الخميس، 20 فبراير 2025

من اجل الحرية

 

من اجل الحرية


- أي عملية إصلاح سياسي شاملة في (الجمهوريات) العربية لا بد أن تبدأ بمراجعة وضع الجيش في السلطة، وكيف يمكن عزل الجيش عن السياسة، وكيف يمكن وضع عوازل قوية في بنية الدولة ودستورها تمنع القادة العسكريين من القفز على السلطة تحت أي ذريعة أو مبرر، بدون حل هذه المشكلة ستظل الدول العربية دولا فاشلة وهشة وفاقدة للاستقلال، وفاقدة للاستقرار السياسي

- الدول صاحبة النفوذ السياسي أو المالي، عالميا أو إقليميا، تفضل التعامل مع نظام عسكري ديكتاتوري على النظام الديمقراطي، لأن حكم العسكر بالنسبة لها سهل وقليل التكلفة، الخارج يراعي فقط مصلحة شخص واحد أو مصالح حفنة صغيرة من العسكريين، بينما في الديمقراطية هو يتعامل مع مصالح شعب بكامله ودولة بكاملها، وهو أمر أكثر تعقيدا وأكثر كلفة بالنسبة لها، لذلك عندما تواجه أي عملية إصلاح سياسي ديكتاتورية عسكرية فعليها أن تضع تلك الرؤية في حساباتها، فهي لا تواجه الديكتاتور العسكري المحلي وحده

- الانقلابات العسكرية في أي زمان وأي مكان، وبعيدا عن أي تفاصيل ، هي عملية سطو مسلح على السلطة والثروة ، ولذلك أول ما تقوم به هو تدمير المؤسسات الرقابية، أو إخضاعها أو السيطرة عليها من خلال رجالها، وتركيع القضاء ، لأنهم يدركون أن ما هم مقبلون على فعله في البلاد والعباد لا يخضع لقانون ولا أخلاق ولا شفافية، العسكري يعرف أنه انتزع السلطة بصندوق الذخيرة وليس بإرادة الشعب ، وهو يتصرف وفق ذلك.

والمشكلة الجوهرية في حكم العسكر ليس فقط موت السياسة ، بل موت الدولة نفسها ، كمؤسسات وأجهزة ، كل شيء يدار بالأمر المباشر ، وبالخوف ، القضاء والنيابة والرقابة والبرلمان والأحزاب والصحافة ورجال الدين والوزارات، الجميع خاضع للقيادة العسكرية ولا يملك قراره ، لأن الجميع يعرف أن تكلفة الاستقلال خطيرة للغاية ، عزلا أو سجنا أو تشهيرا أو اغتيالا.

لذلك، من أولويات أي عملية إصلاح سياسي هي إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتطهيرها، وتحصينها، وحمايتها، وفي مقدمتها مؤسسة العدالة، القضاء، فاستقرار الدول لا يتعلق فقط بقوة الأشخاص، وإنما بقوة المؤسسات وضمان استقلالها في الدرجة الأولى والأهم، وسواء على مستوى الفكر والتنظير، أو النضال السياسي، أو الممارسة لإدارة الدولة، لا بد أن تكون هذه النقطة أولوية قصوى لأي جهد إصلاحي.

- الملاحظ على مدار ثلاثة أرباع القرن ـ 75 عاما ـ أن الانقلابات العسكرية كلها كانت تنجح في النظم "الجمهورية" فقط، وآخر انقلاب عسكري في نظام ملكي كان انقلاب القذافي على ملك ليبيا عام 1969 بمساعدة أمريكية، بعدها لم يحدث أساسا أي محاولة انقلاب في نظام مشيخي أو ملكي، لماذا؟ وكيف أمكن للنظم الملكية والمشيخية السيطرة على الجيوش ؟ .

من المفيد للقوى السياسية والمدنية في النظم الجمهورية العربية دراسة بنية النظم الملكية والمشيخية العربية، لفهم آليات وأدوات السيطرة على الجيوش، ومنع أي محاولة للانقلاب العسكري.

