رابط تقرير موقع زاوية ثالثة
موقع زاوية ثالثةبلقاس، الزقازيق، جرجا، إمبابة: الموت كأعراض جانبية للاحتجاز في أقسام الشرطة
24 حالة وفاة في أقسام الشرطة بمصر بين يناير 2024 ويونيو 2025، وسط اتهامات متكررة بالتعذيب والإهمال الطبي وغياب المحاسبة.
تداول ناشطون على منصّتي فيسبوك وإكس، فجر الاثنين 28 يوليو، مقاطع فيديو توثّق مناوشات بين عدد من أهالي مدينة بلقاس بمحافظة الدقهلية وقوات الأمن، عقب إعلان وفاة الشاب الجامعي أيمن صبري داخل مركز شرطة بلقاس، وسط اتهامات بتعرضه للتعذيب أثناء احتجازه.في المقابل، أصدرت وزارة الداخلية المصرية بيانًا رسميًا بعد ساعات من تداول الفيديوهات، ذكرت فيه أنها تابعت ما نُشر بشأن “وفاة أحد المحتجزين داخل محبسه بمركز شرطة بلقاس”، وأنها وقفت على تفاصيل الواقعة.
وأوضح البيان أن المتوفى كان محبوسًا احتياطيًا بموجب قرار من النيابة العامة صادر بتاريخ 21 يوليو الجاري، على ذمة تحقيقات في قضية تتعلق بالإتجار في المواد المخدرة وحيازة سلاح ناري. وأضافت الوزارة أن المحتجز شعر بحالة إعياء مفاجئة في 26 يوليو، فنُقل إلى أحد المستشفيات لتلقي العلاج، لكنه توفي لاحقًا.
وأشار البيان إلى أن النيابة العامة استمعت إلى أقوال اثنين من المحتجزين الذين كانوا برفقته داخل الحجز، ولم يتهما أحدًا بالتسبب في الوفاة أو الاشتباه في وجود شبهة جنائية. كما أكدت الوزارة إخطار أسرة المتوفى بتفاصيل الحادث في حينه، وأن النيابة العامة فتحت تحقيقًا وكلفت الطب الشرعي بتشريح الجثمان لتحديد سبب الوفاة، ثم صرحت بدفنه.
في المقابل، طالب نشطاء حقوقيون بفتح تحقيق شفاف في الواقعة. وكتب المحامي محمد رمضان عبر صفحته على فيسبوك: “يجب على السيد النائب العام فتح تحقيق في واقعة وفاة الشاب أيمن صبري داخل مركز شرطة بلقاس، مع الرائد محمد صادق رئيس المباحث، والمقدم محمد جمعة مأمور المركز”.
وتُعد هذه الواقعة، وفق منظمات حقوقية، حلقة جديدة في سلسلة من الوفيات داخل أقسام ومراكز الشرطة في مصر، حيث يُتهم بعض أفراد الأمن بممارسة التعذيب أو التسبب في الوفاة نتيجة الإهمال الطبي. ووصف نشطاء واقعة بلقاس بأنها “خالد سعيد جديد”، في إشارة إلى الشاب الذي أصبحت وفاته عام 2010 رمزًا لحركة احتجاج واسعة انتهت بثورة يناير 2011.
كانت الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية قد نشرت يوم الثلاثاء 16 يوليو 2025، بيانًا مقتضبًا نقلًا عن “مصدر أمني”، أعلنت فيه إحالة ضابطي شرطة للتحقيق، بعد ثبوت تجاوُزهما في معاملة مواطنين داخل قسم شرطة أول العاشر من رمضان بمحافظة الشرقية، بالمخالفة للتعليمات الصادرة بشأن حُسن معاملة المواطنين.
وأوضح المصدر أن هذا الإجراء يأتي في إطار ثوابت الوزارة التي تؤكد على التزام العاملين بها بمعايير الانضباط والتعامل المهني مع المواطنين، ومحاسبة أي مخالفات أو تجاوزات تحدث أثناء تأدية الواجب.
