الرابط
عربي 21
مع حراك "أكتوبر البداية".. هل ينجح المعتقلون المصريون في تغيير مصيرهم؟
كشفت تقارير حقوقية عن قيام المعتقلين السياسيين في مصر بتنظيم إضراب جماعي بجميع سجون البلاد، للمطالبة بإخلاء سبيلهم وتحسين أوضاعهم، أيام 7 و8 و9 تشرين الأول/أكتوبر المقبل، وذلك تحت عنوان حراك "أكتوبر البداية"، والذي يأتي امتدادا لحملة "#كفى" و"#طوفان_السجون"، التي انطلقت ببعض السجون.
والخميس الماضي، صدر البيان الأول للمعتقلين من داخل السجون مخاطبا كل المعتقلين والمعتقلات، ومعلنا عن انطلاق (حراك أكتوبر البداية)، قائلا: "يأتي حراكنا للتعبير عن موقف موحد يطالب بوضع قضية المعتقلين على رأس الأولويات، والعمل على الإفراج عنهم جميعا، وفي الأساس جميع المعتقلات والبنات".
البيان، أضاف: "إلى الأبطال الأحرار والحرائر في السجون، إذا وصلكم انطلاق الحراك، فاستعينوا بالله وننتظر تفاعلكم في أولى أعمالنا المشتركة برفض التعيين والطعام أيام (٧ و ٨ و ٩) أكتوبر القادم"، داعيا "الأحرار الوطنيين الشرفاء من الحقوقيين والإعلاميين والسياسيين والمؤثرين"، بدعم حقهم في الحياة والحرية.
وتؤكد رسائل مسربة نقلها حقوقيون وجود حالة من الاستنفار الأمني داخل السجون، مع محاولات لاحتواء غضب المعتقلين عبر التغير في المعاملة معهم ومع ذويهم بتسهيل بعض إجراءات الزيارة.
ومساء الأحد، أشارت "مؤسسة جوار"، إلى امتداد "شرارة (حراك أكتوبر البداية) السبت الماضي، لتشعل قاعات محكمة بدر (قرب العاصمة الإدارية) حيث أطلق المعلقون شرارة احتجاج للمطالبة بالإفراج الفوري عنهم، وإنهاء سنوات من المماطلة والظلم الممنهج".
وتلفت المنظمة إلى "اندلاع شرارة الغضب حينما تعنت ضابط الحراسة في تلبية طلب معتقل ستيني برؤية زوجته المعتقلة أيضا، والمتواجدة بقاعة أخرى، مما دفع الشباب للطرق العنيف في أقفاص الاحتجاز الثلاثة حتى انكسر باب قفص الاحتجاز، ما أسفر عن إصابة أحد الشباب بكسر في قدمه ونقله للمستشفى، بينما تعرض المسن لإغماءة أجبرت الأمن على الرضوخ والسماح له برؤية زوجته".
وأكد منشور "جوار"، عبر فيسبوك أنه "لم تتوقف غضبة الأحرار عند هذا الحد حيث تعالت هتافاتهم: (عاوزين نروح، حرية)، وقاموا بتحطيم كاميرات المراقبة داخل أقفاص الاحتجاز"، ملمحة إلى مغادرة المستشار وجدي عبدالمنعم قاعة المحكمة، ومسارعة قوات الأمن بسحب الشباب وإعادتهم لمحبسهم، واصفة المشهد بأنه "يؤكد أن إرادة المعتقلين أقوى من جبروت السجان وأن حراكهم مستمر حتى انتزاع حقوقهم".
وكشفت "رابطة أهالي المعتقلين المصريين- فدا"، ارتفاع عدد الزنازين المشاركة في الإضراب عن الطعام إلى 40 زنزانة، في سجن "ليمان المنيا الجديد"، احتجاجا على استمرار الانتهاكات الممنهجة بحق المعتقلين وأسرهم، واستدعاء مصلحة السجون ضابط الأمن الوطني أحمد كساب لاحتواء الانفجار داخل السجن.
