كيف كانت رائحة المومياوات المصرية القديمة؟ دراسة تثبت أنها رائعة
من المفترض أن الآلهة المصرية القديمة كانت تعترض على الجثة ذات الرائحة الكريهة، وتمنعها من الاستمرار في حياتها بعد الموت. ولكن كيف غيرت التدخلات الحديثة رائحة المومياء؟
كيف كانت رائحة المومياوات القديمة؟ إذا قمت بحفر إحداها واستنشقتها، فهل تغيرت رائحتها على مر العصور، أم أن جهود الحفاظ عليها نجحت حقًا؟ هل تغلبت الرائحة الطبيعية للمومياوات أو تأثرت بها بطريقة ما بفعل المواد اللزجة في الهواء؟ يريد العقول المتسائلة أن تعرف ذلك - والآن يمكنهم ذلك، وذلك بفضل دراسة جديدة تتناول هذا السؤال بالذات.
الحقيقة هي أن العطور من المواد المسببة للحساسية القوية. فالروائح التي ننفق عليها مبالغ طائلة من المال تحتوي على جزيئات عضوية معقدة، بل وكميات كبيرة منها. والجزيئات العضوية غريبة عن جزيئاتنا العضوية، وبالتالي قد تؤدي إلى حدوث تفاعلات حساسية لدى الأشخاص الحساسين. ووفقاً لإحدى الدراسات، فإن ما يقرب من ثلث الأميركيين يجدون الروائح في كل شيء، بدءاً من صابون الغسيل وحتى كولونيا زملاء العمل، مزعجة. كما أظهر خمسهم حساسية جسدية .
ولكن العطور منتشرة في كل مكان، وإن لم تكن فعّالة بالضرورة، وربما لأن البديل أسوأ. فنحن نكره رائحة العرق الفاسد، ناهيك عن الفساد، ونفترض أن الآلهة تكره أيضاً رائحة التعفن. وكان الحفاظ على الإنسان مفتاحاً للانتقال الناجح إلى الحياة الآخرة، وكانت رائحته كذلك.
وعلى هذا فإن الإيمان بالحياة الآخرة قد يجعل رائحة الموتى الأعزاء بالغة الأهمية. وربما لم نعد نصدق هذه الأطروحة، ولكننا إلى يومنا هذا نشعر بالفضول لمعرفة كيف كانت رائحة المومياوات المصرية بعد تحنيطها ودفنها، وفي العالم الآخر. أو على الأقل، في أنوف علماء الآثار الذين عثروا عليها وحفروا تحتها.
تصوير: عمرو نبيل/أسوشيتد برس
لقد تم إجراء العديد من الأعمال لتحليل البلسم كيميائيًا، ولكن لم يكتف العلماء في أي منها باستنشاق رائحته فقط.
والآن، تكشف دراسة جديدة نشرت في مجلة الجمعية الكيميائية الأمريكية عن الرائحة الأصلية للمومياء، وذلك بعد مشروع تحليلي مشترك باستخدام الآلات والخياشيم من قبل باحثين من كلية لندن الجامعية، وجامعة ليوبليانا في سلوفينيا، والمتحف المصري في القاهرة.
تجدر الإشارة إلى أن أغلب الأبحاث التي أجريت على المومياوات المصرية كانت تدور حول تلك الموجودة في المجموعات الأوروبية، لأسباب لن نتطرق إليها هنا. ولكن العمل الجديد يستند إلى تسع مومياوات محفوظة في المتحف المصري بالقاهرة .
كان قدماء المصريين يعدون الموتى بإزالة (وتخزين) الأعضاء الداخلية، بما في ذلك المخ. ثم يقومون بتحنيط البقايا المتبقية بوفرة من المواد العطرية المصممة للحفاظ على اللحم. ومن المعروف أيضًا أنهم كانوا يربطون الروائح الطيبة بالألوهية والنقاء.
إذن، ما هي النتيجة المترتبة على كل هذه الرائحة؟
يبدو أن رائحة المومياوات تتراوح بين اللطيفة والممتعة، مع التركيز على الروائح "الخشبية" و"التوابل" و"الحلوة"، حسبما أفاد الفريق. وقد حددوا هذه الروائح بدقة.
وهذا يتوافق مع ما قد يتوقعه المرء بناءً على المواد التي نعرف أنهم استخدموها، بما في ذلك العسل ، والراتنجات من أشجار الصنوبر، والزيوت من خشب الأرز والعرعر، وصمغ الأشجار مثل اللبان والمر .