ولم يُعلن البيان تفاصيل إضافية عن الواقعة أو أسماء الضابطين المحالين للتحقيق، كما لم يوضح ما إذا كان المواطنون المتضررون قد تقدموا بشكاوى رسمية أو تم توثيق الواقعة بمقاطع مصورة، وهي عناصر ظلّت غائبة عن البيان المنشور.
يأتي هذا البيان المقتضب بعد تكرار اتهام ضباط وأمناء الشرطة بالتسبب في وقوع حالات الوفاة داخل أقسام وأماكن الاحتجاز في مصر، سواء في ظروف غامضة أو وسط اتهامات بممارسة انتهاكات ضد المحتجزين، تشمل التعذيب، الإهمال الطبي، التكدّس، وغياب الرعاية الأساسية. وفقًا لما وثّقته منظمات حقوقية مصرية ودولية.
في المقابل، تواصل وزارة الداخلية نفي الاتهامات، مكتفيةً بتصريحات مقتضبة تشير إلى “وفاة طبيعية” أو “هبوط حاد في الدورة الدموية”.لكن خلف هذا الوصف، غالبًا ما يكون هناك جسد مُنهك، أو نداء استغاثة لم يُسمع، أو لم يُتح التحقق منه، في ظل غياب المساءلة، وعدم مثول الجناة أمام العدالة.
ووثقت “زاوية ثالثة” 24 حالة وفاة داخل عدد من أقسام الشرطة في محافظات مختلفة في الفترة من يناير 2024 وحتى يونيو 2025. بخلاف الواقعة الأخيرة التي شهدتها مدينة بلقاس، وقد تم جمع تلك القصص استنادًا إلى ما نُشر من شهادات أهالي الضحايا، بالإضافة إلى تقارير صادرة عن منظمات حقوقية تعمل على رصد وتوثيق حالات الوفاة داخل أماكن الاحتجاز، وتحديدًا أقسام الشرطة، التي تكررت فيها وقائع وفاة مواطنين خلال فترات احتجازهم.
قسم العمرانية في صدارة الوفيات
سُجّلت في قسم شرطة العمرانية بمحافظة الجيزة أكبر حصيلة من وفيات المحتجزين خلال فترة الرصد، إذ توفي داخله سبعة مواطنين، من أصل 25 حالة وثقها هذا التقرير في أقسام ومراكز شرطة مختلفة بين يناير 2024 ومنتصف عام 2025.
في هذا السياق، قدّمت “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” بلاغًا إلى النائب العام، طالبت فيه بوقف الضباط المسؤولين عن إدارة القسم عن العمل، وفتح تحقيق عاجل في هذه الوفيات المتعاقبة، مؤكدة في البلاغ وجود شبهة تعذيب أو إهمال طبي جسيم.
وشددت المبادرة على أن استمرار هذه الوقائع دون محاسبة يعزز مناخ الإفلات من العقاب، ويُعمق أزمة حقوق الإنسان داخل أماكن الاحتجاز، لا سيما في ظل غياب الرقابة القضائية والحقوقية المستقلة على أقسام الشرطة.
وقد قُيّد البلاغ، الذي قدمته المبادرة بصفتها ممثلًا قانونيًا عن ذوي الضحايا، تحت رقم 42850 لسنة 2025 (عرائض النائب العام)، وأُحيل إلى نيابة العمرانية بتاريخ 14 يونيو الجاري “لاتخاذ اللازم قانونًا”.
من بين الضحايا السبعة، خمسة محتجزين كانوا طرفًا في قضية واحدة تعود إلى يناير 2023. أحدهم، شاب يبلغ من العمر 25 عامًا، توفي بعد 17 شهرًا من الاحتجاز، نتيجة إصابته بالتهاب رئوي تطور داخل الحجز. نُقل إلى المستشفى بعد تدهور حالته، ثم توفي لاحقًا.