وفي ذات السياق، يشهد سجن "بدر 1"، تصعيدا متواصلا من المعتقلين على مدار الأسبوع الماضي، من خلال الطرق اليومي على أبواب الزنازين والهتافات الجماعية داخل العنابر، للمطالبة بحقوقهم، في "تحركات تعكس رفض المعتقلين للأوضاع القائمة وإصرارهم على التمسك بحقوقهم"، وفق منظمات مصرية مطلعة على هذا الملف.
وحول تلك الحملة، يقول الحقوقي المصري عبدالرحمن البدراوي: "ما فهمته من تسريبات وصلت لجهات حقوقية من المعتقلين أن حملة (كفى)، وحملة (طوفان السجون)، كانت بداية لحراكهم؛ لكن حاليا أي حراك في السجون سيكون تحت عنوان (حراك أكتوبر البداية)، وهذا سيكون الحراك الجامع لكل حراك السجون".
ويضيف أنه "كان هناك اتفاق على أن أيام 7 و8 و9 أكتوبر ستكون الحد الأدنى، للتعامل أو الاعتراض أو محاولة انتزاع حقوقهم، وكل مكان حسب تقديره وحسب أولوياته في المكان، ولكن الفكرة أن يكون هناك عمل مشترك بين كل السجون والأماكن ويكون بداية لحراكهم".
ويبين أن "الفكرة نفسها جاءت بسبب سوء الأوضاع بالسجون، والضغط المستمر على المعتقلين مدة 13 عاما ودون أفق لخروجهم، مع زيادة أعداد المعتقلين بشكل مطرد مع حملات الاعتقال الجديدة، إلى جانب سوء أوضاع المعتقلات والنساء في السجون".
ويلفت إلى أن "كل تلك أسباب أدت إلى حدوث انفجار، وجعلت المعتقلين يتساءلون: لماذا نصبر ونسكت على تلك الأوضاع واستمرار سجنهم؟"، موضحا أن "هناك سجون رفعت مطالبها لأعلى سقف والمطالبة بالإفراج وإخلاء سبيلهم والتأكيد على أنه يكفى ما ضاع من عمرنا، وهناك آخرون طالبوا بتحسين أوضاعهم، وكل هذا يعود لتقدير كل سجن وحسب وضعه".
ويرى البدراوي، أن "الميزة في هذا الحراك أنه حراك جماعي، وأن المعتقلين اتفقوا على أعمال مشتركة وتنفيذها أيام 7 و8 و9 القادمين، فهل يغير هذا من أمرهم أم لا؟، هذا ما نتمناه أن يحدث وهو أمل كل حقوقي وأمل أسرة كل معتقل".
وبخصوص احتمالات تعامل أمن السجون معهم، يلفت إلى أنه "حاليا الدولة تحاول احتواء الوضع والسيطرة على المشهد، وخاصة وأنهم لا يعرفون حدود غضب المعتقلين وإلى أي مدى قد يصل انفجارهم".
يختم قائلا: "المعتقلون يطالبون جميع المنظمات والجهات الحقوقية بأن تشارك في (حراك أكتوبر البداية)، وأن تكتب عنه ويكونوا ظهيرا للمعتقلين في حركتهم، وصوتهم المسموع"، مشيرا إلى "مخاوف معاملة النظام معهم بعنف أو شدة وبطش أمني".
هل ينجح المعتقلون؟
وفي رؤيته لأهمية هذا الحراك في ظل استمرار الانتهاكات الحقوقية لأكثر من 60 ألف معتقل سياسي يقبعون في سجون النظام المصري لأكثر من 13 عاما، أغلق خلالها الباب إزاء أي دعوات لحل أزمة المعتقلين أو المصالحة الاجتماعية، يتحدث الحقوقي المصري خلف بيومي، لـ"عربي21".
ويقول إنه "من الطبيعي والمستساغ والقبول أن يعبر المظلوم عن رفضه لهذا الظلم، ولا يعتبر مرور السنوات دون وقف الظلم مبرر أبدا للسكوت والرضا به".
