ميدل إيست مونيتور (Middle East Monitor)
ثورة نسيها أصحابها
لقد مرت أربعة عشر عاماً على أعظم ثورة في تاريخ مصر الحديث، ثورة 25 يناير، إلا أن ذكراها مرت دون أن يشعر بها أحد، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي. ومن المفهوم أن وسائل إعلام النظام لم تحتفل بها، فالنظام يكره ثورة يناير ويعارضها، ويلقي بكل رموزها ورموزها خلف القضبان ويحاكمهم. فكيف يحتفل بثورة يعتبرها مؤامرة ومخططاً؟
لقد تغلبت الحشود الغفيرة التي احتجت بشجاعة في ذلك اليوم ضد الظلم والاستبداد والفساد على أجيال من الخوف الموروث من الأنظمة الفاشية. ورغم مطالبتهم بالحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، فقد أعادهم النظام إلى حظيرة الخوف والقمع مرة أخرى.
في ظل هذا النظام الفاشي تدهورت الأوضاع إلى ما هو أبعد من عهد الرئيس حسني مبارك، فقد دفع قمع الحكومة للحريات ورفع الدعم عن السلع الأساسية المواطنين إلى الحرمان والفقر المستمر، مما جعل معاناتهم أسوأ من ذي قبل. ومع ذلك، لا يستطيع الناس الصراخ لأن هذه الصرخات تكلفهم غالياً، أو على الأقل يلقون بهم في أعماق السجون. لذا يفضلون بدلاً من ذلك الأمان والجلوس بين جدران منازلهم الباردة، ممسكين بأجهزتهم الذكية الصغيرة في أيديهم، والتنفيس عن حريتهم الضائعة وثورتهم المغتصبة. وامتلأت صفحات وسائل التواصل الاجتماعي بذكريات ثورة يناير كتوثيق حقيقي لها، وزينت الصفحات بصور الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم من أجل الحرية القصيرة العمر. ربما ضحوا بأرواحهم من أجل وطن لا يستحق هذه الحرية حتى مات الأحرار وعاش الجبناء. ولم يحتفل الشعب بثورته إلا على وسائل التواصل الاجتماعي.
لقد كانت ثورة 25 يناير بالفعل عملاً بطولياً إنسانياً رائعاً، حيث توحدت كل فئات المجتمع، بمختلف أطيافها السياسية وتوجهاتها الفكرية والعقائدية، تحت شعار انتمائها لمصر، مرددين: "الشعب يريد إسقاط النظام"، و"ارفع رأسك يا مصري"، و"عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية". هذه الشعارات هي التي هزت مصر في عام 2011، وامتدت تداعياتها إلى دول عربية أخرى، مثل ليبيا وسوريا واليمن.
لقد مرت أربعة عشر عاماً على الثورة المصرية التي أذهلت العالم بسلوكها الحضاري، واعتبرتها المعبر الثاني لمصر بعد حرب أكتوبر، وتحقق حلم المصريين الذي طالما حلموا به، فقد أسقطوا رئيساً ديكتاتورياً وحكومة فاسدة، ولكنهم لم يسقطوا النظام، وكان ذلك أعظم خطيئة ارتكبتها الثورة، وكان ذلك بمثابة منفذ أو باب عاد من خلاله النظام بعد تآمره مع القوى الإمبريالية والإقليمية التي خشيت أن تنتقل رياح الثورات إلى بلدانها وتطيح بعروشها، وأقصد هنا المملكة العربية السعودية ودولة المؤامرة الإسرائيلية، أي الإمارات العربية المتحدة، وهما حارسا دولة إسرائيل في المنطقة ومعقل الثورات المضادة، حيث يتم إدارة الثورات المضادة ضد الشعوب العربية والأمة الإسلامية ككل، وقد تمكنت هاتان الدولتان من تحويل حلم المصريين إلى كابوس مرعب، كما فعلتا مع الثورات العربية الأخرى، وإن اتخذت شكلاً مختلفاً في مصر. لقد أنفقت مئات المليارات من الدولارات للإطاحة برئيس منتخب ديمقراطيا في انتخابات حرة جرت لأول مرة ليس في تاريخ مصر فقط بل في تاريخ المنطقة العربية كلها والتي شهد العالم أجمع على نزاهتها، وحدث الانقلاب العسكري الذي تلقى بكل تأكيد الضوء الأخضر من الولايات المتحدة.
لم ترق الثورة المصرية للقادة الصهاينة، كما لم ترق للحكام العرب. فرغم أنهم أرادوا أن يظل الكيان الصهيوني الواحة الوحيدة للديمقراطية في المنطقة، إلا أنهم خافوا أيضاً من صحوة الشعوب العربية وثورتها على حكامها الذين يعملون كعملاء للكيان الصهيوني في المنطقة، وحراس لكيانهم المغتصب.