أما الثاني، فكان يبلغ من العمر 36 عامًا، وتوفي متأثرًا بنزيف داخلي، نُقل بسببه إلى المستشفى مرة واحدة فقط، ثم أُعيد إلى الحجز، ولم يُنقل مجددًا رغم تدهور حالته، حتى وُجِد متوفيًا داخله.
الحالة الثالثة تعود لشاب في الثالثة والعشرين، توفي بعد 19 شهرًا من الاحتجاز، في ظل غياب معلومات رسمية حول ملابسات الوفاة.
كما توفي محتجزان آخران من القضية ذاتها، أحدهما يبلغ من العمر 22 عامًا، والآخر 44 عامًا، أثناء وجودهما داخل حجز القسم.
ورغم صدور حكم نهائي بالحبس ثلاث سنوات بحقهم، لم يُنقل أيّ منهم إلى أحد مراكز الإصلاح والتأهيل، كما ينص قانون تنظيم السجون، بل استمر احتجازهم داخل قسم الشرطة، في مخالفة للمادة الثالثة من القانون، التي تشترط إيداع من حُكم عليه بعقوبة تتجاوز ثلاثة أشهر في مركز تأهيل، ما لم يكن المتبقي أقل من ذلك.
وبحسب بلاغ المبادرة، فإن جميع الضحايا في هذه القضية كان متبقيًا لهم أكثر من عام، ما يجعل استمرار احتجازهم غير قانوني، ويُعرّضهم للحرمان من الحقوق الأساسية، مثل التريض والرعاية الصحية المناسبة.
في قضية ثانية تعود إلى عام 2025، توفي محتجز يبلغ من العمر 44 عامًا، بعد أقل من شهر من احتجازه داخل القسم، دون أن تُعلن السلطات سبب الوفاة. وقد كان قد صدر بحقه حكم ابتدائي بالحبس لمدة عام، إلا أن القضية أُغلقت بسبب وفاته قبل نظر الاستئناف.
أما في القضية الثالثة، فقد توفي رجل يبلغ من العمر 42 عامًا أثناء حبسه احتياطيًا، وكان مصابًا بالسرطان والتصلب المتعدد، وهو مرض مناعي يؤثر على الجهاز العصبي. وقد فارق الحياة بعد أسابيع من القبض عليه، وسط ظروف احتجاز لا تُناسب حالته الصحية، وغياب الرعاية الطبية اللازمة.
وفي أعقاب البلاغ، قررت النيابة العامة فتح تحقيق رسمي في حالات الوفاة داخل قسم العمرانية، مع التركيز على حالة المحتجز المصاب بالسرطان والتصلب المتعدد. ويُعد هذا القرار خطوة نادرة في التعامل الرسمي مع وفيات أقسام الشرطة، التي نادرًا ما تُفتح بشأنها تحقيقات جنائية، خصوصًا حين ترتبط بالإهمال الطبي أو سوء المعاملة.
قسم الزقازيق: 6 وفيات في يومين
في تقرير نُشر بتاريخ 15 يوليو 2024، وثّقت لجنة العدالة، وفاة ستة محتجزين داخل قسم شرطة الزقازيق بمحافظة الشرقية، خلال شهر يوليو 2024. وقالت اللجنة إن الوفيات وقعت نتيجة لما وصفته بـ”ظروف الاحتجاز المروّعة”، التي تشمل الازدحام الشديد داخل الزنازين، وارتفاع درجات الحرارة، وانعدام التهوية والرعاية الطبية. ووفق ما ورد في التقرير، فإن من بين الضحايا المواطن محمد فاروق حسنين (49 عامًا) توفي يوم 15 يوليو 2024، إلى جانب خمسة محتجزين آخرين كانوا جميعًا على ذمة قضايا جنائية، دون أن تتوفر عنهم معلومات تفصيلية حتى الآن.
