الثلاثاء، 19 أغسطس 2025

إحباط شباب مصر... الضغوط الاقتصادية تقلص نمو السكان

 

الرابط

العربي الجديد

إحباط شباب مصر... الضغوط الاقتصادية تقلص نمو السكان

احتفت الحكومة المصرية بتراجع النمو السكاني بنسب كبيرة حسب خططها المعلنة، وفي المقابل أكد مختصون أن الضغوط الاقتصادية وإحباط الشباب وراء هذا التراجع. أعلن نائب رئيس الوزراء، وزير الصحة والسكان المصري خالد عبد الغفار، أول من أمس، عن تحقيق انخفاض ملحوظ في المتوسط اليومي لأعداد المواليد التي تراجعت بمعدل 220 مولوداً يومياً من 5385 إلى 5165 مولوداً، معتبراً أنه "إنجاز يحسب لجهود الوزارة المستمرة بشأن تنفيذ الاستراتيجية القومية للسكان، الهادفة إلى التحكم في معدلات الزيادة السكانية، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة".
وفي المقابل، يربط مراقبون بين تراجع الزواج والإنجاب في مصر واتفاق الحكومة مع صندوق النقد الدولي على تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي وما رافقه من قرارات تعويم الجنيه خمس مرات منذ عام 2016، وتحرير أسعار بيع الوقود والطاقة، وفرض المزيد من الضرائب والرسوم، الأمر الذي نتج عنه عزوف عن الزواج وارتفاع في الطلاق من جراء الخلافات الأسرية الناجمة عن الغلاء. من جهته، قال المحاسب في إحدى شركات المقاولات بالقاهرة محمود فهمي (27 عاماً)، إن "شباب مصر يعاني من أزمة تراجع الدخل بفعل التضخم وتآكل مدخراته مع كل تعويم للجنيه، وهو ما يعود به إلى نقطة الصفر مجدداً"، مشيراً إلى أنه "لا يوجد إيجار سكني مناسب يقل عن أربعة آلاف جنيه (82 دولاراً) في الشهر، بما يعادل نحو نصف راتبه البالغ 8200 جنيه".
وأضاف فهمي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "الرواتب في مصر هزيلة للغاية، وفي أحيان كثيرة لا تغطي حجم الإنفاق الشهري على الطعام والشراب والمواصلات والسكن، وبالتالي يتم الاقتراض من الأهل لاستكمال مصاريف الحياة الأساسية"، مستطرداً بأن "حلم أي شاب هو السفر للخارج لبناء مستقبله، ومن ثم التفكير في الزواج، بسبب استحالة تحقق ذلك في ظل الظروف الراهنة في مصر". وزاد بقوله إن "ثروات مصر باتت حكراً على فئات معينة في المجتمع، وعدم الانتماء إلى هذه الفئات معناه إهدار سنوات العمر في العمل من أجل البقاء على قيد الحياة، وتوفير الحد الأدنى من مستلزمات الحياة"، لافتاً إلى أن الزواج في مصر "يحتاج حالياً إلى أموال طائلة لتجهيز شقة وتأثيثها، وتدبير الأموال اللازمة لشراء الشبكة وإقامة حفل الزفاف".
وتشكل الفئة العمرية الأقل من 15 سنة نحو ثلث عدد السكان في مصر، بينما قدرت نسبة كبار السن (65 سنة فأكثر)، بنحو 3.9%. وبلغت نسبة السكان في مناطق الحضر نحو 43%، مقابل 57% في الريف. وكشف وزير الصحة والسكان المصري خالد عبد الغفار، أول من أمس، أن عدد سكان مصر بلغ 108 ملايين نسمة في الداخل، بزيادة مليون نسمة خلال 287 يوماً، في الفترة من 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 إلى 16 أغسطس/ آب 2025، وهي فترة زمنية أطول بـ19 يوماً مقارنة بالفترة التي استغرقتها الزيادة من 106 إلى 107 ملايين نسمة (268 يوماً)، بما يظهر بوضوح تباطؤ معدل الزيادة السكانية في البلاد.
وتابع أن معدل الإنجاب شهد انخفاضاً كبيراً من 3.5 أطفال لكل امرأة عام 2014 إلى 2.41 طفل عام 2024، بحسب بيانات مركز المعلومات بوزارة الصحة، مستطرداً بأن محافظات أسيوط وسوهاج وقنا والمنيا وبني سويف سجلت أعلى معدلات للمواليد، بينما سجلت بورسعيد ودمياط والدقهلية والغربية والإسكندرية أقل المعدلات. وسجلت عقود الزواج الرسمية في مصر تراجعاً ملحوظاً منذ عام 2022، ارتباطاً بقرارات تعويم الجنيه وما صاحبها من ارتفاع غير مسبوق في معدلات التضخم والغلاء، أدت إلى عزوف كثير من الشباب عن الزواج، فضلاً عن ارتفاع نسب الطلاق وتراجع معدلات المواليد إلى أدنى معدل لها منذ 50 عاماً.
ومنذ التعويم الثاني للعملة المصرية في مارس/ آذار 2022، فقد الجنيه نحو 67.5% من قيمته إثر تراجعه مقابل الدولار من 15.70 جنيهاً إلى 48.35 جنيهاً في التعاملات الرسمية، في وقت قفزت فيه أسعار مستلزمات الزواج من أثاث وأجهزة كهربائية وأدوات مطبخ ومفروشات بنسب تزيد على 300%، مقارنة بأسعارها قبل ثلاث سنوات. وحسب الإحصائيات الرسمية، انخفضت أعداد المواليد في مصر من نحو مليونين و720 ألف مولود في 2014، وهو عام تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي مقاليد الحكم، إلى مليون و960 ألفاً في عام 2024، أي بتراجع بلغت نسبته 27.9%. وسجلت حالات الطلاق الموثقة 265 ألفاً و606 حالات في عام 2023، مقارنة بـ222 ألفاً و36 حالة في 2020، بزيادة نسبتها 20.7%.
وعزا خبراء تراجع عقود الزواج في مصر إلى أقل من مليون عقد سنوياً إلى العوامل الاقتصادية والاجتماعية بشكل رئيسي، ممثلة في ارتفاع تكاليف المعيشة التي تؤثر على قدرة الشباب على الادخار، وصعوبة حصولهم على فرص عمل مناسبة، أو تحقيق دخل مادي مناسب لتكوين أسرة. وقالت أستاذة علم الاجتماع بكلية التربية في جامعة عين شمس سامية صالح إن "الضغوط الاقتصادية لعبت دوراً مهماً في عزوف الشباب عن الزواج خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب أسباب أخرى، مثل تشويه صورة الأسرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والترويج لأنماط غير واقعية أو حقيقية عن الحياة الزوجية، ومواصفات الزوجة المثالية".
وأضافت صالح في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "انتشار الإحباط بين الشباب أدى إلى تراجع رغبتهم في الزواج، لا سيما مع الارتفاع الحاصل في أسعار شراء وإيجار العقارات، ما يدفع البعض منهم إلى السعي نحو الهجرة للخارج بأي وسيلة، وتأجيل فكرة الزواج". وسجل عدد المتعطلين 2.054 مليون فرد، أي ما يمثل 6.1% من إجمالي القوى العاملة، خلال الربع الثاني من عام 2025 (إبريل/ نيسان - يونيو/ حزيران)، حسب الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء الحكومي. وبلغت نسبة المتعطلين من حملة المؤهلات المتوسطة وفوق المتوسطة والجامعية وما فوقها 78.2% من إجمالي المتعطلين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.