نشرت 9 منظمات حقوقية هذا البيان مساء أمس الخميس 18 سبتمبرمنظمات حقوقية تدين تنصل الحكومة المصرية من مسئولياتها إزاء البهائيين وتطالب بوقف الانتهاكات المتزايدة بحقهم
تنتقد المنظمات الحقوقية الموقعة أدناه رد الحكومة المصرية على خطاب سبعة من المقررين الخواص بمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة بشأن أوضاع البهائيين المصريين؛ إذ جاء الرد إنشائيًا ومقتصرًا على الإشارة إلى التزام مصر بواجباتها تجاه مواطنيها، وفقًا للدستور والتشريعات الوطنية واتفاقيات حقوق الإنسان التي وقعت عليها. ولم يتطرق الرد إلى الانتهاكات المحددة التي تضمنها خطاب المقررين الخواص، استنادًا إلى شكاوى مقدمة من بهائيين حول تزايد معاناتهم اليومية. كما تجنب الرد الحكومي تقديم أية ضمانات أو التزامات مستقبلية لوقف هذه الانتهاكات وعلاج الثغرات القانونية التي تسمح بها.
الخطاب الأممي المرسل للحكومة المصرية حمل توقيع كل من المقررة الخاصة المعنية بحرية الدين والمعتقد، والمقررة الخاصة بالحقوق الثقافية، والمقررة الخاصة المعنية بالحق في التعليم، والمقررة الخاصة المعنية بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير والمقررة الخاصة المعنية بحرية التنظيم والتجمع السلمي، ونائبة رئيس الفريق الأممي الخاص بالاحتجاز التعسفي.
وقد أبرز الخطاب جوانب متعددة من تداعيات غياب حقوق البهائيين المصريين، خاصةً فيما يتعلق بتخصيص المقابر وإدراج البهائية في خانة الديانة في الأوراق الثبوتية، والاعتراف بالزواج. إذ لا تزال مؤسسات الدولة المصرية تتعنت دون مبرر في الاعتراف بعقود زواج البهائيين، حتى لو لم تتضمن العقود إشارة إلى هويتهم الدينية، مما يترتب عليه انتهاكات عدة لحقوقهم، من بينها تعذر استخراج شهادات ميلاد أطفالهم مسجلًا بها أسماء الوالدين، وصعوبة التحاق الأبناء بالمدارس، وتوزيع الإرث، واكتساب الجنسية للأبناء في حالة كان أحد الزوجين أجنبيًا.
كما تطرق الخطاب إلى المراقبة المفروضة على البهائيين في مصر، إذ يُطلب منهم تقديم قائمة بأسماء منسقي أنشطة المجتمع البهائي الداخلية إلى جهاز الأمن الوطني. كما تم وضع أعداد منهم على قوائم ترقب الوصول، فضلًا عن التفتيش الدقيق لحقائبهم واحتجازهم لعدة ساعات قبل إخلاء سبيلهم.
فبحسب نص الخطاب: «يُستدعى بهائيون للاستجواب في مكاتب الأمن الوطني بخصوص انخراطهم في الأنشطة البهائية… بالإضافة لذلك، تُغلّق المشاريع الاجتماعية والإنسانية التي يضطلع بها البهائيون، كما يُهدد أصدقاؤهم ومعارفهم بشأن استمرار علاقتهم بهم». ومن الملفت للنظر أن رد الحكومة المصرية اكتفى بالرد الشكلي على مجمل الانتهاكات الواردة في الخطاب، بينما تجاهل أي إشارة إلى هذه الانتهاكات الأمنية.
يُذكر أن وجود البهائية في مصر يرجع إلى عام 1863، في حين أنشئ أول محفل روحاني وطني للبهائية عام 1925، وكانت المحافل تتولى تنظيم شئون البهائيين إلى أن صدر قرار رئيس الجمهورية عام 1960 بحل المحافل البهائية وحظر أنشطة البهائية في مصر. وحاليًا يتعرض البهائيون لحملات من الملاحقة والحرمان من حقوقهم الدستورية، تزايدت وتيرتها خلال السنوات الأخيرة.
