الثلاثاء، 14 يناير 2025

بيزنس الموافقات الامنية


بيزنس الموافقات الامنية


🔴 فوجئت ندى -وهي شابة سورية مقيمة في القاهرة منذ عدة سنوات- بمنعها من صعود الطائرة أثناء عودتها من إحدى الدول الأوروبية، ومطالبتها بالحصول على موافقة أمنية للسماح بالسفر نحو القاهرة.
◾كانت ندى تعتمد في العودة على امتلاكها تأشيرة أوروبية سارية "شنجن"، إذ كانت المطارات والمعابر المصرية تستثني حاملي بعض الإقامات والتأشيرات الأوروبية والخليجية من الحصول على موافقة أمنية لدخول البلاد، وذلك بعد وقف الحكومة تجديد الإقامة السياحية للسوريين قبل عدة أشهر.
◾إذ لا تسمح الحكومة المصرية، منذ سنوات، بدخول الوافدين من حملة الجنسيات العربية والأجنبية -التي تشهد بلدانهم صراعات وحروب وأزمات أمنية- دون موافقة من الأجهزة السيادية المصرية ، إلا للمستثنين.
◾ولكن تلك الاستثناءات أُلغيت للسوريين بشكل مفاجئ عقب سقوط بشار الأسد، وتحديدًا من السبت 14 ديسمبر 2024، وهو ذاته يوم رحلة عودة "ندى" إلى القاهرة.
⚠️ يكشف #صحيح_مصر في هذا التحقيق عن تحول الموافقة الأمنية إلى بيزنس، وتغير التسعيرة مع تقلبات الأوضاع الإقليمية، إذ بلغت قيمتها 3300 دولار للسودانيين بعد الحرب، و2300 دولار للسوريين بعد سقوط #بشار، بخلاف مئات الدولارات لليمنيين والجنسيات الأخرى. وتذهب هذه الأموال إلى شبكة من وسطاء أجانب ومصريين وشركات سياحة مصرية تستطيع من خلال علاقاتها احتكار استخراج التصاريح الأمنية من أجهزة سيادية.
🔴 تغيير في الإجراءات
◾ما حدث مع ندى، تكرر مع شاب سوري حاصل على إقامة في دولة #الإمارات، إذ مُنع هو الآخر من صعود طائرة العودة إلى #القاهرة. وشخص سوري ثالث، حامل أيضًا لإقامة خليجية، وصل إلى مطار القاهرة بالفعل، ولكن مُنع من دخول البلاد، وعاد إلى الدولة الخليجية التي يقيم بها. أُبلغ الثلاثة بإلغاء الاستثناءات التي تسمح بدخولهم وضرورة حصولهم على موافقة أمنية مسبقة.
◾قبل سقوط #بشار_الأسد، واندلاع الحرب في السودان، كانت إدارة الجوازات والهجرة التابعة لوزارة الداخلية المصرية تسمح للسوريين والسودانيين من حاملي الإقامات والتأشيرات السارية من دول "الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا، كندا، أستراليا، نيوزيلندا، اليابان، منطقة الشنجن، دول مجلس التعاون الخليجي"، بدخول مصر بتأشيرة اضطرارية يحصلون عليها عند الوصول إلى المطارات والمنافذ الأخرى.
◾ولكن تلك الآليات تغيرت بعد الحرب في السودان، وبداية التحرك لإسقاط نظام بشار الأسد، حسب محام متخصص في ملف اللاجئين،  توجه إلى إدارة الجوازات والهجرة، وهناك أُبلغ بأن قرارًا جرى تعميمه على المطارات بإلغاء الاستثناءات الممنوحة للسوريين من حملة بعض الإقامات والتأشيرات الخليجية والأوروبية، وضرورة حصولهم -مثل غيرهم- على موافقة أمنية لدخول البلاد.
◾وهي نفسها القرارات التي أصدرتها إدارة الجوازات في وقت سابق بحق السودانيين واليمنيين، إذ أُلغي أيضًا استثناء حاملي إقامة دول الخليج وتأشيرة دول الاتحاد الأوروبي من دخول مصر دون موافقة أمنية، بحسب وثائق اطلع عليها صحيح مصر.
🔴 لا دخول دون موافقة
◾ينتظر منذر -وهو شاب سوداني يقيم بإحدى دول الخليج- الحصول على الموافقة الأمنية التي تسمح بدخوله لمصر لزيارة أسرته، ودفع مقابل ذلك 1500 دولار لوسيط سوداني، على أن يدفع مبلغًا مماثلًا بعد صدور الموافقة الأمنية إلى مطار القاهرة ودخوله لمصر.
