذ 1994، شكّل هيمنة "المؤتمر الوطني الأفريقي" المشهد السياسي في جنوب أفريقيا. وفي عهد حكومة الوحدة الوطنية، تبنى الحزب نهج توازن حذر بين المصالحة والسياسة الاقتصادية، حيث أُبدل "برنامج إعادة الإعمار والتنمية" بسياسة أكثر ليبرالية تُعرف بـ"النمو والتوظيف وإعادة التوزيع" في عام 1996. وقد همّشت هذه التحولات آمال إعادة التوزيع الجذرية، وزرعت بذور الخيبة لاحقًا.
وجوه الدولة ليست الرؤساء في بريتوريا، بل موظف غير مبالٍ خلف حاجز زجاجي
سرعان ما ترسخت مظاهر الفساد. فقد شكّل "صفقة السلاح" عام 1999، وفضيحة "نكندلا" التي جرى فيها تجديد مسكن الرئيس جاكوب زوما بتكلفة 246 مليون راند من المال العام، وفترة "الاستحواذ على الدولة" بين 2009 و2018، أمثلة صارخة على انحدار الحزب نحو الزبونية والفساد. وقد وثّقت لجان قضائية مثل: لجنة "سيريتي" بشأن صفقة السلاح، ولجنة "زوندو" حول الاستحواذ على الدولة، هذه التجاوزات بالتفصيل. لكن من دون أن تُفضي إلى ملاحقات قانونية تُذكر، مما أفرز ما يُعرف بـ"إرهاق اللجان" وزاد من تشاؤم الناس.
أما المعارضة، فقد فشلت في تقديم بديل مقنع. فحزب "التحالف الديمقراطي" لم يتمكن من التوسع خارج قاعدته التقليدية من البيض و"الملونين"، في حين بقي حزب "إنكاثا للحرية" محصورًا إقليميًا. أما "مقاتلو الحرية الاقتصادية"، فقد أحيَوا النقاش السياسي بمطالب استرجاع الأراضي والتأميم، لكنهم ظلوا محاصرين داخل البرلمان، يثيرون الضجة دون قدرة على إحداث تغيير فعلي. أما حكومات الائتلاف في المدن الكبرى، فكثيرًا ما انهارت بسبب الصراعات الداخلية، مما عزز الانطباع العام بانعدام الكفاءة السياسية في المشهد كله.
يسير النقص المتزايد في المساءلة وفق سيناريو متوقّع، فعندما تنفجر فضائح الفساد، تعلن الحكومة عن تشكيل لجنة تحقيق. تمرّ سنوات من الجلسات، وتُقدَّم تقارير غالبًا ما تكون ضخمة، بيد أن النتائج الملموسة تظلّ بعيدة المنال. يستغل النافذون الثغرات الإجرائية، أو يفرّون إلى الخارج، أو يعتمدون على تدخلات سياسية للتهرب من العدالة. وحتى الاحتجاجات الجماهيرية غالبًا ما تُواجَه بإصلاحات غير جديّة، وأحيانا بالقمع أو اعتذارات استعراضية تهدف إلى احتواء الغضب دون معالجة أسبابه الجذرية. النتيجة: ديمقراطية غنيّة بالأشكال، انتخابات منتظمة وإعلام نابض بالحياة، ودستور متين، لكنها جوفاء في جوهرها. إن طقوس المساءلة مستمرة، لكن جوهرها ذابل. الإفلات من العقاب والمحاسبة، هو ما يطبع المشهد السياسي في جنوب أفريقيا.
تتجاوز هذه الإخفاقات حدود الساسة، إذ يُلمَس انهيار العدالة الإدارية بحدّة في الحياة اليومية للوظيفة العمومية. أصبح من المعتاد أن يُفاجَأ الوزراء علنًا بالأزمات التي يُفترض أن يشرفوا عليها، ويعقدوا اجتماعات طارئة ليسألوا، بحيرة: "ما الذي يحدث؟" لقد أدّت الزبونية والمحسوبية السياسية، وخصوصًا عبر التوظيف الحزبي، إلى تقويض الكفاءة التقنية في الإدارات الحيوية، ما جعل العديد من المسؤولين غير مؤهلين لإدارة القطاعات التي أُسندت إليهم.