ورغم خطورة الحادثة وعدد الضحايا، لم يصدر عن وزارة الداخلية أي بيان رسمي، ولم تُعلن النيابة العامة عن فتح تحقيق مستقل. تُعد هذه الواقعة واحدة من أكبر حوادث الوفاة الجماعية داخل أقسام الشرطة المصرية في السنوات الأخيرة، وتطرح تساؤلات ملحّة حول معايير الأمان والسلامة داخل أماكن الاحتجاز، ومدى الالتزام بالقانون والدستور فيما يتعلق بحقوق المحتجزين.
وفيات متتالية في أماكن مختلفة
من قسم شرطة العمرانية إلى البحيرة فالشرقية، تتكرر أنماط الوفاة والإهمال داخل أماكن الاحتجاز، في وقائع متتابعة وثّقتها منظمات حقوقية مستقلة.
ففي يونيو 2024، وثّقت لجنة العدالة حالتي وفاة داخل قسم شرطة كفر الدوار بمحافظة البحيرة، تعودان إلى كل من أحمد بعره (31 عامًا) ومحمد مرسي. وأشارت المنظمة إلى أن الضحيتين لقيا مصرعهما جراء تعذيب على يد رجال الأمن، وسط ظروف احتجاز وصفتها بـ”بالغة القسوة”، من بينها التكدس الحاد داخل الزنازين، وغياب الرعاية الصحية، وانعدام التهوية، وارتفاع درجات الحرارة.
وفي محافظة الشرقية، تُوفي المواطن عبد الله صيام داخل قسم شرطة بلبيس في 2 سبتمبر 2024، نتيجة ما وصفته تقارير حقوقية بـ”تعذيب شديد وضرب مبرح”، إضافة إلى منعه من تلقي العلاج رغم إصابته بأمراض مزمنة، أبرزها الكبد ونقص المناعة المكتسبة (الإيدز). ووفقًا للشهادات الموثقة، كانت إدارة القسم على علم بحالته الصحية، لكنها امتنعت عن تقديم الأدوية اللازمة، ما أدى إلى تدهور حالته ووفاته داخل الحجز.
وفي واقعة منفصلة بنفس القسم، تُوفي أيضًا المواطن سعيد العجرودي (33 عامًا) خلال الشهر ذاته، نتيجة ما وصفته لجنة العدالة بـ”إهمال طبي جسيم”. وأفادت المنظمة بأن أعراضًا مرضية واضحة ظهرت على العجرودي، لكنه تُرك دون أي رعاية طبية، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة وسط تجاهل تام لحالته.
من جرجا إلى إمبابة: سردية متكررة للوفاة في الحجز
في 18 أغسطس 2024، توفي الشاب مصطفى محمود كريم أمين (28 عامًا) داخل قسم شرطة جرجا بمحافظة سوهاج، في ظروف وصفتها الشبكة المصرية لحقوق الإنسان بأنها “قاسية وغير إنسانية”. ووفق بيان الشبكة، تعرّض مصطفى لانتهاكات جسيمة منذ لحظة القبض عليه، شملت الضرب وسوء المعاملة وظروف احتجاز تهدد الحياة، وسط تكدس الزنازين وانعدام الرعاية الصحية وسوء التهوية.
في المقابل، نقلت صحيفة “أخبار اليوم” عن مصدر أمني نفيه القاطع لتلك المزاعم، مؤكدًا أن الوفاة كانت “طبيعية” — وهي الرواية المتكررة في العديد من حالات الوفاة داخل أماكن الاحتجاز، دون إرفاقها بتقارير طبية مفصلة أو إعلان عن تحقيقات رسمية.