استندت الحكومة في مستهل ردها إلى المادة 64 من الدستور المصري التي تنص على حرية الاعتقاد المطلقة، بما يتماشى مع المادة 18 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (الذي صدقت عليه مصر وأصبح جزءً من تشريعها الوطني عام 1982) والتي تضمن حرية كل فرد في الاعتقاد وفي إظهار معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم. وفي هذا السياق، تؤكد المنظمات المصرية أن هذه المادة أفرغت من معناها بمنح حق ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لأتباع الديانات السماوية حصرًا، ما يعني حرمان البهائيين من حقهم في ممارسة الشعائر الدينية والحق في حريات الرأي والتعبير والتنظيم.
وفي الوقت نفسه، أشار الرد المصري إلى أن الدولة لا تفرض قيودًا على الاعتقاد الشخصي أو الانتماء الديني ما دام ذلك يتم في نطاق احترام «النظام العام» وحقوق الآخرين. وتلفت المنظمات الحقوقية النظر إلى أن الاستخدام العملي لـ «النظام العام» في الأحكام القضائية، يخلق واقعًا مُستنِدًا إلى تفسير أحادي للشريعة الإسلامية، باعتبارها المصدر الرئيسي للتشريع (مادة 2 من الدستور المصري)، ويترتب عليه مظالم مُركبة بالنسبة للمؤمنين بغير الديانات الإبراهيمية. وهو ما يُعتَبَر بدوره مُخالِفًا لتفسير المادة 18 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، الذي يفيد بأن «الاعتراف بديانة ما باعتبارها دين الدولة أو الدين الرسمي أو التقليدي، أو باعتبار أتباعها يشكلون أغلبية السكان، يجب ألا يؤدي إلى إعاقة التمتع بأي حق من الحقوق المنصوص عليها في العهد».
كما تشير المنظمات إلى شكاوى البهائيين المستمرة المرتبطة بعدم كفاية المدافن التي سبق تخصيصها لهم منذ عام 1939. فقد صودرت المدافن الأربعة التي خُصِصَت لهم سابقًا؛ ليتبقى فقط مدفن واحد في القاهرة يعاني من الاكتظاظ وعدم الكفاية، ويضطرهم إلى نقل جثامين البهائيين المتوفين من أي مدينة في مصر لدفنها في القاهرة.
كانت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية قد رفعت، بصفتها وكيلًا عن أعداد من البهائيين، دعاوى لتخصيص مقابر لهم في الإسكندرية وبورسعيد، لكن تم رفضها من جانب المُحافظتين ومن القضاء. وهو ما دفع المقررون الأمميين الخواص إلى القلق بحسب الخطاب: «نُعرِب عن قلقنا البالغ من منع البهائيين من ممارسة شعائرهم الدينية والثقافية المرتبطة برعاية موتاهم وحقهم في التمتع والوصول إلى تراثهم الثقافي والأماكن التي تحمل ذكرى عائلاتهم».
ردًا على ذلك، نَفت الحكومة وجود احتياج لدى البهائيين لمقابر إضافية، مشيرة إلى أنه: «يحق للسلطات المختصة تحديد وتنظيم عدد المقابر بناءً على الإحصاءات الرسمية المرتبطة بعدد السكان ومعدّلات الوفيات السنوية. تؤخَذ هذه القرارات بناءً على البيانات التي توردها الجهات الرسمية المؤهلة لذلك؛ وعلى رأسها وزارة الصحة، مع مراعاة المعايير الصحية والبيئية والاجتماعية. وبناءً على ما سبق، تؤكد الدولة على وجود مواقع دفن كافية لتلبية احتياجات كافة المواطنين».
إلا أنه، وكما ورد في شكوى المقررين الخواص، فلا يتمكن البهائيون من استخراج أوراق ثبوتية مدوَّن فيها انتماؤهم الديني الحقيقي في خانة الديانة. فبعد حصول المبادرة المصرية للحقوق الشخصية –ممثلة عن البهائيين– على حكم نهائي من المحكمة الإدارية العليا في 2008 بأحقيتهم في استصدار أوراق ثبوتية بها خانة ديانة فارغة أو إضافة شَرْطَة (-) أمام خانة الديانة، صدر قرار وزير الداخلية رقم 520 لسنة 2009 والذي سمح بوضع علامة شَرْطَة (–) في حالة المواطنين غير المنتمين للديانات المُعتَرَف بها، مع حصر ذلك على من سبق لهم أو لأبويهم استصدار أوراق ثبوتية مدون بها ديانة غير الديانات الثلاث المعترف بها، باعتبارها الطريقة الوحيدة لإثبات الانتماء الديني للمواطن. كما أنه لا توجد «جهة اختصاص» يلجأ إليها المواطن من أجل إثبات عقيدته على غير الأديان الثلاث. كما أن البهائيين المصريين –حتى ممن ينطبق عليهم هذا الشرط التعسفي– عادوا في الفترة الأخيرة لمواجهة عقبات بيروقراطية وغير قانونية في الحصول على هذا الحق المنتزع بعد صراع قضائي طويل.