اعتماد أدوات "الإدارة العمومية الجديدة"، مثل: مؤشرات الأداء الرئيسية، والتخطيط القائم على النتائج، والأطر الاستراتيجية، رسّخ ثقافة "التأشير في الخانات"، المنفصلة بشكل متزايد عن تقديم الخدمات الفعلية. يُقاس النجاح بالأوراق لا بالأثر؛ وإذا لم تتحقق الأهداف، يُعاد تعديلها بدلًا من بلوغها.
في محاولة لمنع التعسف عبر إجراءات صارمة، أصبحت البيروقراطية شديدة التحفّظ إلى درجة الشلل، حيث يضطر المواطنون إلى خوض متاهات إدارية لمجرد تسجيل مشروع تجاري أو الحصول على وثيقة هوية أو التقدّم بطلب منحة اجتماعية، في انتهاك صارخ لمبادئ "باتو بيلي" (الشعب أولًا) التي كانت تهدف إلى توجيه إصلاح الخدمة العمومية.
لقد غادر عدد كبير من المهنيين المهرة القطاع العام، بسبب التدخلات السياسية والمطالب المستحيلة لأهداف الإدارة. تُظهر تقارير ديوان المحاسبة أن أكثر من 70٪ من البلديات تعتمد الآن على مستشارين خارجيين للمهام المالية الأساسية، وهو دليل صارخ على تفريغ الدولة من كفاءاتها.
إن هذا الخلل يضرب كرامة الإنسان في الصميم، ويُجبَر المتقاعدين المسنّين على الانتظار ساعات طويلة، ليُقال لهم إن "النظام متوقف". تنتظر العائلات عقودًا دورها في لوائح الإسكان. وأصحاب المشاريع الصغيرة محاصرون في جحيم بيروقراطي. بالنسبة لكثير من المواطنين، فإن وجه الدولة ليس رئيس الجمهورية في بريتوريا، بل موظف غير مبالٍ خلف حاجز زجاجي، وهو مشهد يُجسّد ديمقراطية تنعدم فيها الكرام.
وفي عالم الإسكان، خابت وعود الدولة ما بعد الفصل العنصري بشكل مؤلم. فالسكن اللائق حق دستوري، ومع ذلك، ثمة أكثر من 1.2 مليون طلب في غاوتنغ وحدها لا تزال غير معالجة، بعضها يعود إلى عام 1996. وفي مارس/آذار 2025، تظاهر مسنّو سويتو، بعضهم في الستينيات من عمرهم، أمام مكتب العمدة بعد قرابة ثلاثين عامًا من الانتظار. وتُفاقِم مزاعم الرشوة، وتجاوز الطوابير، وتخصيص المنازل للأشخاص ذوي النفوذ السياسي هذه الأزمة، محوّلة وعد الكرامة إلى مصدر للخزي، وتأجيج للصراعات الاجتماعية. تضطر كثير من العائلات المهجّرة للعيش في مساكن عشوائية أو أكواخ مبنية ذاتيًا، لتواجه بعدها عمليات إخلاء عنيفة. وغالبًا ما تؤدي هذه الإجراءات إلى احتجاجات، وأحيانًا إلى تنامي الخطاب المعادي للأجانب حين يُحمّل السكان "الأجانب" مسؤولية الفساد في التوزيع.