وأعرب عن اعتقاده أن "حراك السجون ورفضهم لكل الانتهاكات لم يتوقف؛ فقد ثاروا وأضربوا عن الطعام، وأقدم بعض منهم على محاولة الانتحار، رفضا للانتهاكات الحقوقية مثل منع الزيارة والإهمال الطبي المتعمد، وزاد غضبهم بسبب التفتيش المهين لذويهم، أو بسبب التفتيشات المستمرة".
وأوضح أنه "سواء كان هناك حراك يوم (7 أكتوبر)، أو ما بعده فإن رفض الظلم لم يتوقف خلال الفترة الأخيرة خاصة في سجون (المنيا)، و(أبوزعبل)، و(بدر1)، وذلك حتى السبت الماضي".
وبحسب واقع الملف الحقوقي المصري منذ الانقلاب العسكري الذي ضرب البلاد ونتج عنه اعتقال أكثر من 100 ألف مصري معارض لرئيس النظام عبدالفتاح السيسي، (قائد الانقلاب)، واحتمالات أن ينجح المعتقلين المصريين في تغيير مصيرهم بأيديهم بعد 13 عاما من الحبس، يؤكد بيومي، أن "الحراك سيبقى هام وضروري".
ويبين أنه "يتفق مع الفطرة السليمة التي ترفض استمرار الظلم والسكون عنه وحماية مرتكبيه، ولأنها رسالة أن المعتقلين مازال الرقم الصعب الذي لم يخسر رغم كمية الألم والتضحيات التي عانوا منها وبسببها".
وفي ظل أساليب النظام الأمنية، تثار مخاوف أهالي المعتقلين من نتائج سلبية لتلك الحملة داخل السجون واحتمالات أن تقود إلى زيادة البطش الأمني والضغوط على المعتقلين أو في أسوأ السيناريوهات ارتكاب مجازر بحقهم، يعبر الحقوقي المصري عن أمينته أن "تحاول الدولة ولو لمرة واحدة أن تفكر قبل اتخاذ القرار في التعامل مع المعتقلين".
ويقول: "لأنه من الواضح أن التصرف يسبق التفكير، لماذا لا تفكر الدولة في إخلاء سبيل المحبوسين احتياطيا؟، لماذا لا تفكر في غلق ملف النساء وكبار السن والمرضى؟"، معربا عن أسفه من أن "الدولة لا تفكر إلا في رد فعل على الإضراب".
وحول إمكانية تفعل تلك الحملة شعبيا ودعمها عبر المنظمات الحقوقية الدولية، يلفت بيومي، إلى أنه "من الواجب على الجميع مؤسسات حقوقية وسياسية وإعلامية دعم المعتقلين وتوصيل قضيتهم لكل مساحة أو نافذة، ولابد أن يشعر المعتقلون بأن هناك من يتضامن معهم ويوصل صوتهم".
صدمة قانون الإجراءات الجنائية
وفي قراءته يقول الباحث الحقوقي المصري محمد فهمي: "الدعوة التي تناقلتها بعض المنصات الحقوقية، والتي دعا فيها المعتقلون السياسيون إلى التصعيد بالإضراب العام، لأول مرة كإضراب جماعي داخل جميع السجون التي يتواجد بها المعتقلون السياسيون، تأتي بعد أيام قليلة من بدء تطبيق التعديلات الأخيرة بقانون الإجراءات الجنائية، والتي أصابت المتابعين للملف الحقوقي بعدم الرضا، وإن كان هناك من يقول إن المشكلة ليست بمواد القانون، ولكن في تطبيق القانون".
في حديثه لـ"عربي21"، يؤكد أن "الدعوة التي أُطلقت تعبر عن مدى رفض المعتقلين للأوضاع المأساوية التي يعيشها الآلاف منهم، والتي تعد نموذجا قاسيا ومحزنا لخطورة الأوضاع داخل السجون المصرية، وعدم شعور المعتقلين بأن الأوضاع في تحسن، بل على العكس، يرون أنها في تدهور، بالرغم من التصريحات والإنكار الدائم من قبل وزارة الداخلية المصرية بحدوث انتهاكات داخل السجون".