◾فيما اختار "مصعب" الطريق الصعب، إذ لا يملك 3000 دولار يدفعهم للحصول على الموافقة الأمنية، عبر الطرق الشرعية، فقرر دفع كل ما يملكه لشبكات التهريب للتوجه إلى مصر عبر الصحراء، هربًا من الحرب الدائرة هناك.
◾يقول ناشط بملف اللاجئين في مصر، فضَّل "صحيح مصر" عدم ذكر اسمه، إن المطارات المصرية بدأت في طلب الموافقة الأمنية من السوريين والسودانيين منذ بداية الاضطرابات في البلدين قبل سنوات، ولكن ضمن إجراءات التأشيرة والإقامة، سواء عند التقديم في إحدى السفارات المصرية في الخارج أو للحصول على الإقامة من داخل مصر.
◾وأشار الناشط إلى أن قرار "الموافقة الأمنية" مطبق على السوريين منذ العام 2014. ولكن القرار الأخير -بحسب المصدر- هو تطبيقها على فئات كانت مستثناة، وهو ما يوسع من دائرة المطالبين بالحصول على الموافقة، وبالتالي يوسع من حجم الاستفادة المالية من تكلفتها.
◾تطور الأمر بعد أيام من إلغاء الاستثناءات، إذ أُلغي أيضًا السماح بحصول السوريين المستثنين على التأشيرة من المطار حال حصولهم على الموافقة الأمنية، وأصبح على جميع السوريين والسودانيين التقدم بإجراءات الحصول على تأشيرة دخول مصر إلى السفارات المصرية في الخارج، والتي تصدر بعد الموافقة الأمنية.
◾قرارات اتخذتها الدولة المصرية لأسباب أمنية حسب مصادر "صحيح مصر". أدت، من بين أمور أخرى، إلى استمرار ونمو  بيزنس الموافقة الأمنية، إذ بات لزامًا عليهم، بعد تقديم الأوراق للسفارة المصرية، التواصل مع نفس الوسطاء -عادة ما يكونون من نفس جنسية مقدم الطلب- والذي يحصل على مقابل مادي يتراوح بين 1200 و2300 دولار للسوريين، و3000 و3300 دولار للسودانيين، مقابل ضمانة إصدار الموافقة الأمنية، والتي تصل إلى السفارات وشركات الطيران من أجهزة أمنية مصرية على هيئة قوائم مسجل بها الحاصلين على الموافقة.
🔴 أنواع الموافقات الأمنية
◾أحد الوسطاء السودانيين قال لـ"صحيح مصر" إن جهازين أمنيين في #مصر يمتلكان حق إصدار الموافقات الأمنية للأجانب، مشيرًا إلى أن وكالات السياحة السودانية تقدم طلب الموافقة الأمنية عبر وسطاء مصريين يتعاملون مع شركات سياحة مصرية معروفة بينهم باسم "شركات الموافقات"، والتي بدورها تتولى التعامل مع الجهازين الأمنيين.
◾فيما يقدم الوسطاء للسوريين نوعين من الموافقات الأمنية. الأولى: "بطيئة" وتصدر خلال فترة تتراوح ما بين 15 يومًا إلى 30 يومًا مقابل 1150-1200 دولار، وتخرج من أحد الأجهزة الأمنية عبر إحدى الشركات السياحية.
◾الثانية: 'سريعة'، وتصدر خلال فترة تتراوح ما بين 3 أيام إلى أسبوع من تاريخ التقديم، وذلك مقابل 2200-2300 دولار. وتُصدر عبر الجهاز الثاني من خلال شركتين أخرتين، وفقًا لما ذكره وسطاء سوريون.
◾يتطلب الحصول على الموافقة الأمنية وجود جواز سفر ساري، وحجز الطيران ذهابًا وإيابًا لطالبي الموافقة البطيئة. ويشترط ألا يكون المسافر قد دخل إلى مصر بطريقة غير شرعية في وقت سابق، وأن يكون السفر من #سوريا عبر طيران السورية، ومن خارج سوريا عبر خطوط مصر للطيران. كذلك يُطلب من السودانيين الحجز عبر مصر للطيران، وذلك وفقًا للضوابط التي قال الوسطاء إنها مطلوبة للحصول على الموافقة الأمنية.
◾قال اثنان من الوسطاء لـ"صحيح مصر" إنهما يحصلان على تكلفة الموافقة بعد وصول المسافر إلى القاهرة والحصول على ختم الدخول، بينما طلب الثالث الحصول على مقابل توفير الموافقة قبيل تقديم الطلب، مشيرًا إلى أن الحصول على الموافقة مؤكد لأنه يتعامل مع جهات أمنية موثوقة. وطلب الأخير الحصول على نصف المبلغ عند التقديم والنصف الآخر عند الوصول.
