فايننشال تايمز
السعودية تشن حملة على صالات الموسيقى الليلية
بينما كان الروّاد في القاعة الخافتة الإضاءة يأخذون مقاعدهم ويستنشقون دخان الأرجيلة، صعدت المغنية المصرية – وهي متسابقة سابقة في أحد برامج المواهب، ترتدي فستاناً أسود مكشوف الكتفين – إلى خشبة المسرح لتقدم عرضاً ليلياً متأخراً.
أمام خلفية متلألئة، أمسكت بالميكروفون وبدأت الغناء، طالبةً من الجمهور المؤلف من رجال ونساء في منتصف العمر أن يصفقوا على إيقاع مزيج من الأغاني السعودية والمصرية المعاصرة.
كانت تلك المشهدية ليلةً حديثةً في أحد ما يُعرف بـ “اللاونجات” في السعودية، وهي أماكن موسيقية انتشرت منذ أن شرعت المملكة المحافظة في برنامجها الطموح للانفتاح الاجتماعي.
اللاونجات، التي يستطيع فيها عادةً كل من الرجال والنساء الاستمتاع بالموسيقى الحية وتدخين الشيشة، تقدم ترفيهاً بأسعار معقولة لكل من السعوديين والعمال الأجانب على حد سواء، في مملكة كانت الحفلات الموسيقية فيها محظورة لفترة طويلة وكان الفصل بين الجنسين مفروضاً بصرامة.
لكن بالنسبة لكثير من هذه اللاونجات، انتهى العرض: إذ أغلقت السلطات في الرياض وجدة خلال الأسابيع الأخيرة ما لا يقل عن عشرين من هذه الأماكن.
رغم أن المسؤولين برروا ذلك بـ “انتهاكات جسيمة” لقوانين الصحة العامة والنظافة، يرى البعض في هذه الحملة دليلاً على رد فعل عكسي ضد هذه اللاونجات، إذ يعتبرها السعوديون المحافظون مؤسسات منحطة توفر غرفاً مظلمة يلتقي فيها الرجال والنساء سراً لشرب الكحول غير المشروع أو حتى تعاطي المخدرات.
“انظروا إلى هؤلاء النساء وهن يدخلن اللاونج، على بعد شارع واحد من بيوت الرجال في حي سكني”، اشتكى فلاح المسردي، مغنٍ محافظ، من أحد هذه اللاونجات قرب شقته في شرق الرياض في مقطع فيديو انتشر الشهر الماضي على سناب شات.
“ذهبت إلى الشرطة فأحالوني إلى البلدية. ذهبت إلى البلدية فأحالوني إلى هيئة الرقابة”، قال. “أريد أن يُسمع صوتي. لقد تعبت.”
إن مجرد وجود هذه اللاونجات يبرز التناقض الحاد بين السعودية اليوم وما كانت عليه قبل عقد من الزمن، حين كان جهاز الهيئة الدينية المخيف يفرض تفسيراً محافظاً للقيم الإسلامية يمنع اختلاط الرجال والنساء غير المرتبطين في الأماكن العامة ويحظر دور السينما وأشكال الترفيه الأخرى.
كانت مقاهي الشيشة ممنوعة في المناطق المأهولة وتُدفع إلى أطراف المدن لتهدئة مخاوف الأهالي من جذبها لأبنائهم المراهقين.
تغير كل ذلك جذرياً عقب صعود ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي – بعد تجريده الشرطة الدينية من سلطاتها في عام 2016 – خفف القيود على حريات النساء وفتح المملكة أمام الحفلات الموسيقية والمنافسات الرياضية وحتى حفلات الرقص الصاخبة.
أنشأت السلطات في العاصمة مجمع “بوليفارد الرياض” الذي يضم مطاعم وقاعات موسيقى ومعالم جذب أخرى، مما شجع بدوره على نمو المزيد من أماكن الترفيه.
بالنسبة لروّادها، تقدم اللاونجات وسيلة صادقة وبأسعار معقولة للترفيه، خاصةً للطبقات الأقل دخلاً من السعوديين والمغتربين لتدخين الشيشة. ورغم أن الكحول ما يزال محظوراً في المملكة، تعد هذه الأماكن من الأماكن القليلة التي يسمح فيها بالتدخين في الداخل.
رسوم الدخول المعتادة البالغة 80 ريالاً سعودياً (21 دولاراً) تشمل الشيشة ومشروباً أو عصيراً غازياً. ولا يُطلب الدفع إلا من الرجال، بينما تدخل النساء والأزواج المختلطون مجاناً. حتى أن بعض العائلات تصطحب أطفالها معها.
أما أماكن أخرى فمصممة على هيئة نوادٍ ليلية راقية: أحدها في الحي الدبلوماسي بالعاصمة يصف نفسه بأنه “أول نادٍ ليلي في تاريخ الرياض”.
وكتب الكاتب الصحفي عقل العِقل مؤخراً في صحيفة “عكاظ” اليومية أن من يزور هذه اللاونجات “سيجدها أماكن جميلة لقضاء وقت ممتع بعيداً عن ضغوط الحياة اليومية”، مضيفاً أن “وجود هذه اللاونجات يسهم في جودة الحياة في كل مدن العالم”.
لكن انتشارها الواسع على طول شوارع المدن السعودية الكبرى جعلها أيضاً مصدر قلق لأولئك غير المرتاحين لوتيرة التحديث السريع من أعلى الهرم.
“بعض هذه اللاونجات تبدو منحطة ومشبوهة لذلك لا أود أن يرانا أحد هناك”، قال أب لطفلين في جدة، “لكنها تبدو شعبية للغاية”.
في إغلاق بعض اللاونجات، يبدو أن السلطات تسعى إلى تحقيق توازن بين الاستمرار في الانفتاح – وهو ما يُنظر إليه على أنه ضروري للنمو الاقتصادي – ومعالجة التوترات والعواقب غير المقصودة لهذه التغييرات.
أنشأت وزارة الداخلية هذا العام وحدة خاصة لمكافحة “الأفعال غير الأخلاقية”، واعتقلت عشرات المشتبه بهم في جرائم مثل الدعارة والتسول، وهو ما اعتبره البعض محاولة لإحياء دور الشرطة الدينية.
بالنسبة للمنتقدين، وكثير منهم من المحافظين دينياً أو اجتماعياً، تمثل اللاونجات تدهوراً سريعاً في القيم الاجتماعية.
لكن أندرو ليبر من برنامج كارنيغي للشرق الأوسط قال إن انتشار اللاونجات في نهاية المطاف يمثل “ما يطلبه المجتمع السعودي” – خصوصاً لأولئك الذين يريدون الاستمتاع بالحريات الجديدة لكنهم لا يستطيعون تحمل تكاليف الحفلات الموسيقية الكبرى أو سباقات الفورمولا 1.
“إنه رأسمالية بحتة… الناس يريدون فقط الخروج إلى نادٍ ما وتدخين الشيشة”، قال. “هم لا يريدون بالضرورة الذهاب إلى بوليفارد الرياض لأنهم لا يملكون مئات الريالات للإنفاق هناك.”
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.