رسالة إلى السيد الرئيس: مصر قادرة إن أرادت
السيد رئيس جمهورية مصر العربية:
- تعلم أننا كثيرا ما انتقدناك وانتقدنا سياساتك على مدى سنوات، لكن تعلم أن هذا النقد لم ينطلق من مجرد الخصومة السياسية، وإنما من رؤية موضوعية وانحياز قيمي للديمقراطية والحريات والعدالة الاجتماعية، وهي نفسها الرؤية الموضوعية والانحياز القيمي الذي دفعنا في مناسبات كثيرة لدعم جهود الدولة المصرية ومؤسساتها وسياساتك طالما جاءت في إطار الأهداف الوطنية والضوابط الدستورية.
- لقد اختلف المصريون، مثلهم مثل سائر الشعوب، حول حكامهم على مدار التاريخ، لكن المشهد المتكرر هو أن المصريين لطالما غفروا لحكامهم كثيرا من الزلات والأخطاء وربما الخطايا، إذا ما أثبتوا لهم التزامهم الوطني الصارم بالقيم الإنسانية والوطنية للشعب المصري في مواجهة التهديدات الخارجية، وإذا ما أثبتوا أن مساعيهم الاقتصادية في سياساتهم العامة هي العدالة في توزيع الثروة وإقامة اقتصاد عادل وتنموي يغني الفقير ولا يفقر الغني.
- هكذا أحب المصريون أو أغلبهم الرئيس جمال عبد الناصر لما رأوا فيه فلاحا مصريا أصيلا يبارز الاستعمار دون خوف أو طمع، وحين رأوا فيه حرصا على فقرائهم قبل أغنيائهم.
- إن المصريين حتى قد تعاطفوا في بعض اللحظات مع مبارك الذي ثاروا عليه وأطاحوا به في ثورة يناير المجيدة التي نعلم أنك لا تحبها رغم أنك لولاها لم تكن لتحل في قصر الحكم. ما هي تلك اللحظات التي تعاطفوا معه فيها وتناسوا جرائمه؟ إنها تلك اللحظات التي تذكروا فيها بعض المواقف الوطنية التي انحاز إليها، ومنها رفضه تجويع سكان قطاع غزة، أو تلك اللحظات التي تذكروا فيها رفضه المساس بالفقراء الذين أسماهم بمحدودي الدخل، وإن لأسباب سياسية تتعلق بترسيخ سلطته.
السيد الرئيس،
- السيد الرئيس، إن تجويع الشعب الفلسطيني في قطاع غزة ليس بالنسبة للمصريين مجرد أزمة إنسانية أو قضية أخلاقية، وإنما يقع في صلب كرامتهم الوطنية وهويتهم المصرية وحدود أمنهم القومي كما يتصورونه لأنفسهم، لذلك فإن الأمر لا يتحمل أي تهرب أو تلكؤ.
- لسنا من الإخوان المسلمين ولا حتى من المتعاطفين معهم ولا نلتقي بهم فكريا ولا سياسيا (وإن كنا نرفض انتهاك حقوق أي إنسان خارج إطار القانون)، ولا نطالبك بفعل كل ما هو ممكن وشحذ كل إمكانات الدولة لإنهاء المجاعة في قطاع غزة، رغبة في المكيدة بك، أو لتشويه الدولة المصرية التي ننتمي إليها ونحرص عليها حرصك عليها أو أشد.
- لسنا إخوانا ولا المناضل المسيحي اللبناني جورج عبد الله من الإخوان ولا غيرنا من جموع المصريين والنشطاء حول العالم من الإخوان، حين نطالبك ونطالب الدولة المصرية ببذل ما هو ممكن وما هو فوق الممكن لمساعدة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وإنهاء الإبادة الجماعية والتجويع.
- إن من يطالبون الدولة المصرية بالتدخل لمنع الإبادة الجماعية والتجويع ليسوا أعداء مصر، وإنما هم عشاقها الذين يعرفون حجمها ويعرفون معنى الدولة المصرية ومعنى أن تكون رئيسا لمصر، ويعلمون أن مصر إن أرادت فعلت.
