📌 لم تكن القضية في ظاهرها سوى واقعة استيلاء ع. أ، موظف يعمل بوظيفة "معاون خدمة" على مستندات خاصة بالشركة الأهلية للاستثمار والتعمير "نيركو" وهي شركة حكومية تعمل في مجال العقارات، إلا أن التحقيقات الرسمية وما تضمنته أوراق القضية تكشف أن ما جرى قد يتجاوز مجرد سرقة أوراق أو بيع مخلفات ورقية.
◾ فالمستندات التي اختفت وتم التخلص منها كانت تضم ملفات مالية وتسويقية وأرشيفية بالغة الأهمية، وانتهى بها المطاف إلى البيع لعامل نظافة مقابل 4200 جنيه فقط، قبل أن تعدم بالكامل داخل مصانع تدوير الورق، بما ترتب عليه ضياع وثائق كانت تمثل السجل المالي والإداري للشركة.
◾ تكشف منصة "#متصدقش"، في التقرير التالي استنادًا إلى أمر الإحالة الرسمي الصادر عن النيابة العامة يوم السبت 4 يوليو 2026، وقائمة أدلة الثبوت وأقوال الشهود والتحقيقات، تفاصيل القضية رقم 3969 لسنة 2025 جنايات الوايلي، والمقيدة برقم كلي لسنة 2025 غرب القاهرة الكلية، والتي انتهت بإحالة معاون خدمة إلى المحاكمة الجنائية بتهمة الاستيلاء على مستندات لشركة "نيركو" تخص معاملات مالية قيمتها 600 مليون جنيه.
➖ كما حصلت "#متصدقش" على معلومات من مصدرين قضائيين مطلعين بنيابة الأموال العامة وآخر محام مطّلع على سير القضية، إلى استمرار تحقيقات تكميلية تباشرها جهات التحقيق بشأن طبيعة المستندات التي جرى التخلص منها، وما إذا كان اختفاؤها قد ترتب عليه إخفاء الأوراق التي تخص معاملات مالية وعقود واستثمارات:⬇️⬇️
⭕ 600 كيلو جرام من الورق لمعاملات بقيمة 600 مليون جنيه
◾ بحسب أوراق القضية فإن ما يقرب من 600 كيلو جرام من المستندات والملفات الخاصة بالإدارة المالية والإدارة التسويقية والأرشيف والمستندات اتُهم ع.أ بنقلها على عدة مراحل عبر السلم الخلفي لمقر الشركة، قبل بيعها باعتبارها "ورق دشد" مقابل سبعة جنيهات للكيلوجرام، وهي الواقعة التي أدت إلى تعذر استعادة تلك المستندات بعد دخولها مصانع إعادة تدوير الورق.
◾ تتبع الشركة الأهلية للعقارات والاستثمارات "نيركو"، لوزارة قطاع الأعمال العام، وتساهم فيها الحكومة بنسبة 99.17%، عبر شركات المعادي للتنمية والتعمير، وبنك مصر، ومصر لتأمينات الحياة، وطُرحت أسهم الشركة في البورصة المصرية، قبل نحو شهرين ونصف في 23 أبريل 2026.
◾ وفقًا لقرار النيابة العامة، فإن المتهم ع.أ ارتكب الجناية المنصوص عليها في المواد (113، و118، و118 (مكرر)، و119، و119 (مكرر) من قانون العقوبات المصري، وتتمثل الجريمة في أنه بصفته موظفاً عموميًا استولى بغير حق وبنية التملك على أوراق ومستندات الشركة محل عمله.
◾ وفي الوقت نفسه وعقب إحالة المتهم في القضية، تواصل جهات تحقيق أخرى وهي نيابة الأموال العامة وجهات رقابية في مقدمتها هيئة الرقابة الإدارية فحص الملابسات المحيطة باختفاء هذا الأرشيف، في ظل ما تضمنته التحقيقات من وقائع وشهادات، وما كشفته المصادر القضائية والقانونية بشأن وجود تحقيقات موازية تتعلق بطبيعة المعاملات المالية التي كانت تتضمنها المستندات المفقودة.
⭕ كيف جرى اكتشاف الواقعة؟
◾ تضمنت قائمة أدلة الثبوت والتحقيقات تسعة شهود، منهم ستة من المسؤولين والموظفين في "نيركو"، وأفادوا في شهادات متطابقة بأنه أثناء مباشرة عملهم الدوري، اتضح فقدان كميات ضخمة وحرجة من المستندات والملفات، وعلى الفور، تم تشكيل لجنة لجرد كافة المستندات والملفات الخاصة بجميع الإدارات.
◾ وكشفت نتائج الجرد، اختفاء كمية ضخمة من مستندات (الإدارة المالية، والإدارة التسويقية، والإدارة الأرشيفية).