يشبه هذا الغدر ما حصل لمن لجأوا إلى "لجنة الحقيقة والمصالحة" طلبًا للإنصاف. وقد عدت اللجنة ما بين 1996 و1998، بأشكال تعويض مختلفة، من رواتب تقاعدية وسكن ورعاية صحية، لأكثر من 22,000 ضحية مقابل الإدلاء بالحقيقة. لكن في الواقع، لم يحصل معظمهم سوى على منحة وحيدة بقيمة 30,000 راند عام 2001، وبحلول 2022، لا يزال نحو 1.9 مليار راند من "صندوق الرئيس" غير مستخدم. كثير من الضحايا، وهم مسنون ومرضى، ما زالوا يعتصمون أمام المحكمة الدستورية طلبًا للعلاج والتأهيل المجتمعي. أما المتهمون من حقبة الأبارتايد الذين رُفض منحهم العفو، فقد أُحيلت ملفاتهم على النيابة العامة، بيد أنها بقيت حبيسة الأدراج لعقود. الرسالة صارخة: "لقد سامحنا باسم الوطن، لكن الوطن نسيَنا".
لكي تصبح العدالة الإدارية واقعًا يوميًا، لا بد من إحياء أخلاقي، لا مجرد إصلاح تقني
لم يُنصف المحاربون القدامى كذلك. يعيش الآن مقاتلو "أومخونتو وي سويزوي" و"جيش تحرير شعب أزانيا"، الذين وُعدوا بالدعم والاعتراف بموجب قانون المحاربين القدامى، في فقر ويواجهون خطر التشرد. حاصَر مقاتلون سابقون، كثير منهم في السبعينيات من عمرهم، في أكتوبر/تشرين الأول 2021، وزيرَ الدفاع للمطالبة برواتب تقاعدهم وسكن كريم، فتم اعتقال 53 منهم. وقد عبّر المحارب السابق ليزلي كغوغو، المعتصم أمام مقر الحزب الحاكم، عن مرارة المفارقة: "حرّرتُ البلاد... والآن لم أعد شيئًا لدى حكومتي". أما الأعذار البيروقراطية حول "التحقق من الهويات" أو "نقص التمويل" فتصبح جوفاء أمام الفشل الأخلاقي للدولة في الوفاء بوعودها.
يكمل ملف استرداد الأراضي هذا المشهد القاتم. فخلال الأبارتايد، حُصر السود في 13٪ فقط من أراضي البلاد. ورغم أن "قانون استرداد الحقوق العقارية" أتاح التعويض أو إعادة الأراضي لمن تقدموا بطلبات قبل 1998، فإن التقدم كان بطيئًا. لم يُوزع سوى 10٪ من الأراضي الزراعية التجارية، وهو أقل بكثير من الهدف البالغ 30٪ بحلول 2014. ولا تزال منطقة "ديستريكت 6" في كيب تاون رمزًا دائمًا للوعود المكسورة: من بين 2760 عائلة مستحقة، حصلت 108 فقط على مفاتيح منازل بحلول 2020، فيما يُتوقع أن تستغرق العملية عقودًا، وتكلف مليارات الراند. كثير من المطالبين في المناطق الريفية، وبسبب انعدام الدعم، فضّلوا تعويضات مالية زهيدة، ما قوض مشروع إصلاح الأراضي برمّته. وفي المقابل، تعكس تحركات مثل "أباهلالي بيزمجوندولو" أو مخيمات حزب "المناضلين من أجل الحرية الاقتصادية" حالة التململ المتصاعدة، وما ينذر به من عودة محتملة للصراع إذا استمر الجمود.
ومع كل هذا، لا تزال الامتيازات البيضاء صامدة إلى حد بعيد. فرغم انتقال السلطة ديمقراطيًا، يواصل البيض، وهم نحو 8٪ من السكان - امتلاك أكثر من 70٪ من الأراضي الزراعية، ويهيمنون على قطاعات الدخل المرتفع. وقد نجح كثير منهم في عزل أنفسهم عن فشل الدولة عبر التمترس خلف أنظمة أمن خاص، ومجمّعات سكنية مغلقة، ومدارس خاصة للنخبة، بعيدًا عن آثار الانهيار المؤسسي.
