صحيفة نيويورك تايمز
زيارة لنادي نيوم، النادي السعودي الجديد الذي أقيم ليحكم كل شيء قبل كأس العالم 2034
في المملكة العربية السعودية، هناك العديد من المشاريع، معظمها طموحة، وكثير منها يهدف إلى زعزعة الوضع القائم.
أحد هذه المشاريع هو نادي نيوم الرياضي (NEOM SC)، وهو نادٍ لكرة القدم مملوك لصندوق الاستثمارات العامة — وهو نفس صندوق الثروة السيادي الذي يملك نادي نيوكاسل يونايتد الإنجليزي — ويتم تسريع وتيرة تطويره ليصبح واحدًا من أكبر أندية العالم.
هدفهم الطموح هو الوصول إلى كأس العالم للأندية خلال خمس سنوات، ثم أن يصبح الفريق وملعبه — الذي سيتم بناؤه في مشروع “ذا لاين” المثير للجدل — من أبرز معالم المملكة عندما تستضيف كأس العالم عام 2034.
في هذا المقتطف من كتاب Engulfed: How Saudi Arabia Bought Sport, and the World، الذي يستعرض الطموح، والصراعات العائلية، والثروة الهائلة، والسلطة، والقتل، والتضليل المرتبط باستخدام السعودية للرياضة كأداة جيوسياسية، زار جيمس مونتاغ مدينة تبوك النائية ليكتشف المزيد عن هذا النادي السري حتى الآن.
تبوك، المملكة العربية السعودية
لم يبدأ تدفق الجماهير إلى استاد مدينة الملك خالد الرياضية إلا في وقت متأخر من بعد الظهر، حين طالت الظلال بما يكفي لتخفيف حدة حرّ أغسطس المجنون.
قبلها بساعة، كانت ساحة الانتظار والممرات في هذا الاستاد القديم والمحبب، المحاط بالصحراء على أطراف تبوك — وهي مدينة يبلغ عدد سكانها أكثر من نصف مليون نسمة وتقع شمال غرب المملكة قرب الحدود الأردنية — خالية تمامًا.
ثم بدأت الحياة تدب. أكشاك طعام الشارع، ومقاهي مؤقتة، وأكشاك بيع تذكارات وألعاب. آباء يرتدون الثياب البيضاء ينتظرون بينما يتم رسم وجوه بناتهم. نساء بعبايات سوداء ونقاب يعملن كمتطوعات، يوجهن الجماهير نحو التفتيش الأمني الصارم عند مداخل الملعب. مجموعات من المراهقين المتحمسين ينتظرون دورهم للعب FIFA على شاشات ضخمة. كانت ليلة ثلاثاء، لكنها بدت كأنها مهرجان موسيقي صغير أكثر من كونها استعدادًا لمباراة كرة قدم.
المباراة ضد نادي الجندل كانت بيعت بالكامل بسعة 10,000 متفرج — وهو شيء لم يحدث من قبل، جزئيًا لأن جماهير “الصقور”، النادي السابق، لم يكن لديها ما تتحمس له طوال عقود. فهذه المباراة كانت في دوري الدرجة الأولى السعودي، الدرجة الثانية في البلاد. “الصقور”، الذي تأسس عام 1965، قضى معظم تاريخه في التنقل بين الدرجة الثالثة والرابعة، ولم يسبق له اللعب في الدوري الممتاز.
لكن لم يعد اسمه “الصقور”، ولم يعد يرتدي ألوانه الذهبية والسوداء والبيضاء. أصبح الآن يُعرف باسم نادي نيوم الرياضي (NEOM SC)، نسبةً إلى ملاكه الجدد، مشروع العقارات العملاق البالغة قيمته 1.5 تريليون دولار، والذي يُبنى بسرية شبه تامة في الطريق القريب من تبوك.
نيوم: مشروع طموح… أو غرور جامح؟
نيوم مملوكة بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة، وأُعلن عنها لأول مرة عام 2017 من قبل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان (MBS)، كمجموعة من التطورات المستقبلية عالية التقنية تغطي 27,000 كيلومتر مربع في منطقة تبوك على ساحل البحر الأحمر غير المُطوَّر. وُصفت بأنها أرض “بِكر” لتأسيس مدينة المستقبل.
في قلب المشروع تقع “ذا لاين”، مدينة ذكية بطول 170 كيلومتر، تُبنى — حرفياً — على شكل خط مستقيم. يراقب الذكاء الاصطناعي كل شيء ويستخدم البيانات لتوقع وتلبية احتياجات سكانها المفترضين الذين يبلغ عددهم 9 ملايين.
لن تكون هناك طرق أو عملات تقليدية، وسيعمل فيها خدم آليون وسيارات طائرة. وقد وصفها محمد بن سلمان بأنها “ثورة حضارية تضع الإنسان أولاً”. وكان المشروع بالكامل جزءًا أساسيًا من رؤية التغيير الاقتصادي والاجتماعي للمملكة، وأحد ركائز ملف استضافة كأس العالم 2034 — التي ستُقر من قبل الفيفا قريبًا.