◾ وأكد مدير الإدارة المالية وممثلو الشئون القانونية أن هذا الاختفاء المنظم ترتب عليه ضرر مالي جسيم ومباشر بالشركة، خاصةً عند محاولتها المحاسبة والمطابقة أمام مصلحة الضرائب المصرية؛ إذ باتت الشركة عاجزة عن إثبات أوجه الصرف والتحصيل والتعاقدات.
◾ وبالفحص الداخلي، وُجهت أصابع الاتهام إلى معاون الخدمة ع.أ، الذي تبين أنه قام بالاستيلاء على هذه الأوراق وإيهام عامل نظافة خارجي بأن الشركة تمر بحالة "تصفية نهائية"، وأن هذه الأوراق ليست سوى مخلفات أو "ورق دشد" يراد التخلص منها.
◾ وأكدت الرواية الرسمية للشركة أن المتهم، قبل هروبه، أقر بالواقعة ووقع على "إقرار كتابي" بخط يده يقر فيه بمسؤوليته المنفردة والمطلقة عن سرقة واستيلاء تلك الأوراق.
◾ جاءت شهادة الشاهد السابع، رمضان حسن محمد (59 سنة، عامل نظافة بأبراج العباسية)، لتكشف عن الآلية الفنية للجريمة؛ إذ أشار العامل إلى أن المتهم تواصل معه وأخبره صراحة على خلاف الحقيقة بأن الشركة تصفي أعمالها وتريد بيع "الدشت"، وعلى مدار أربع مراحل متتالية، سَلّم المتهم عامل النظافة كميات ضخمة من الأوراق.
◾ وكانت عملية التسليم تتم بذكاء وتخطيط، إذ انتظر المتهم انتهاء فترات العمل الرسمية وخلو المكاتب من الموظفين، ليقوم بنقل الأكياس والملفات عبر "السلم الخلفي للشركة" بعيداً عن الأعين، أما الصدمة فكانت في المقابل المالي، حيث تمت عملية البيع بسعر 7 جنيهات فقط للكيلو الواحد (بإجمالي 4200 جنيه مصري).
◾ وأكد عامل النظافة أنه قام بدور الوسيط فقط، وأنه أعاد بيع هذه الكميات لشخص آخر مجهول، وعندما تحركت الشركة لاستعادة الأوراق، تبين أنها دخلت بالفعل مصانع تدوير الورق وفرمت بالكامل، مما يعني استحالة استرجاع أي دليل مادي منها.
⭕ اختفاء العامل وإقراره يثيران الشبهات حول "فساد أكبر"
◾ بعد اكتشاف الواقعة، قدَّم وكيل الشؤون القانونية لـ"نيركو" بلاغًا إلى الشرطة، فيما أَثبتت مصلحة الطب الشرعي لاحقًا صحة الإقرار الموَّقع من العامل، وأنه تم دون إكراهه.
◾ إلا أن التحريات أشارت أيضًا إلى أن المتهم اختفى تمامًا فور توقيعه على الإقرار، وفشلت كافة الأكمنة الثابتة والمتحركة التي أقيمت حول محل إقامته في ضبطه، مما طرح علامة استفهام حول من الذي ساعد موظفاً بسيطاً على التواري عن الأنظار بهذه السرعة والاحترافية؟
◾ في تقريره الفني عن الإقرار، أوضح "الطب الشرعي" أن "بيانات صلب الإقرار جاءت محررة باستخدام طابعة كمبيوترية".
◾ هذه التفصيلة فتحت الباب للتساؤل: هل يمتلك معاون خدمة بسيط القدرة الصياغية والقانونية لطباعة إقرار كمبيوتري بصياغة قانونية محكمة يعفي فيها الجميع ويتحمل المسؤولية بمفرده؟
⭕ تحقيقات لنيابة الأموال العامة في محاولة فك لغز فقد المستندات
◾ بحسب المصادر القضائية والقانونية، التي تحدثت إلى "#متصدقش"، فإن القضية لم تنته بإحالة معاون الخدمة إلى المحاكمة، بل إن التساؤل السابق هو محل تحقيقات موسعة؛ إذ تجري نيابة الأموال العامة منذ منتصف يونيو 2026 تحقيقات تكميلية موسعة، ومستقلة حول طبيعة المعاملات المالية التي كانت تحتويها هذه الأوراق المفرومة.
◾ واستدعت النيابة رؤساء مجالس إدارة للشركة سابقين لسماع أقوالهم، وطبيعتها ومقارنتها فيما بينها، كما استدعت المستشار القانوني السابق والحالي للشركة لسماع أقوالهم، وعدد من المسؤولين الماليين للشركة.