برزت مجموعات مثل "أفريفوروم" في تصدير سرديات "الضحية البيضاء" للعالم. وتمكّنت، ففي 2018، من إقناع إدارة ترامب بالتحقيق في "مصادرة الأراضي" و"القتل واسع النطاق للمزارعين". وغرّد ترامب حينها داعيًا وزارة الخارجية لفتح تحقيق، بل طُرحت لاحقًا أفكار لاستقبال "البيض" لاجئين في حال عودته للرئاسة، ما يُظهر كيف يمكن لسرديات هامشية أن تكتسب زخمًا دوليًا. في المقابل، فإن معاناة السود في جنوب أفريقيا؛ تنتظر عائلات السكن، ومحاربون مشرّدون، وطلاب يواجهون عنف شرطة لا تحظى إلا بقليل من التعاطف الدولي. هذا الانقلاب في البوصلة الأخلاقية يُعمّق مشاعر الغضب محليًا، ويعزز القناعة بأن العدالة لا تُمنح لمن يستحقها، بل لمن يملك مكبر الصوت الأكبر في الخارج.
لقد سامحنا باسم الوطن، لكن الوطن نسيَنا
غذّت هذه الديناميات شعورًا خطيرًا بالتعب الديمقراطي. فقد انخفضت نسبة المشاركة في التصويت من 86.9٪ في انتخابات 1994 إلى 59٪ فقط في الانتخابات العامة عام 2024؛ أي ما يعادل 41٪ فقط من البالغين المؤهلين إذا احتُسب غير المسجلين. أما انتخابات 2021 المحلية فشهدت انخفاضًا أكبر إلى 45.9٪. وانخفضت مشاركة الشباب إلى مستوى كارثي: أقل من 20٪ من الشباب بين 18 و35 عامًا سجلوا للتصويت عام 2021. وقد اختار كثير من المواطنين، المحبطين من الفساد والوعود الكاذبة والظروف المتردية، الانسحاب بدلًا من التصويت الذي لا يغيّر شيئًا في نظرهم. وكلما تراجعت المشاركة، ضعُف التفويض الديمقراطي، وتآكلت معه حوافز المؤسسات المنتخبة لتنفيذ العدالة الإدارية الموعودة دستوريًا.
تقف ديمقراطية جنوب أفريقيا عند مفترق طرق خطير. فالإطار القانوني للعدالة الإدارية والكرامة لا يزال من الأكثر تقدمًا عالميًا، لكن التجربة اليومية للملايين هي اغتراب ومهانة ووعود دستورية غير محققة. وقد تحوّلت فضائل الصبر والمصالحة — التي كانت جوهر الانتقال السلمي — إلى أدوات للمماطلة، يستعملها الساسة والبيروقراطيون لتأجيل المساءلة وخيانة الضعفاء.
تذكّرنا الانتفاضات المتقطعة بالقوة الكامنة لدى الشعب، لكن دون تحدٍ منهجي ومتصاعد، فإن الوضع القائم سيستمر. إن تحويل ديمقراطية بلا كرامة إلى ديمقراطية تفي بوعدها الدستوري يتطلب أكثر من مجرد إصلاحات تقنية، بل يستوجب يقظة سياسية وأخلاقية شاملة. يجب استعادة المساءلة الحقيقية. لا بد من محاكمة المسؤولين الفاسدين بسرعة، وتنفيذ توصيات اللجان بشفافية واستعجال. كما يجب إعادة بناء الإدارة العامة عبر إعادة تأهيل الكفاءات، وتعزيز الخبرة التقنية، وإحياء مبادئ "باتو بيلي" التي تُعلي من شأن المواطن وتجربته المعيشة.
ويجب جعل العدالة ملموسة ومرئية: توفير السكن، صرف تعويضات لجنة الحقيقة، احترام حقوق المحاربين القدامى، وتسريع استرداد الأراضي هي خطوات عاجلة لاستعادة ثقة الناس. كما يجب السعي للاندماج الاقتصادي، ليس فقط من خلال إعادة التوزيع، بل بدعم روّاد الأعمال الجدد، ومستفيدي إصلاح الأراضي، والاستثمار الجاد في تطوير مهارات الشباب. وفي الوقت ذاته، لا بد من تعميق المشاركة المدنية، وتذليل العقبات أمامها، والنظر إلى الاحتجاج كآلية تغذية راجعة ضرورية، لا كتهديد.