فبحسب خطاب المقررين الخواص: «بينما لا تعترف بطاقات الهوية بالبهائية كديانة، لا يزال البهائيون مطالبين بتحديد ديانتهم في بطاقات الهوية، ومن فثم فهم محرمون من حقهم في تحديد ديانتهم الحقيقية في وثائق الهوية الرسمية. ويُزعم أن وضع علامة شرطة (–) في بطاقات الهوية يُستَخدَم كأداة للإقصاء والتمييز ضد البهائيين في حياتهم اليومية، ويشمل ذلك الحصول على عمل، والحصول على التعليم والرعاية الصحية، وغيرها من الحقوق. يؤدي ذلك أيضًا إلى التعرُّض لمضايقات من مسئولي الأمن في الأنشطة اليومية. وبحسب المعلومات الواردة، فإن البهائيين يواجهون تحديًا إضافيًا في استصدار وثيقة هوية بسبب وجود مكتب واحد فقط في مصر يمكن للبهائيين التقدُّم إليه بطلبات بطاقة هوية وأنواع الأوراق الثبوتية الأخرى». إضافةً لاستمرار مصلحة الأحوال المدنية باستخراج رقم قومي للمتزوجين من البهائيين باعتبارهم غير متزوجين، بدعوى عدم اعتراف الدولة بالزواج بين البهائيين، والذي أشار الخطاب لمخالفته للمادة 23 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وكذلك المادة 7 من اتفاقية حقوق الطفل التي صدقت عليها مصر عام 1990.
وفي ختام خطابهم، أشار المقررون الخواص إلى أن كل هذه الوقائع تبدو أنها «تمثل نمطًا من التمييز المستمر ضد البهائيين، يستهدف تهميشهم من المجال العام ويعوق تمتعهم بحرية الدين أو المعتقد والضمير؛ مما يؤكد انتهاك الحق في الحرية الدينية كما ورد في المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتمييز ضد الأقليات الدينية، المحظور بموجب المادة 27 من العهد نفسه. وبالتالي، قد تكون هذه الأفعال مخالفة لالتزامات جمهورية مصر العربية فيما يتعلق بحقوق الإنسان».
المنظمات الموقعة أدناه تدين تنصل الحكومة المصرية من مسئولياتها إزاء المواطنين البهائيين المصريين، وتتقدم بالتوصيات التالية التي بتنفيذها ستشرع مصر في الوفاء بأدنى التزاماتها وفقًا للدستور والتشريعات الوطنية واتفاقيات حقوق الإنسان:
أن يصدر المحافظون قرارات تخصيص مدافن للبهائيين قريبة من أماكن معيشتهم وفقا لاحتياجاتهم والطلبات المقدمة منهم.
أن يُصدر وزير العدل قرارًا، وفقًا للمادة الثالثة من القانون رقم 68 لسنة 1947، بتعيين موثقين منتدبين في المحافظات المختلفة لتوثيق عقود الزواج بين البهائيين.
التوقف عن ملاحقة المنتمين للبهائية، ووقف استجوابهم عن أنشطتهم، ورفع أسمائهم من قوائم ترقب الوصول، مع السماح للقيادات الدينية وأتباع البهائية من غير المصريين بدخول البلاد دون مضايقات.
المنظمات الموقعة
المبادرة المصرية للحقوق الشخصية
مركز النديم
منصة اللاجئين في مصر
لجنة العدالة
مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان
إيجيبت وايد لحقوق الإنسان
المنبر المصري لحقوق الإنسان
مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان
المفوضية المصرية للحقوق والحريات
رابط البيان
https://cihrs.org/rights-organisations-demand-an-end-to-increasing-violations-against-egyptian-bahais/