◾ وتشير أقوال الشهود والتحقيقات والتحريات الأولية من هيئة الرقابة المالية وإدارة مكافحة جرائم الأموال العامة، إلى أن المستندات التي جرى إعدامها تحت غطاء "بيع ورق الدشت" تتضمن دافعًا لإخفاء المعاملات المالية والتدفقات النقدية والعقود الاستثمارية.
◾ وتذهب التحقيقات التي يعمل عليها محققو الأموال العامة إلى أن الشركة الأهلية للعقارات والاستثمارات، وباعتبارها شركة مساهمة تابعة لقطاع الأعمال العام، كانت تواجه أزمة طاحنة مع مصلحة الضرائب أو جهات رقابية بشأن فحص مالي شامل.
◾ بدأت الأزمة منذ الفحص المالي والإقرارات الضريبية للشركة عن الأعوام المالية 2023/2022، و2025/2024، من خلال تقديم إقرارات ضريبية بها مخالفات وتلاعبات في البيانات المقدمة من الشركة.
◾ وتحقق النيابة في فرضية أن التخلص من الأوراق قد جاء للتخلص من أدلة قد تدين صفقات مشبوهة، أو عمولات غير قانونية، أو اختلاسات أدت إلى فجوة مالية، وجد القائمون على الإدارة أن الحل الأمثل هو "إعدام الأرشيف" بالكامل وتحميل التهمة لأضعف حلقة في السلسلة الإدارية.
◾ وبحسب التحقيقات، فإن الأوراق التي جرى فرمها كانت تشمل عقودًا وتخصيصاتٍ الأراضي والمشروعات من المستندات الأصلية لشراء الأراضي الشاسعة أو الشراكات مع مستثمري القطاع الخاص، والتي توضح السعر الحقيقي للمتر مقارنة بما تم قيده دفتريًا.
◾ وأيضًا دفاتر العمولات ومستخلصات المقاولين الممثلة في الأرشيف السري للإدارة التسويقية والمالية الذي يحتوي على نسب "العمولات" الممنوحة لشركات الوساطة، ومستخلصات التنفيذ الخاصة بمقاولي الباطن، ومحاضر استلام الأعمال التي قد تكون وهمية أو جرت مبالغات في قيمتها.
◾ وأيضًا أرصدة المبيعات النقدية والحجوزات من عقود العملاء وحسابات الأقساط "خارج الدفاتر" (Off-books)، والتي تثبت تدفقات نقدية ضخمة دخلت الشركة ولم تُدرج في الميزانيات الرسمية هربًا من الضرائب أو لتسهيل اختلاسها.
⭕ أضرار مالية تلحق بالشركة والمتعاملين معها
◾ بحسب ما تحيط به التحقيقات التكميلية فإنها تشمل التوصل إلى المستفيدين من الواقعة، وهم قيادات ومسؤولون تنفيذيون كبار بالشركة؛ لأنهم هم المستفيد الأول لتفادي الملاحقة القضائية بتهم تسهيل الاستيلاء على المال العام، والتربح، وتلقي الرشاوى؛ إذ إن غياب الدليل المادي (العقود والمستندات المالية الأصلية) يمنع خبراء الكسب غير المشروع والرقابة الإدارية من إثبات المخالفات وتحديد الفروق المالية.
◾ وكذلك مستثمرون ومقاولو باطن (قطاع خاص)، والاستفادة هنا مشتركة، لأن اختفاء هذه الأوراق يحمي هؤلاء المقاولين من رجال الأعمال من إلزامهم برد مبالغ حصلوا عليها دون وجه حق، أو يمنع مصلحة الضرائب من فحص حساباتهم ومطابقتها مع دفاتر الشركة الرسمية.
◾ وتحقق نيابة الأموال العامة في أشكال الضرر الواقع على المال العام، والذي تمثل في ضياع أصول الدولة وضخامة الفروق الضريبية.
◾ فعجز الشركة أمام مصلحة الضرائب يترتب عليه توقيع غرامات وجزاءات طائلة بمليارات الجنيهات تتحملها ميزانية الدولة (باعتبارها المساهم الأكبر)، من مصلحة الضرائب، بخلاف احتمالية إقامة دعاوى تعويض بسبب عدم التزام الشركة بالتزاماتها المالية، وفقد تعاقدات عديدة من جانب آخر.
◾ فضلاً عن إسقاط مديونيات مستحقة للشركة لدى الغير لاستحالة إثباتها قانونًا، وكذلك شلل الحوكمة والرقابة، مع تحول الشركة إلى "صندوق أسود"، بات من المستحيل على الجهاز المركزي للمحاسبات، أو وزارة قطاع الأعمال العام إجراء تقييم حقيقي للمركز المالي للشركة، مما يتسبب في تجميد مشروعات عقارية قومية وإهدار للموارد العامة.