ولكننا لا نستطيع أن نعفي النخب، وخاصة تلك التي شاركت في ثورة 25 يناير ، وكانت رموزها، من التآمر على الثورة والتحالف مع أعداء الثورة لمجرد وصول خصمها السياسي إلى السلطة. لقد خانوا الديمقراطية التي زعموا أنهم يدافعون عنها، وسمحوا لأنفسهم بأن يكونوا الظهر الذي سيركبه العسكر في مساء 30 يونيو حتى يرتدي الانقلاب ثوباً مدنياً أمام العالم أجمع.
ولم تبدأ النخب الفاسدة في التحدث ضد النظام الفاشي إلا بعد أن خسرت مناصبها الموعودة في الحكومة التي ساهمت في تنصيبها. ورغم أنها كانت لاعباً رئيسياً في مشهد الثلاثين من يونيو/حزيران، فقد ظلت صامتة حتى وصل إليها قمع النظام في نهاية المطاف، وانتهى الأمر ببعضها في السجن. ومع ذلك، فإنها لا تزال عنيدة للغاية ومتكبرة للغاية بحيث لا تعترف بذنبها أو بالأحرى بجريمتها. إنها نخب انتهازية فاسدة كانت السبب في نكسة الثورة والسبب وراء ما نحن عليه الآن.
لقد مرت أربعة عشر عاماً منذ الثورة، وخلال هذه الأعوام توزع الثوار على فصائل وأحزاب، كل منها يسير في طريقه ويوجه الاتهامات للطرف الآخر، وانقسم الشعب المصري إلى فصائل وأحزاب، حتى داخل العائلات. وبعد الانقلاب، عندما أطلقوا أغنية "أنت شعب ونحن شعب"، أدركنا أنها كانت حقيقية، رغم أننا كنا قد أدانناها وقتها. فقد عبرت عن حقيقة خططوا لها جيداً وبخبث شديد، حيث قسموا الشعب المصري إلى فصائل، كل منها لها شهداؤها ومعتقلوها الذين دافعوا عنها، دون أن يبالوا بشهداء ومعتقلي الطرف الآخر. وبدلاً من ذلك، يشمتون في مصائب الآخرين، ويصبح من يشتركون معهم في الأرض والدين "الآخرين" للأسف. هذه هي اللغة التي أصبح المصريون يتحدثون بها.
هذه الخطة وضعها النظام بالفعل منذ نجاح الثورة وإسقاط مبارك ، ولكن تم تأجيلها حتى يتمكن من الانقضاض على الثورة وإجهاضها وتنفيذ انقلابه الذي خطط له منذ ذلك اليوم أيضاً. وفي العامين السابقين للانقلاب كان يذكي نار الفتنة ويزرع بذور الكراهية والحقد بين أبناء الوطن الواحد.
وبعد الإطاحة بمبارك مباشرة، قاموا بتقسيم الشباب في الميادين إلى عشرات التحالفات والأحزاب، وتدريبهم لمواجهة الإخوان المسلمين.
ويبقى السؤال: هل من الممكن في ظل هذا الاستقطاب الشديد والإقصاء وزرع بذور الكراهية في التراب المصري أن يعود الوئام بين أبناء الشعب المصري وأن تعود الوحدة بينهم مرة أخرى كما كانت في عام 2011؟ أم أننا سنستمر في حلقة مفرغة من الاتهامات المتبادلة والاتهامات المتبادلة بين الطرفين؟ وفي النهاية نستمر في البكاء على اللبن المسكوب ونجعل ذكرى ثورة 25 يناير مناسبة للبكاء والحزن.
لقد ساهم الجميع بشكل أو بآخر في الوضع الذي وصلت إليه مصر الآن، فقد كان الجميع يفتقرون إلى الرؤية، وما زالوا يفتقرون إليها حتى الآن، وكان غياب قائد الثورة سبباً في ذلك، وكان من نقاط ضعف الثورة. فالجميع يريد أن يكون الأب الوحيد للثورة، وهكذا ضاعت الثورة بين آبائها الشرعيين وغير الشرعيين الذين ظهروا فجأة بعد نجاحها، ويل للآباء غير الشرعيين ذوي الياقات البيضاء الذين أهدروا دماء الشهداء هباءً.
إن ثورة 25 يناير كانت بحق ثورة أمة ثارت على الظلم والطغيان، وهي هبة من الله، ولكننا للأسف لم نحافظ عليها ولم نحمها ولم نعتني بها كما ينبغي، فنستحق ما وصلنا إليه الآن.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.