◾يجمع الوسطاء الأموال والمستندات اللازمة من المسافرين قبل إرسالها لشركات سياحة مصرية قريبة من أجهزة سيادية في مصر، والتي تتولى تقديم المستندات للجهات المختصة للحصول على الموافقة المطلوبة، بحسب عدد من الوكلاء وافقوا على التحدث إلى صحيح مصر.
◾تظهر صورة الموافقة على نظام شركات الطيران قبل السفر بحدود 48 ساعة، ويرسل بعض الوسطاء صورة لعملائهم من الموافقة. والموافقات التي اطلع صحيح مصر على نسخة منها تظهر على هيئة قوائم بأسماء وأرقام الحاصلين على الموافقات والدول القادمين منها.
🔴 شركات الموافقة الأمنية
◾تواصل "صحيح مصر" مع 6 من شركات السياحة المصرية، للاستفسار عن إمكانية توفير الموافقات الأمنية لصديق سوري، وكانت ردودهم جميعًا أنهم "لا يعملون في هذا الملف، ولا يعرفون عنه شيئًا". ورفض أغلب الوسطاء والسماسرة ووكلاء السياحة الذين تحدث إليهم صحيح مصر الإفصاح عن الجهات التي يحصلون عبرها على الموافقة، إذ تخوف البعض من التعرض للإيذاء وتعطيل أعمالهم، بينما اكتفى آخرون بالتأكيد أنها جهات أمنية مصرية موثوقة.
◾ولكن في رحلة البحث نفسها، أكدت ثلاثة مصادر مختلفة،  أحدهم قريب الصلة من إجراءات الموافقة، وآخر يعمل في واحدة من شركات الموافقات الأمنية، ويتحفظ صحيح مصر على ذكر هويتهما، إن شركتين مصريتين فقط تعملان في هذا المجال، تربطهما علاقات بالأجهزة الأمنية المعنية بإصدار الموافقات، وهما شركتا "ماستر ترافيل" و"لاكي تورز".
◾قال مصدر آخر مطلع على ملف الموافقات الأمنية لصحيح مصر، إن شركة ماستر ترافيل قريبة الصلة من أحد الأجهزة الأمنية، ولاكي تورز قريبة من الجهاز الآخر، وهما المسيطرتان على بيزنس الموافقات الأمنية. غير أن مؤخرًا دخلت شركة جديدة في إدارة هذا الملف وهي "أراب أفريكان" لتحل محل "لاكي تورز" القريبة من جهاز سيادي.
◾و"لاكي تورز" هي الشركة الأقدم بين الشركات الثلاث التي تسيطر على بيزنس الموافقات الأمنية. تأسست عام 1974، وتحمل ترخيص رقم 111، ويشغل منصب رئيس مجلس إدارتها اللواء محمد رضا داود حسن، ومدير الشركة هو عصام الدين محمود حسن بسطة.
◾"أراب أفريكان تورز"، التي تحل تدريجيا محل "لاكي تورز" في إدارة ملف الموافقات الأمنية، هي أحدث الشركات الثلاث، إذ تأسست عام 1991، وتحمل ترخيص رقم 869، ويشغل منصب رئيس مجلس إدارتها محمد عبدالواحد موافي. أما مدير الشركة فهو اللواء عادل لطفي حسني، بحسب قاعدة بيانات الشركات المسجلة لدى غرفة السفر والسياحة.
◾اللواء عادل لطفي حسني، مدير أراب أفريكان، كان قياديًا في أحد الأجهزة الأمنية، قبل إحالته للتقاعد في يوليو 2016، وفق القرار الجمهوري 382 لسنة 2016، وذكر القرار أنه أحيل للتقاعد ضمن 17 وكيلاً آخرين بناءً على طلبهم.
◾بعد شهرين من إحالته للتقاعد، أصدر يحيى راشد، وزير السياحة وقتها، تفويضًا لعادل لطفي حسني، مدير شركة أراب أفريكان، لمتابعة ورقابة قطاع الأمانة العامة بوزارة السياحة.
◾الشركة الثالثة، هي شركة "ماستر ترافيل". تأسست عام 1985، وتحمل ترخيص رقم 529، ويرأس مجلس إدارتها وفق بيانات التسجيل محمد محمد عبدالدايم عبدالواحد، والمعروف بمحمد عبدالدايم. أما مديرا الشركة فهما هاني السيد محمد السيد، وعبد الوهاب أحمد سليم.