وفي القاهرة الكبرى والغربية، تكشفت سلسلة من الوقائع التي تُرجّح شهادات الضحايا فيها تعرّضهم للتعذيب أو العنف المباشر. ففي 4 أغسطس 2024، تُوفي محمد السيد قنديل، المعروف بـ”مهند قنديل”، داخل قسم شرطة ثان طنطا، بعد اعتداء جماعي من أربعة محتجزين قبل أولى جلسات محاكمته، وفقًا للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية. وبعد نحو عام، وتحديدًا في 28 مايو 2025، نظرت محكمة جنح مستأنف ثان طنطا في الاستئناف المقدم من المتهمين الأربعة، وقضت برفضه وتأييد الحكم السابق بسجنهم عامًا واحدًا، في ظل تساؤلات مستمرة حول مسؤولية قسم الشرطة في حماية المحتجزين.
وفي 10 أبريل 2025، تُوفي محمود محمد أسعد، الشهير بـ”محمود ميكا”، داخل قسم شرطة الخليفة بالقاهرة، بعد أيام من القبض عليه. وبحسب تقرير مشترك نشرته “زاوية ثالثة” والمبادرة المصرية، واستنادًا إلى شهادات والدته ومحاميته، فقد ظهرت على جسده آثار إصابات خطيرة تُشير إلى تعرّضه للتعذيب، ما يُرجح أنها كانت سببًا مباشرًا في وفاته.
عقب انتشار خبر الوفاة، أصدرت وزارة الداخلية بيانًا رسميًا نفت فيه تمامًا تعرّضه لأي تعذيب، وقدّمت رواية بديلة مفادها أن الشاب كان محبوسًا على ذمة قضية مخدرات، وأنه دخل في مشاجرتين مع نزلاء آخرين، ثم شعر بإعياء وتُوفي لاحقًا في المستشفى. رغم ذلك، لم يتضمن البيان أي إشارة إلى فتح تحقيق رسمي، واكتفى بالتأكيد على اتخاذ “الإجراءات القانونية” دون تفاصيل إضافية.
وفي واقعة وثقتها لجنة العدالة في مايو 2025، توفي عبد الرحمن محمد حسن داخل وحدة مباحث قسم شرطة السيدة زينب بعد ساعات من احتجازه، وسط ملابسات ترجّح تعرّضه للتعذيب حتى الموت.
أما في يونيو 2024، فقد رصدت كل من منظمة “نجدة” لحقوق الإنسان والشبكة المصرية لحقوق الإنسان وفاة الشاب شهاب أحمد كحلة (25 عامًا) داخل قسم شرطة إمبابة بمحافظة الجيزة في ظروف وُصفت بالغامضة. كما تحدّثت “نجدة” عن أنباء غير مؤكدة بشأن وفاة ثلاثة محتجزين آخرين داخل نفس القسم في توقيت متقارب، دون صدور توضيحات رسمية أو تقارير طبية من وزارة الداخلية.
الموت في الترحيلات
وفي واقعة أخرى، أثارت جدلاً واسعًا، توفي ضياء ربيع عيد، فني تحاليل طبية، في 28 أغسطس 2024، بعد سقوطه من الدور التاسع أثناء تواجد قوة من الشرطة داخل منزله لتنفيذ أمر ضبط.
ووفقًا لما نشرته صفحة “متصدقش“، اتهمت أسرة الضحية أفراد الشرطة بالاعتداء عليه بالضرب قبيل سقوطه، فيما لم تُعلن النيابة العامة عن نتائج أي تحقيق جنائي حتى تاريخه.
وقد وقعت الحادثة في نطاق قسم شرطة قصر النيل، وأثارت تساؤلات حول سلامة إجراءات القبض والتعامل مع المشتبه بهم داخل منازلهم.
وفي واقعة أخرى، رصدت لجنة العدالة وفاة المواطن حسام الدين كمال عبد المجيد عبد المنعم (59 عامًا)، أثناء نقله في عربة ترحيلات تابعة لقسم شرطة حلوان إلى سجن جمصة، في 27 أغسطس 2024، بعد تعرضه لأزمة قلبية حادة داخل العربة التي قضى فيها أكثر من عشر ساعات دون تهوية أو رعاية طبية.