السيد الرئيس،
- السيد الرئيس، لقد عانت مصر من التقزيم منذ نصف قرن، وحاولت بلدانا شقيقة أن تحل محلها في قيادة المنطقة، وليتها وفت بحجم المهمة، ولقد أسهمت سياساتك على مدى العشرية الماضية في استمرار هذا التقزيم، لكن أتت المعركة الأخيرة مع الاحتلال لتعطيك وتعطي مصر الفرصة لاستعادة موقعها ومكانتها.
- إن مسارا انطلق منذ كامب ديفيد إلى اليوم لم يقد إلا إلى توسيع الفجوة العسكرية والتكنولوجية بيننا وبين إسرائيل، وفرض الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة، وتجريد مصر من أدوات النفوذ وفرض الإرادة، ليس مسار واقعية أو عقلانية، وإنما مسار خضوع واستسلام، تأباه كرامة المصريين، ولا يمكن أن يقود إلى مزيد من الخضوع الكارثي.
- إن الأبواق التي تقول ليس بالإمكان أفضل مما كان لا تحبك ولا تريد مصلحتك، وإنما تبحث عن مصالحها الشخصية التي تراها في استرضائك أو استرضاء بعض رجالك، أما من يحرصون حقا على مصلحتك فهم من يطالبونك بالتدخل بكل ما هو ممكن لإنهاء الإبادة، لأن مصلحتك هو أن تدخل التاريخ من أوسع أبوابه، وأن تبيض صحائفك، حين يقال إن رئيس مصر الوطني هو من أنهى العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ومنع الإبادة الجماعية، وأطعم الشعب الفلسطيني، وحفظ له حقوقه.
- إن الخيار اليوم ليس بين الحرب والخضوع كما صرح السيد محافظ شمال سيناء، وإننا نخشى أن يتسرب إليك وإلى قيادات السلطة تلك الرؤية ضيقة الأفق محدودة النظر، فالدول تملك أدوات سياسية عديدة، ومصر دولة كبيرة ولديها أدواتها، وإننا إذ نطرح المطالب والمقترحات نود فقط أن نؤكد أن هناك مسارات ممكنة، وأن الطريق ليس مسدودا والخيارات ليست ثنائية بهذا الشكل الذي يروج له بعض المقربين منك.
السيد الرئيس،
- السيد الرئيس، نعلم أن مصر تمر بضائقة اقتصادية خطيرة أحوجتها إلى أشقائها في الخليج وضيقت خياراتها السياسية، لكن الموقف اليوم ينبهنا إلى ألا مفر من الخروج من ذلك، وأن مصر عليها أن تنهض وأن تواجه، وألا تبيع غدها بيومها، وألا تتخذ من حلفاء إسرائيل أصدقاء لها مقابل أموال تشتري صمت مصر.
- إن الشعب المصري فعلا مستعد أن يتعب وأن يجوع كما طالبته مرارا، ولكنه ليس مستعدا لذلك من أجل بناء المزيد من القصور في العاصمة الإدارية الجديدة، أو من أجل اقتصاد تهيمن عليه شبكات من اللواءات والمقاولين، وإنما من أجل بناء اقتصاد تنموي حقيقي وجيش قوي محترف مهني، والحفاظ على سيادة مصر من التدخلات القائمة على الدولار والديون.
- نرجو أن تصلك هذه الرسائل التي نعلم أن أجهزتك تحرص على جمعها، ونرجو عندما تصلك ألا تنظر إليها بعين الغضب والصلف، وإنما بعين الانتماء الوطني والتحليل الموضوعي والإرادة الصارمة.
- السيد الرئيس، غزة وشعبها أمانة معلقة في عنقك لن نغفر لك تضييعها.
والسلام…
**
#الموقف_المصري
الرابط
https://x.com/AlmasryAlmawkef/status/1949732345054929281