بلومبيرغ
السعودية تلعب بورقة ترامب في الرقصة الأمريكية الصينية
قد يُنظر إلى لقاء عام 1945 بين الرئيس الأميركي فرانكلين د. روزفلت والملك عبدالعزيز آل سعود على أنه مادة تهم فقط المهتمين بالتاريخ الحديث. لكن هذا الأسبوع، عادت صور ذلك اللقاء الحاسم بين قادة السعودية والولايات المتحدة إلى التداول في وسائل الإعلام ومواقع التواصل، بالتزامن مع زيارة الرئيس دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط.
وعلى الرغم من أن جولة ترامب – التي تُعد أول زيارة خارجية رئيسية له منذ عودته إلى الرئاسة – كانت مهمة، إلا أن مقارنتها بلقاء روزفلت وابن سعود على متن المدمرة الأميركية يو إس إس كوينسي، الذي مهد لتحالف يقوم على توفير الحماية الأميركية مقابل النفط السعودي، قد تكون مبالغة. لكن الرياض، إلى جانب دول أخرى في المنطقة، حرصت على إبراز زيارة ترامب كحدث تاريخي. ويأتي ذلك ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى التوازن بين الولايات المتحدة والصين.
ففي عهد الرئيس جو بايدن، توترت العلاقات بين واشنطن والرياض، مما فتح الباب أمام الصين لتوسيع نفوذها في الشرق الأوسط، كما أشار هذا التقرير في أعوام 2022 و2023. فالصين تُعد مستثمرًا رئيسيًا وزبونًا أساسيًا للسعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. لكن هذه الدول في النهاية تريد الحفاظ على شراكة قوية مع كلا القوتين الاقتصادية والعسكرية.
ووفقًا لـ دينا إسفندياري وزياد داوود من بلومبرغ إيكونوميكس: “ما نراه هو توازن، وهو أمر يجيده الخليجيون. سياسيًا وأمنيًا، يفضلون الولايات المتحدة باعتبارها شريكًا رئيسيًا. لكن شريكهم التجاري الأول هو الصين. لا يمكنهم خسارة أي منهما، لذا سيلعبون على الحبلين”.
بدأت زيارة ترامب يوم الثلاثاء بمراسم استقبال دقيقة، حيث استقبله ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، البالغ من العمر 39 عامًا، في المطار وجلس معه لتناول القهوة التقليدية – رغم أن الرئيس البالغ من العمر 78 عامًا لا يشربها. ويُعرف الأمير محمد، حفيد الملك عبدالعزيز، بأنه الوريث المنتظر للعرش. ومن أبرز لحظات الزيارة، أنه قاد ترامب بنفسه في عربة غولف لزيارة موقع الدرعية، المصنف ضمن التراث العالمي من قبل اليونسكو، والذي بات يضم فنادق فاخرة وفلل سياحية.
عرضت تلك الجولة جانبًا من رؤية الأمير محمد الطموحة لتنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط، ضمن خطة “رؤية 2030”. وتشمل هذه الخطة السياحة، التكنولوجيا، والترفيه.
في الواقع، كانت مشاريع بن سلمان التحولية ضخمة لدرجة أن السعودية باتت مستوردة صافية لرؤوس الأموال. فالصرف على مشاريع المدن المستقبلية، والرياضة، والترفيه، تسبب في زيادة الاستيراد والحاجة إلى الاقتراض. ويقدّر داوود وإسفندياري أن السعودية تحتاج إلى سعر نفط يبلغ 82 دولارًا للبرميل لتغطية نفقاتها، في حين يبلغ سعر خام برنت حاليًا نحو 65 دولارًا.
ليس واضحًا ما إذا كان ترامب – الذي ضغط على ولي العهد هذا الأسبوع لزيادة الاستثمارات السعودية في أمريكا إلى تريليون دولار بدلًا من 600 مليار – يدرك أن مضيفه يدير دولة تعاني من عجزين: في الحساب الجاري والموازنة الحكومية. كما أن مصير الكثير من التعهدات التي حصل عليها ترامب، بما في ذلك 142 مليار دولار في صفقات دفاعية، لا يزال مجهولًا.
ومن وجهة نظر الرياض، فإن الاستثمارات الأميركية يمكن أن تكمل علاقاتها الاقتصادية مع الصين. وضم الوفد الأميركي الزائر هذا الأسبوع حلفاء بارزين لترامب مثل الملياردير إيلون ماسك، والرئيس التنفيذي لشركة بلاك روك لاري فينك، والرئيس التنفيذي لشركة أمازون آندي جاسي، وجنسن هوانغ من شركة نفيديا.
وقد حصلت السعودية على تعهد من ترامب بالموافقة على تصدير أحدث معالجات نفيديا إلى شركة “هيومان” الحكومية السعودية، التي تقود جهود المملكة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. كما تخطط شركة Global AI الأميركية للتعاون مع “هيومان” في صفقة يتوقع أن تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، بحسب تقرير نشرته بلومبرغ هذا الأسبوع.
قالت إسفندياري، مسؤولة شؤون الاقتصاد الجيوسياسي في الشرق الأوسط لدى بلومبرغ، وداوود، كبير خبراء الأسواق الناشئة، إن “زيارة ترامب ضرورية لتأكيد أن السعودية منفتحة على الأعمال، وأنها لا تزال شريكًا قريبًا من الولايات المتحدة – وهو وضع تآكل في عهد إدارة بايدن، ولا تزال جهات في الحكومة الأميركية تشكك فيه”.
وفي الوقت ذاته، تقوم الصين بتحركاتها الخاصة في مجال الذكاء الاصطناعي داخل السعودية. فقد افتتحت شركة صينية ناشئة أول عيادة في العالم تستخدم الذكاء الاصطناعي لتشخيص المرضى، في منطقة الأحساء شرق السعودية، حيث يُدلي المرضى بأعراضهم عبر جهاز لوحي لطبيب افتراضي يُدعى “الدكتور هوا”.
إن العلاقات المتنامية بين الشركات الصينية وتلك الخليجية تثير قلق بعض الجهات المتشددة في واشنطن تجاه الصين، في ظل هذا التنافس الجيوسياسي المعقّد.
واختتم داوود وإسفندياري بالقول: “ستواصل الولايات المتحدة محاولاتها لانتزاع الخليج من الصين. أحيانًا ستنجح، وأحيانًا لا. لكن دول الخليج ستفعل كل ما بوسعها لتبدو كأنها تلعب على الطرفين”. أما هذا الأسبوع، “فكان هدف السعوديين هو كسب ود ترامب – وقد نجحوا في ذلك”.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.