ووفقًا للجنة، فإن إدارة سجن جمصة رفضت استلامه بعد وفاته، ليُنقل لاحقًا إلى مستشفى قريب دون إبلاغ أسرته رسميًا، حيث لم تعلم العائلة بالوفاة إلا بعد مرور يومين، ومن خلال مصدر غير رسمي.
كان عبد المنعم يعاني من مشاكل في القلب وصعوبة في التنفس وهبوط بالدورة الدموية، إلا أنه لم يتلق أي علاج طبي خلال فترة احتجازه أو أثناء الترحيل.
وتشير اللجنة إلى أنه أنهى حكمًا بالسجن 3 سنوات في يوليو 2024 على خلفية قضية ذات طابع سياسي، وكان من المفترض إطلاق سراحه، إلا أن السلطات أعادت تدويره على ذمة قضايا جديدة، ليقضي الأسابيع الأخيرة من حياته متنقلاً بين عدة أقسام شرطة في ظروف احتجاز قاسية.
طالبت “لجنة العدالة” بفتح تحقيق عاجل في الواقعة، ومحاسبة المسؤولين عن هذا الإهمال الذي أدى إلى الوفاة، كما دعت إلى مراجعة سياسات التدوير والاحتجاز، وتحسين ظروف النقل والاحتجاز.
وفيات بالمخالفة للدستور والقانون
تُلزم القوانين الوطنية والدستور المصري والمواثيق الدولية، الدولة المصرية بحماية حقوق المحتجزين، وعلى رأسها الحق في الحياة والكرامة. فقد نصّت المادة 55 من الدستور المصري على أن “كل من يُقبض عليه أو يُحبس يجب معاملته بما يحفظ عليه كرامته، ولا يجوز تعذيبه ولا ترهيبه ولا إكراهه ولا إيذاؤه بدنيًا أو معنويًا”، كما تحظر المادة 60 صراحةً “تعذيب أي إنسان أو تعريضه لمعاملة قاسية أو مهينة”. وتؤكد المادة 96 على أن “المتهم بريء حتى تثبت إدانته”، بما يوجب احترام حقوقه طوال فترة الاحتجاز.
وعلى المستوى الدولي، تلتزم الدولة المصرية بعدد من الاتفاقيات والمواثيق التي تحمي حقوق الأفراد داخل أماكن الاحتجاز، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صدّقت عليه مصر عام 1982. إذ تنص المادة 6 من العهد على أن “الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان. وعلى القانون أن يحمي هذا الحق، ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفًا”. كما تنص المادة 7 من العهد نفسه على أنه “لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا لمعاملة أو عقوبة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة”، وتُلزم الدول الأطراف بضمان هذا الحظر المطلق في كافة الظروف، بما في ذلك داخل السجون وأماكن الاحتجاز.
إضافة إلى ذلك، تُعد مصر دولة طرفًا في اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة منذ عام 1986، ما يعني التزامها القانوني الواضح باتخاذ إجراءات تشريعية وإدارية وقضائية لمنع التعذيب داخل أراضيها. إذ تنص المادة 2 من الاتفاقية على أن “تتخذ كل دولة طرف إجراءات تشريعية وإدارية وقضائية وغيرها من الإجراءات الفعالة لمنع أعمال التعذيب في أي إقليم يخضع لاختصاصها القضائي”. وتشدد الاتفاقية في مادتها 12 على وجوب أن تقوم السلطات المختصة بإجراء تحقيق سريع ونزيه كلما وُجدت أسباب معقولة تدعو للاعتقاد بأن عملًا من أعمال التعذيب قد ارتُكب.
كما تؤكد القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد مانديلا)، التي اعتمدتها الأمم المتحدة، على حق المحتجزين في الحصول على الرعاية الصحية المكافئة لما هو متاح في المجتمع، وضرورة توفير الظروف الصحية والنفسية المناسبة داخل أماكن الاحتجاز، مع حظر الحبس في ظروف قد تشكل معاملة غير إنسانية.