- تصدير "الأيديولوجيا" والانحيازات العقائدية في أي مشروع للإصلاح السياسي وجعلها معيار السلوك السياسي والحاكم فيه، هي الوصفة السحرية للفشل، لأنها طريق الانقسام والتشظي، الإصلاح السياسي يحتاج إلى أدوات سياسية، وأفكار سياسية، وقواعد سياسية، تبحث عن القواسم المشتركة، والمصالح المشتركة، وتتعايش مع التنوع والتعددية السياسية والفكرية، وتقبل بقواعد الصراع السياسي السلمي بعيدا عن الإقصاء أو التفكير أو التخوين واستسهال الاتهامات .

الانقسامات الأيديولوجية الحادة والفرز السياسي على أساسها تخدم الديكتاتوريات، وتاريخيا تمثل تمهيدا نموذجيا للانقلابات العسكرية ـ تجربة مصر وتركيا ـ والكل فيها خاسر، الرابح الوحيد هم العسكر الذين يتقدمون بوصفهم منقذي الوطن من الفوضى والانقسام، الجبهات السياسية القوية والانفتاح السياسي الذكي والتنسيق المخلص والتنازلات المتبادلة، يجعل الكل رابحا، ويضيق الطريق على العسكر، ويقرب البلاد من النهوض

- مشكلة التيارات الإسلامية في مصر ـ وفي العالم العربي والإسلامي إلا قليلا ـ أنها بلا مشروع سياسي حقيقي، وبلا خبرات سياسية كاملة وناضجة ، جماعات وظيفية، تدير طاقات بشرية ضخمة من أجل الوجود وحفظ حصة من الحياة العامة، ربما تملك بعض الأفكار الإصلاحية أو المشروعات، لكنها لا تملك ـ رغم الادعاءات ـ مشروعا سياسيا شاملا بديلا فعليا، سواء لإدارة صراع سياسي كفؤ وناجح ومثمر وتراكمي وفعال مع السلطة، أو لقيادة الدولة نفسها، لذلك كان من السهل استنزافها لسنوات وعقود طويلة في معارك سياسية أو أمنية هامشية بلا أي طائل سياسي حقيقي، وبلا أي إنجازات تراكمية ولو صغيرة، رغم التضحيات الكبيرة التي تقدمها في تلك اللعبة.

- المعارضة المدنية في مصر ما زالت تعاني من التهميش الشعبي، وضعف الحضور الجماهيري، بسبب كسلها ونخبويتها وتعاليها على المجتمع، وتتصرف كنوادٍ ثقافية أو منصات حقوقية أو مجرد صحف ، ودون التقليل من دور النوادي والمنصات والصحف، إلا أن العمل السياسي مختلف جذريا، لأنه يبحث عن التلاحم مع الشعب، والعمل بين الشعب، وكسب رضا الشعب، وخفض الجناح للشعب، ويبحث عن المصالحات والحلول الوسط مع رفقاء النضال من أجل الإصلاح، ويبحث عن التوفيق بين الاختلافات والعمل على الحصول على دعم الشعب لكي يصل لسلطة تتيح له تحقيق إصلاحاته، لا يمكن أن تعادي الشعب أو تحتقره أو تسخر منه أو تقلل من شأنه أو تتعالى عليه، ثم تطمع أن تصل إلى السلطة أو الإصلاح عن طريقه ، مستحيل

- التجربة السياسية الحديثة في مصر على مدار أكثر من قرن، أكدت أن الشعب المصري بطبيعته يميل للوسطية والاعتدال، وينفر من المبالغة والغلو والتطرف والتشدد والنزق في السلوك السياسي، وهي قاعدة سرت على الإسلاميين وعلى اليسار وعلى الليبراليين وكل من اشتغل في السياسة أو الفكر أو الدين في هذا البلد، من احترمها نجح، ومن تجاهلها فشل، وأي جهد سياسي للإصلاح السلمي يعتمد على دعم الشعب وتحفيزه، لا بد له من صياغة خطاب سياسي يراعي هذه الخصيصة، ويكون بعيدا عن التطرف والغلو ـ أيا كانت ايديولوجيته ـ وأقرب للوسطية والاعتدال، وأقرب لاحترام ثقافة المجتمع وحساسياته القيمية والدينية والاجتماعية، وأكثر اقترابا من تفاصيل هموم الناس واحتياجاتهم الحياتية، وأقل إيغالا في الخطاب النخبوي المتعالي أو الاستعراضي