ويوضح أن "المعتقلين يقابلون ذلك بصراخهم السبت الماضي، في مجمع محاكم بدر، ومطالبتهم بالحرية وإنهاء معاناتهم؛ فالأوضاع قاسية، وقد فقدوا الأمل في تحسينها، وأصبحت زنازينهم، في نظرهم، مقابر لهم، حيث كانوا شهود عيان على وفاة المئات منهم داخل السجون، دون أن تتحسن الأحوال".
ويلفت إلى أن "المعتقلين يعلمون جيدا مدى خطورة مثل هذه الدعوة وتداعياتها الخطيرة، التي من الممكن أن تطالهم، وأيدي البطش والتنكيل بهم بشتى أنواع وسائل التنكيل والتعذيب البدني والنفسي، كالتغريب إلى سجون بعيدة جغرافيا، أو حبسهم في زنازين ومقابر الانفرادي المميتة، أو تجريدهم من أدواتهم الشخصية القليلة التي سُمح بإدخالها بشق الأنفس، بعد معاناة شاقة".
ويبين أنهم "يعلمون أن السلطات الأمنية لا تتوانى في استخدام أقصى أساليب القمع والتنكيل، ولكنهم مصرّون على القيام بالإضراب لانتزاع حريتهم والحصول على حقوقهم، والعودة إلى ديارهم، أو انتزاع حقوقهم الدنيا التي نصت عليها المواثيق والأعراف الدولية واللائحة الداخلية للسجون".
ويطالب الحقوقي المصري، الجميع أن "يتكاتف ويدعم قرار المعتقلين وخطواتهم، وأن يدركوا أن المعتقلين يواجهون الموت المحقق في ظل عدم اكتراث المجتمع المصري وأجهزته بمعاناتهم، وبمشاركة السلطات والأجهزة النيابية والقضائية في هذه الجريمة".
ودعا الناشط أنس حبيب، الجميع أن يتفاعل مع مطالب المعتقلين التي وصلت لأول مرة سقف المطالبة بالإفراج الفوري عنهم، فيما يشير المعتقل السابق والناشط عبدالرحمن الجندي، إلى مخاوف من أن تكون "احتمالات التنكيل ساحقة أكثر من احتمال الاستجابة"، موضحا تفهمه لماذا وصل المعتقلون لهذا الحد، مؤكدا أنه جرب هذا الشعور بنفسه سنوات "أنك مدفون بالحياة، إنك في مقبرة، ولا أحد حتى مهتم بأنه يضيع من عمرك ١٢ و١٣ سنة.
انتهاكات بشهادة دولية
وترصد المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية وبينها "هيومن رايتس ووتش" و"منظمة العفو الدولية"، الكثير من الانتهاكات الحقوقية في ملف المعتقلين والمحبوسين احتياطيا في مصر، وبينها سوء أوضاع السجون والحرمان من الرعاية الصحية، وتكدس الزنزانات، ونقص التهوية، وفرض القيود على الزيارات أو منعها.
واستخدام الحبس الاحتياطي كعقوبة عبر إبقاء المتهمين لسنوات دون محاكمة، أو إعادة إدراجهم في قضايا جديدة بذات الاتهامات رغم صدور قرارات بإخلاء سبيلهم وهو ما يُعرف بـ"التدوير".
إلى جانب تعرض آلاف المعتقلين للإخفاء القسري وما يصاحبه من جرائم تعذيب وانتهاكات وانتزاع الاعترافات قبل العرض على النيابة، ثم الإحالة إلى محاكم استثنائية مثل "أمن الدولة طوارئ" أو "المحاكم العسكرية"، وعدم تمكين الدفاع من الاطلاع على أوراق القضايا أو التواصل مع المتهمين.