في هذا السياق، تتقاطع هذه الانتهاكات مع الانتقادات المتكررة الموجهة إلى مصر في آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وعلى رأسها آلية الاستعراض الدوري الشامل (UPR) التي خضعت لها الدولة المصرية آخر مرة في يناير 2024 أمام مجلس حقوق الإنسان بجنيف، فيما اعتمد التقرير النهائي خلال الأيام القليلة الماضية.
وخلال جلسة الاستعراض، تلقت مصر حوالي تلقت مصر 373 توصية من 137 دولة، شملت انتقادات واضحة لأوضاع أماكن الاحتجاز، ودعوات صريحة للتحقيق في الانتهاكات المرتكبة ضد المحتجزين، ولتحسين ظروف الاحتجاز وضمان احترام المعايير الدولية.
ورغم قبول الحكومة المصرية عددًا من التوصيات ذات الصلة، بما في ذلك ما يتعلق بمناهضة التعذيب وتحسين أوضاع السجون، إلا أن الوقائع الميدانية الموثقة في هذا التقرير تُظهر فجوة واسعة بين الخطاب الرسمي والممارسات الفعلية، خاصة فيما يتعلق بالإفلات من العقاب، وغياب آليات مستقلة للرقابة على أماكن الاحتجاز.
تجدر الإشارة إلى أن تقارير منظمات مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية والمبادرة المصرية ومنظمات أخرى أشارت بوضوح إلى أن البيئة الحقوقية في مصر لا تزال قمعية، مع استمرار أنماط ممنهجة من التعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي في السجون وأقسام الشرطة.
خلل هيكلي دون حسيب أو رقيب
في السياق تقول سارة حمزة، الباحثة الحقوقية: “رصدنا في المفوضية المصرية للحقوق والحريات نحو 25 حالة وفاة داخل أقسام الشرطة فقط، خلال الفترة من يناير 2024 حتى منتصف 2025 وهي الفترة ذاتها التي يغطيها التقرير، وهو رقم يُعبّر عن نمط ممنهج من الانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز.”
وتضيف في حديثها لزاوية ثالثة: “حتى الآن، لم تتخذ السلطات أي إجراءات حقيقية أو جادة لوقف هذه الظاهرة. ورغم تعدد البلاغات والشهادات والتقارير الحقوقية، لا توجد مساءلة شفافة أو تحقيقات مستقلة في الغالبية الساحقة من الحالات. بل حتى في حالات الوفاة الناتجة عن اعتداءات بين المحتجزين أنفسهم، تظل وزارة الداخلية مسؤولة قانونًا، باعتبارها الجهة المشرفة على أماكن الاحتجاز وضمان سلامة جميع النزلاء دون تمييز.”
وتوضح حمزة أن:”أسباب الوفاة التي وثّقناها تنوّعت بين الإهمال الطبي وسوء المعاملة والتعذيب، إلى جانب ظروف احتجاز غير إنسانية تشمل التكدس الشديد، وسوء التهوية، وغياب الرعاية الصحية. بعض الغرف في الأقسام تضم أكثر من 30 شخصًا في مساحة ضيقة لا تليق بالبشر.”
وتتابع في حديثها:”أنماط الوفيات المتكررة تشير إلى خلل هيكلي في نظام إدارة الاحتجاز، وغياب تام لأي رقابة مستقلة أو إصلاح جذري. أقسام الشرطة مغلقة أمام زيارات منظمات المجتمع المدني، ولا توجد آلية رقابية فعالة تتحقق من ملاءمة تلك الأماكن.”
وتختم الباحثة الحقوقية حديثها بالتأكيد على أن: “الدولة، بموجب الدستور المصري والاتفاقيات الدولية التي صدّقت عليها، ملزمة ليس فقط بمنع وقوع الانتهاكات، بل أيضًا بالتحقيق الجاد والفوري في كل حالة وفاة أو إصابة خطيرة داخل مقار الاحتجاز، ومحاسبة المسؤولين عنها، وتعويض الضحايا وذويهم. وهذا، للأسف، لا يحدث.”