وقد ذكر ملف الاستضافة أن أحد الملاعب سيكون في نيوم، مبنيًا على قمة “ذا لاين” على ارتفاع نصف كيلومتر — أي أعلى من مبنى “إمباير ستيت” — بتصميم مستقبلي مغطى بقشور هندسية متوهجة باللون الأزرق النيون.
ولادة فريق عالمي من العدم
لكي تكون نيوم مدينة عالمية ذات ملعب عالمي، فهي بحاجة إلى نادٍ عالمي. والطريقة الأسرع لتحقيق ذلك لم تكن بإنشاء نادٍ من الصفر، بل بشراء نادٍ قائم بالفعل — بشرط ألا يكون كبيرًا لدرجة أن يُغضب جماهيره، ولا صغيرًا جدًا لدرجة أن يصعب صعوده إلى القمة. وقد وقع الاختيار على “الصقور” في تبوك، وتم شراؤه في صيف 2023 وتحويله بالكامل.
تم تغيير الشعار القديم — صورة صقر — إلى شعار نيوم المؤسسي، وتم توزيع الأعلام الزرقاء والأوشحة الجديدة للجماهير. ولم يكن الأمر مقتصرًا على كرة القدم، إذ لدى نيوم قسم رياضي كامل يستثمر في الفورمولا إي وكريكت الدوري الهندي وغيرهما. الرياضة، بحسب الكتيب المؤسسي، عنصر أساسي في الترويج لعلامة نيوم.
قال “فارس”، أحد لاعبي شباب الصقور السابقين (18 عامًا): “أنا الآن مشجع. تركت اللعب لأنني أصبحت سمينًا. هذا أفضل شيء يمكنني فعله من أجل الفريق. سنحدث ضجيجًا خطيرًا اليوم… وسنفوز!”
من السرية إلى البذخ
كان الوصول إلى معلومات عن نيوم — سواء المشروع أو الفريق — أمراً صعباً. الموقع غير متاح للزيارة، ولا يوجد رقم هاتف أو وسيلة تواصل على موقع النادي. فقرر الصحفي الحضور بنفسه. بعد قليل، اقتاده أحد المسؤولين إلى مصعد، ليجد نفسه في “غرفة كبار الزوار جداً” حيث يُقدم الطعام الفاخر والقهوة العربية.
حضر نائب أمير تبوك، ومدير رياضي من نادي أولمبياكوس، وضيوف من نوتنغهام فورست. كان هناك معاذ الأهلي، الرئيس التنفيذي الجديد للنادي، المعروف سابقاً بتوقيعه مع ستيفن جيرارد لنادي الاتفاق. وكان برفقته رئيس النادي مشاري المطيري، المدير التنفيذي للشؤون الحكومية في نيوم.
قال المطيري: “هذه ثورة يقودها سمو ولي العهد. نريد أن نغرس حمضًا نوويًا جديدًا للنادي. الرياضة تسارع في كل شيء. تخيل برشلونة قبل وبعد أولمبياد 1992… الرياضة تملأ الفراغات”.
وأضاف أن اللاعبين لم يجذبهم المال فقط، بل المشروع نفسه: “ما جذبهم هو نيوم، نيوم كمشروع”.
خطة العشر سنوات
الهدف هو بناء أحد أكبر أندية العالم من العدم. المرحلة الأولى تبدأ في تبوك، ومن ثم الانتقال إلى “ذا لاين” في غضون عقد. يجب الترقية هذا العام إلى الدوري الممتاز، يليها بطولات محلية وقارية.
عندما سُئل المطيري أين يرى النادي بعد خمس سنوات، أجاب: “كأس العالم للأندية. نحن لا نؤمن بكلمة مستحيل. كل شيء ممكن. نعمل بضعف الجهد وسنصل”.
النتيجة: فوز كاسح 4-0
بدأت المباراة، وغنت “وحدة نيوم” — مجموعة المشجعين — لأكثر من ساعة. حتى رجال الأمن شاركوا في الغناء. سجل الفريق أربعة أهداف، اثنان منها بواسطة رومارينيو، نجم الدوري الموسم الماضي.
الخاتمة: على أرض ليست بِكراً
قال معاذ الأهلي: “من الواضح في استراتيجيتنا أننا سنكون هناك خلال 10 سنوات، كحد أقصى”، في إشارة إلى انتقال النادي إلى ملعب كأس العالم على قمة ذا لاين.
لكن المشكلة، كما يختتم مونتاغ، أن “ذا لاين” قد لا تُبنى فعلاً على “أرض بكر” كما تُروج الرواية الرسمية — بل على أراضٍ أُجليَ سكانها قسرًا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.