- أثبتت التجارب بوضوح كاف، أن الديمقراطية لا تولد بمجرد صندوق انتخاب، إلا في بلد ترسخت فيها ثقافة الديمقراطية ومؤسساتها جيلا وراء جيل حتى أصبحت نمط حياتها المعتاد ، تصور أن الديمقراطية تولد بمجرد وجود صندوق انتخاب تسبب في فشل كثير من التجارب الديمقراطية الوليدة والغضة في العالم الثالث، خاصة في المراحل الانتقالية من حكم الديكتاتوريات العسكرية الطويل إلى الديمقراطية، لأنها لم تستوعب أن الديمقراطية بالأساس توازن قوى على الأرض وثقافة شعب ومؤسسات تحتاج إلى وقت للرسوخ والأمان وتطهير الدولة ومؤسساتها من ثقافة وعناصر الديكتاتورية، وتحتاج إلى توافق وطني على قواعد مشتركة في بدايات التجربة، وترسيخ قيم احترام الدستور، والخضوع للقانون، وضمان الفصل بين السلطات، وضمان استقلال المؤسسات وأولها القضاء، وحماية الأقليات، والحفاظ على السلام الاجتماعي، وبناء دولة المؤسسات وليست دولة الفرد، الاستعجال والقفز على المراحل يضيع فرصة الشعوب للانتقال إلى الديمقراطية، وأي جهد للإصلاح السياسي مستقبلا يستوجب مراعاة هذه الخبرات التي دفعنا فيها ثمنا غاليا

- جميع التجارب الديمقراطية الوليدة التي خسرها العالم الثالث، كان القضاء هو الثعبان الذي استخدم لتسميمها وإسقاطها، لا يوجد ديكتاتور عسكري أتى إلا وفي ركابه قضاء فاسد وقضاة خربو الذمة والضمير، ساندوه وشرعوا له استبداده وقمعوا له خصومه، وساهموا بقوة في هدم مؤسسات الدولة، لذلك أي عملية إصلاح سياسي في أي دولة عربية لا بد أن يكون في صدر أولوياتها تطهير القضاء تطهيرا جذريا، وإعادة بناء مؤسسة العدالة بما يضمن شفافية الاختيار فيها ، وحصانتها الحقيقية كسلطة مستقلة وذات قرار سيادي، بدون ذلك ستظل الثغرة الخطيرة قائمة لإحباط أي محاولة إصلاح سياسي مهما بذل فيها من جهود ومهما قدمت من تضحيات

- السياسة صراع الذئاب ، ولا يوجد نظام سياسي ديكتاتوري يقبل بالحوار مع معارضيه إلا تحت ضغط أو بوجود توازن قوى في المجتمع وبروز أنياب لمعارضيه، يعمل لها حسابا ، بدون ذلك فأي دعوة للحوار فهي مضيعة وقت أو تسالي إذا صدرت من المعارضة السياسية، أو هي دعوة خداع لتحقيق أغراض مؤقتة أو تجميلية والتفافية إذا صدرت من النظام ، لا يمكن تصور الذئب يدعو الحملان للتحاور والتشاور معه فيما يمكن أن يفعله فيهم، فعلى جميع القوى السياسية الجادة في أي مجتمع أن تبحث أولا عن أدوات القوة والضغط التي يمكن أن تمتلكها لتجبر الديكتاتورية العسكرية على التفاوض أو الحوار أو توسيع هامش الحركة السياسية في المجتمع، الهدف الجاد يحتاج إلى جهد عملي جاد

جمال سلطان

رئيس تحرير صحيفة المصريون

منصة اكس

https://x.com/GamalSultan1/status/1892243603860152597

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.