يقول المؤلف المشارك علي عبد الحليم، أستاذ ومدير المتحف المصري في القاهرة: "بالنسبة للمصريين القدماء، كان التحنيط ممارسة جنائزية مهمة تهدف إلى الحفاظ على الجسد والروح للحياة الآخرة من خلال طقوس مفصلة لتحنيط المتوفى باستخدام الزيوت والشمع والبلسم".
وأكد أيضًا في البيان أن عملية التحنيط تطورت بمرور الوقت، وأن القدرة على تحديد التقنيات والمواد المختلفة المستخدمة توفر رؤى حول العصر والموقع والوضع الاجتماعي والاقتصادي للأشخاص الذين يتم تحنيطهم .
ويضيف الفريق أن هذه كانت المرة الأولى التي يتم فيها تحديد كمية رائحة المومياوات بشكل منهجي. وتضمنت منهجيتهم المتعددة التخصصات "أنفًا" إلكترونيًا وتسعة أشخاص مدربين على الشم. وهذا مفيد بالطبع.
السجلات الشمية
إذا كنا نعرف المواد المستخدمة، ورائحتها، وما زلنا قادرين على اكتشافها وهي تنبعث من الجثة حتى بعد مرور ما يصل إلى 5000 عام - فكم سيكون هذا مفيدًا؟ بصرف النظر عن عامل البرودة، فإن الدراسة مفيدة من حيث أنها تساعد في التخلص من التأثيرات الغريبة المحتملة. مثل أعضاء الفريق الذين يرتدون مزيل العرق المعطر دون تفكير، والروائح المنبعثة من مواد الحفظ الحديثة، والمبيدات الحشرية التي تتصاعد من الحقول القريبة أو غداء زميل في العمل غير العضوي، وما إلى ذلك.
ويوضح الفريق أن "حالة الجثث المحنطة في المتاحف والمواقع الأثرية يمكن أن تختلف اعتمادًا على سياق الدفن، والطبقة الاجتماعية للجثث المحنطة، ونوعية عملية التحنيط، وممارسات ما بعد التنقيب، والموقع في مؤسسة تراثية".
في الواقع، تكمن المشكلة هنا: "نظرًا للعدد الكبير من الجثث المحنطة التي يتم التنقيب عنها في مصر وتخزينها لفترات طويلة، فإن معظم الجثث المحنطة في مجموعات المتاحف خضعت لشكل من أشكال المعالجة، والتي تنطوي عادةً على استخدام المبيدات الحشرية، أو إزالة غبار المقابر، أو الدمج. وأكدت الدراسات التي أجريت على مساحة رأس الجسم، أي المساحة المحيطة بالجسم، أنه يمكن اكتشاف المبيدات الحشرية المتطايرة، وخاصة في الأماكن المغلقة".
وبعبارة أخرى، كان من الممكن أن يؤدي كل ذلك إلى تغيير رائحة المومياء بشكل ملموس. ورغم ذلك، يضيف الفريق أن المتحف المصري في القاهرة بدأ مؤخراً في استخدام "زيت الآفات" ـ وهو مزيج من الزيوت الطبيعية ـ كطارد للحشرات. ولكنهم للأسف لم يذكروا ماذا.
وقد مكّن الجمع بين المنهجيات الفريق من تحديد ما إذا كانت الرائحة الجميلة تأتي من الجثة أو من إحداها على سبيل المثال، أو بعد كل هذا الجهد، تحديد التدهور الذي تعرضت له الجثة على مر القرون. لأنه مع كل الاحترام الواجب للعسل والزيوت والبتومين والتمنيات الطيبة، فإن هذا هو ما حدث.
يشير المؤلف الرئيسي البروفيسور ماتيجا سترليتش من جامعة لندن وجامعة ليوبليانا إلى أن فهم الروائح المعنية بشكل أفضل يمكن أن يساعد في جهود الحفاظ عليها: يمكن أن يكون اكتشاف الرائحة وتحليلها طريقة غير جراحية لتحليل البقايا القديمة.
وانتظروا ذلك. فبفضل المعلومات الجديدة (وما كنا نعرفه بالفعل)، قد تشتمل معارض علم المصريات القديمة في المستقبل على عروض خدش وشم. وبالطبع نسخ طبق الأصل. ويقترح الفريق أن هذا من شأنه أن يمكن الزوار من تجربة "هذا الجانب المهم من التراث المصري القديم، والتعامل مع ممارسات التحنيط والحفظ بطريقة جذابة".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.