تأميم المجال الديني في مصر!
- يوم الأحد الماضى، أقر البرلمان المصري مشروع قانون تنظيم الفتوى الشرعية بعد جدل كبير بين الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف.
- الجدل ده تمركز بالأساس حول رفض الأزهر في البداية إن يكون للجان وزارة الأوقاف صلاحية الفتوى، الي الأزهر كان شايف ضرورة قصرها على لجان الفتوى التابعة للأزهر الشريف وهيئة كبار علماء الأزهر.
- الجدل ده يبدو إنه نزاع سلطة تقليدي بين مؤسستين الأزهر والأوقاف، لكنه في الحقيقة أكبر من ذلك، لأنه بيعبر عن محاولة هيمنة النظام الحاكم في مصر على المجال الديني في مواجهة استقلال مؤسسة الأزهر الشريف.
**
نقل السلطة من الأزهر إلى الأوقاف
- المحاولة دي بدأت سنة 2020 مع طرح مشروع قانون ينقل تبعية دار الإفتاء المصرية من الأزهر الشريف إلى وزارة الأوقاف، والفرق ببساطة إن الأزهر الشريف مؤسسة مستقلة، ورئيسها الي هو الإمام الأكبر منصبه محصن من العزل دستوريا، وهيئة كبار العلماء فيها تختار المفتي بالتصويت بدون خضوع لموظفين معينين من الدولة.
- الأوقاف ليست كذلك، الأوقاف دي مؤسسة حكومية، السلطة السياسية هي الي بتعين الوزير الي بيقودها وبتعين كل موظفيها بما في ذلك أئمة المساجد العاملين فيها، الي هما موظفين حكوميين.
- في الوقت ده، تصدى الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب لمشروع القانون، وأرسل خطاب برفضه للبرلمان طلب فيه حضوره بنفسه للبرلمان لشرح الأمر للنواب، مما دفع الحكومة لسحب مقترحها في هذا الوقت أمام رفض الأزهر.
- بعد تولي الدكتور أسامة الأزهري وزارة الأوقاف، وفي ظل رئاسة الدكتور علي جمعة للجنة الشئون الدينية في مجلس النواب، من الواضح إن النظام لقى عنده فرصة جيدة لخوض المواجهة من جديد مع الأزهر، ولكن المرة دي من خلال فكرة لجان الفتوى التابعة للأوقاف.
- الأوقاف حاولت تنتزع لنفسها الحق في إصدار فتاوى شرعية بمعزل عن الأزهر من خلال النص في المادة الرابعة من القانون على إن يكون للجان الفتوى التابعة للأوقاف الحق في إصدار الفتاوى الدينية بجانب هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف ومجمع البحوث الإسلامية ودار الإفتاء المصرية.
- في البداية، وكيل الأزهر الشريف محمد الضويني نقل رفض الأزهر الشريف المطلق منح لجان الأوقاف الحق في الفتوى، لكن من الواضح إن الأزهر قرر في النهاية الرضوخ للضغط، والسماح للجان الفتوى التابعة للأوقاف بممارسة الفتوى، مع احتفاظ هيئة كبار العلماء بحق وضع شروط الترشح للجان الأوقاف.
**
وضع غريب
- القانون الجديد كمان بيخلق وضع غريب جدا، لأنه لا يسمح بالفتوى الدينية لأساتذة الفقه المقارن في جامعة الأزهر أو غيرهم من المؤهلين إلا من خلال الانضمام للجان الفتوى التابعة للأوقاف.
- ده النقد الي قدمته دكتورة زينب أبو الفضل أستاذة الفقه في كلية الآداب جامعة طنطا، والي أشارت إلى إن أساتذة الفقه الي بيدرسوا لأئمة الأوقاف أنفسهم هيكونوا ممنوعين من الفتوى الدينية في حين إن الحق في الفتوى ممنوح لطلابهم.
- كان الطبيعي في حال إصدار قانون زي ده، إيجاد مسار لإصدار تصاريح أو تراخيص الإفتاء لمن لديه المؤهلات لذلك بدون اشتراط الانضمام لمؤسسة معينة أو موقع وظيفي معين، ده لو المقصود فعلا هو تنظيم المجال الديني، وليس سيطرة الدولة عليه.
**
المهم نحبس الصحفيين
- مشكلات القانون الحالي وغرائبه لا تقف عند هذه الحدود، وإنما تتضمن كمان عوار دستوري خطير يتمثل في المادة الثامنة من القانون.
- المادة السابعة في القانون بتحظر على المؤسسات الإعلامية وحسابات التواصل الاجتماعي نشر أو بث فتاوى صادرة عن غير المختصين، فضلا عن استضافة أشخاص للفتوى الدينية في البرامج من غير المختصين وفقا للقانون.
- المادة الثامنة بتنص على معاقبة من يخالف ذلك بالحبس لمدة لا تزيد على ستة أشهر، وغرامة خمسين ألف جنيه أو أحد هاتين العقوبتين.
- المادة دي بتناقض المادة 71 من الدستور واللي بتنص على عدم توقيع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب عن طريق النشر والعلانية.
- ورغم طلب النائبة أمير العادلي تعديل المادة لحذف عقوبة الحبس، ورغم اعتراض كذلك النائب عاطف المغاوري من حزب التجمع، ورغم خطاب نقيب الصحفيين الي طلب فيه تعديل هذه المادة، تمسكت الحكومة بمقترحها اللي مرره البرلمان مع تأكيد معتاد من وزير الشئون النيابية محمود فوزي إن لا عوار دستوري في هذه المادة.
**
هل ينفع ذلك شيئا؟
- قانون جديد من بين عشرات القوانين المليئة بالعوار الدستوري والتنظيمي يضاف إلى سجلات الحكومة في مسعاها لتأميم المجال العام وغلقه والسيطرة عليه، وليس إلى تنظيمه.
- لكن هل القانون ده هينفع بشيء، ولا في الحقيقة هيضاعف انعدام الثقة الموجود لدى كثير من المواطنين بالفعل زي ما بنلاحظ بوضوح، تجاه جهات الفتوى الرسمية، باعتبارها جهات مسيسة وغير نزيهة وتتوسل رضا السلطة وليس البحث عن الحقيقة الدينية؟
- الحقيقة اللي شفناه من سعي النظام إلى مزيد من الهيمنة وغلق المجال العام هو مزيد من الصراعات الاجتماعية والتفكك وليس مزيدا من التماسك واللحمة الوطنية، وده الي بيخلينا نتمنى إن الأزهر الشريف ولجنة الشئون الدينية في البرلمان ووزارة الأوقاف يعملوا سريعا على تعديل القانون ده، وتجاوز المشكلات اللي موجودة فيه.
**
#الموقف_المصري

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.