من جهته يقول المحامي الحقوقي حليم حنيش في حديثه لـ”زاوية ثالثة”: “رغم أن ثورة 25 يناير اندلعت احتجاجًا على انتهاكات وزارة الداخلية، وتجسّد ذلك في واقعة مقتل خالد سعيد التي كانت من الشرارات المباشرة للثورة، إلا أن أجهزة الأمن لم تتوقف عن ارتكاب الجرائم بحق المواطنين داخل أماكن الاحتجاز. وبعد مرور أكثر من 15 عامًا، ما زالت الممارسات القديمة مستمرة، بل يمكن القول إنها تفاقمت.”
ويضيف حنيش:”الانتهاكات لم تعد مقتصرة على القضايا السياسية فحسب، بل صارت الاعتداءات نمطًا يوميًا داخل أقسام الشرطة، ويصعب حصرها. هناك حالات تُكشف بسبب وفاة الضحية، لكن حالات أخرى كثيرة من التعذيب والإهانات تمرّ دون أن يعلم بها أحد، لأن الكثير من الضحايا يخشون الحديث عما تعرّضوا له، خوفًا من الانتقام أو عدم وجود ضمانة للحماية.”
ويُحمّل حنيش الدولة المسؤولية المباشرة، موضحًا:”ما يُبقي هذا النمط قائمًا هو غياب المحاسبة تمامًا. لم نرَ ضابط شرطة يُحاسب بشكل جاد في قضايا تعذيب أو قتل أو إهمال. وحتى في الحالات النادرة التي تُحال فيها بعض العناصر الأمنية للمحاكمة، تكون الأحكام مخففة، وغالبًا ما يتم الإفراج عنهم بعد فترة قصيرة، بل ويعودون إلى مواقعهم الوظيفية.”
ويختم حنيش بالتشديد على أن:”الانتهاكات ضد المحتجزين الجنائيين قد تكون في بعض الأحيان أشدّ وأقسى من تلك التي يتعرّض لها المحتجزون السياسيون، نظرًا لغياب التوثيق والرقابة والتفاعل الحقوقي مع هذه الفئة.”
في يونيو 2010، أصبح الشاب خالد سعيد أيقونة غضب المصريين ضد ممارسات وزارة الداخلية المصرية، بعدما أن لقى مصرعه على يد عناصر من الشرطة في مدينة الإسكندرية، حيث تم الاعتداء عليه بالضرب داخل أحد مقاهي الإنترنت، ثم لفظ أنفاسه الأخيرة متأثرًا بإصابات بالغة في وجهه وجسده. وأثار مقتل خالد موجة من الغضب الشعبي، وتحوّلت صورته إلى رمز للمطالبة بالعدالة وإنهاء القمع الأمني، خصوصًا بعد محاولات وزارة الداخلية آنذاك التستر على الجريمة بادعاء أن الوفاة نتجت عن “ابتلاع لفافة بانجو”.
خرجت مظاهرات حاشدة تحت شعار “كلنا خالد سعيد”، وكانت تلك الحملة إحدى أبرز الشرارات التي مهّدت لاندلاع ثورة 25 يناير 2011، والتي رفعت في مقدمة شعاراتها مطلب “العيش والحرية والعدالة الإجتماعية والكرامة الإنسانية” ووقف التعذيب في أقسام الشرطة.
لكن، وبعد أكثر من خمسة عشر عامًا، لا يزال الانتهاك داخل أماكن الاحتجاز مستمرًا، لتظل قضية خالد سعيد، في نظر كثيرين، جرحًا مفتوحًا وشاهدًا مؤلمًا على إفلات الجناة من العقاب.
رابط تفرير موقع زاوية ثالثة
https://storage.googleapis.com/qurium/zawia3.com/torture-in-egyptian-police-stations.html