◾وسبق وتولت شركتا "ماستر ترافيل" و"لاكي تورز" معًا نقل أعضاء ومشجعي النادي الأهلي إلى المغرب لحضور نهائي أبطال أفريقيا 2022. وتعاونت الشركتان معًا أيضًا في يونيو 2022، في مقر رابطة القدس بالقاهرة. ونشر موقع الوطن التابع للشركة المتحدة المملوكة للدولة، إن الشركتين "التابعتين للحكومة" عقدتا اجتماعًا مع نيافة الأنبا أنطونيوس، مطران القدس، لتنسيق تنظيم حج الأقباط إلى القدس.
🔴 زيادة التسعيرة
◾بينما تدور رحى الحرب في السودان، رفعت الشركات بشكل متسارع تسعيرة الحصول على الموافقة الأمنية للسودانيين من 1000 دولار إلى 3000 دولار للفرد، وأحيانًا تصل إلى 3300 دولار. لذا، أعلنت عدد من الشركات السياحية السودانية توقفها عن التعامل مع شركات الموافقة الأمنية المصرية، ودشنوا هاشتاج بعنوان #انا_اتوقف_عن_العمل_في_الموافقات_الامنية.
◾ويقول مصعب، وهو شاب سوداني، مازال يعيش في دنقلا شمال #السودان، ويحاول الهرب إلى مصر، إن زيادة تكلفة الموافقة الأمنية، دفعت المزيد من السودانيين الفارين من الحرب إلى اختيار الحل الصعب، وهو الهروب من الصحراء عبر شبكات تهريب البشر، فهي أقل كلفة وأقصر زمنًا، من التقدم للسفارة المصرية ودفع آلاف الدولارات لشركات الموافقة، والانتظار لأشهر حتى تصدر.
◾لا يستطيع وسيط سوداني -تحدث إلى صحيح مصر- تحديد القيمة الحقيقية لتكلفة الموافقة الأمنية، ولكنه يقول إن شركات الوكالة السودانية والوسيط المصري يتحصلون على نحو 30% فقط من قيمة الموافقة، فيما يقدر أرباح شركات الموافقة الأمنية المصرية بأكثر من 70% من التكلفة المحصلة من السودانيين، ويقول إن "شركات الموافقات تجني أرباحًا طائلة بالدولار"، وهو ما أكده وسطاء سودانيين وناشط بملف اللاجئين.
◾فيما قال وسيط سوري إن الوسطاء يحصلون على 50 أو 100 دولار على الأكثر من قيمة ما يدفعه كل مسافر، ويجني الوسيط المصري نفس المبلغ تقريبا، أما الشركات المرتبطة بالأجهزة الأمنية فيذهب إليها معظم المبلغ.
◾وتمنح تلك الشركات المرتبطة بالأجهزة الأمنية التصاريح لكافة الجنسيات الموجودة على لائحة الموافقات، وليس حملة الجنسيتين السورية والسودانية فقط، ومنهم تونس، المغرب، الجزائر، #العراق، اليمن، ولبنان، ولكن بتكلفة أقل. إذ تتراوح تكلفة الموافقة الأمنية لأغلب الجنسيات الأخرى بين 100 و500 دولار، بحسب المصدر.
◾إذ تلزم الحكومة المصرية العراقيين بين 16 و60 عامًا بالحصول على موافقة أمنية، وتتراوح تكلفتها بين 200 و300 دولار. كما يلتزم كافة اليمنيين بين 16 و50 عامًا بالحصول على تأشيرة دخول مسبقة وموافقة أمنية، وتتراوح تكلفتها بين 125 و200 دولار. ويدفع التونسيون 100 دولار نظير الحصول على الموافقة الأمنية، ويدفع الذكور الفلسطينيون من الضفة الغربية بين 250 و500 دولار.
◾وبينما تحاول ندى توفير المبلغ اللازم للحصول على موافقة أمنية للعودة إلى مصر، فوجئت بالوسيط يخبرها عن توقف الموافقة السريعة، وأن البطيئة قد تتطلب وقتًا أطول للحصول عليها. مما زاد من قلقها، في وقت يتداول فيه وسطاء آخرون عبر مجموعات السوريين على مواقع التواصل الاجتماعي أخبارًا عن وقف إصدار الموافقات ومنع السوريين من غير حملة الإقامات من الدخول.
◾فيما ينتظر الشاب السوداني منذر وصول الموافقة الأمنية لزيارة أسرته، وآخرون مثل مصعب قرروا الدخول عبر الصحراء -بشكل غير شرعي- هربًا من كلفة الموافقة المادية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.