الثلاثاء، 23 سبتمبر 2025

وهكذا وصل التحرش الى المؤسسات الصحفية

 

الرابط

وهكذا وصل التحرش الى المؤسسات الصحفية


🔴 طلب محمود*، وهو اسم مستعار لرئيس قسم في إحدى الصحف المرموقة، من أمل* المتدربة الجديدة بالصحيفة، مناقشة فكرة تقريرها الجديد أثناء التجول حول مبنى الجريدة، لعل الهواء النقي ينعش أفكارهما. لكنه استغل مرورهما بأحد الشوارع الهادئة وحاول تقبيلها.

◾دفعت أملُه بعيدًا، وهددته بإبلاغ رئيس التحرير بفعلته، لكنه توعّدها بالطرد من الجريدة، وأقسم أن أحدًا لن يصدق صحفية متدربة مهما روت عنه.

◾محمود ليس أول صحفي يُتَّهم بالتحرش في المؤسسات الصحفية المصرية، وأمل لم تكن الضحية الأولى؛ إذ كشفت دراسة أجرتها الرابطة العالمية للصحف وناشري الأخبار (WAN-IFRA)، أن 43% من الصحفيات المصريات تعرضن للتحرش، بنوعيه اللفظي أو الجسدي، داخل المؤسسات الإعلامية، فيما اختبرت 12% منهن التحرش خمس مرات أو أكثر.

⚠️ يناقش موقع "#صحيح_مصر" في هذا التقرير ظاهرة التحرش داخل المؤسسات الصحفية، بعدما كشف عدد من الصحفيات مؤخرًا عن تعرضهن للتحرش والاستغلال الجنسي والابتزاز من قبل أحد القيادات الصحفية الشابة، الذي عمل في عدد من الصحف الخاصة. 

◾لكن الأمر لم يتجاوز شهادات نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن امتنعت الضحايا عن التقدّم بشكاوى إلى نقابة الصحفيين خشية الوصم، كما لا توجد آلية داخلية في معظم المؤسسات الصحفية للتحقيق في قضايا العنف والتحرش.

نقابة الصحفيين المصريين - Egypt's Journalists Syndicate 

🔴الخوف من الوصم

◾قبل بضع سنوات، بدأت "أمل" تدريبها المهني في إحدى الصحف المرموقة، ومنذ عامها الأول تلقت إشادات متكررة من رئيس قسمها "محمود" لجودة أفكارها ودقة تنفيذها، وهو ما أثار حفيظة بعض زملائها.

◾ولم يقتصر الأمر على الإشادة، بل تعهّد "محمود" بتبنّي "أمل" مهنيًا، ودعم زيادة راتبها وتعيينها في الجريدة، تمهيدًا لانضمامها إلى نقابة الصحفيين، لاسيما أن قانون النقابة لا يسمح بقيد الصحفيين في جدول المشتغلين إلا بعد تعيينهم في صحف ورقية معتمدة.

◾بدأ "محمود"، وهو صحفي معروف في الأوساط الصحفية، بترشيح مواد صحفية لـ"أمل" لتقرأها وتطوّر من مهاراتها، ثم اتجه لاحقًا لترشيح أفلام لمشاهدتها، وكان يحدّثها مطولًا عن كيفية استلهام أفكار صحفية من السينما. غير أن ترشيحاته أخذت تميل تدريجيًا إلى أفلام جريئة كانت "أمل" تتحاشاها، وإن كانت تعتقد في البداية أنه لم يقصد تلك الزاوية تحديدًا. وتقول إن هذه الأفلام، رغم جرأتها، كانت تحمل بالفعل أفكارًا وزوايا متعددة تصلح لمعالجات صحفية.

◾ وفي النهاية، استغل "محمود" سلطته المهنية على المتدربة "أمل" وتحرش بها جسديًا. غير أن "أمل" دافعت عن نفسها، وأكدت له أنها لن تتنازل عن حقها، وأنها ستتقدم بشكوى رسمية إلى نقابة الصحفيين.

◾لكن "محمود" قابل تهديدها باستهانة، قائلاً إنه عضو قديم في النقابة وصاحب علاقات واسعة مع أعضاء المجلس، ولن يضرّه اتهام من صحفية متدربة لم تُعيَّن بعد في جريدتها، ولا يُعترف بها كصحفية في الأساس. وأنهى حديثه محذرًا إياها من إثارة الضجيج إذا أرادت الاستمرار في المهنة، مؤكدًا أن أحدًا لن يمنحها فرصة عمل إن بدأت حياتها العملية بـ"الشوشرة"، مضيفًا أنه سيتهمها بالكذب والابتزاز إن حاولت فضحه.

◾غادرت "أمل" النقاش مثقلة بالألم، ثم تركت الجريدة بصمت. غير أن هذا الألم تجدد الأسبوع الماضي، حين قرأت شهادات جديدة لثمانٍ من زميلاتها عن وقائع تحرش أخرى.

🔴 شهادات مفقودة

◾لم تكن الشهادات التي انتشرت مؤخرًا عن التحرش داخل المؤسسات الصحفية هي الأولى؛ إذ سبقتها مجموعة أخرى ظهرت عام 2020، حين أعلنت سبع صحفيات على الأقل تعرضهن للتحرش والاعتداء الجنسي من قبل صحفي مشهور. ورغم أن الصحفيات لم يُفصحن عن اسمه، خرج هو بنفسه معلنًا هويته، نافياً الاتهامات ومتحديًا صاحبات الشهادات.

◾وحصل موقع "#صحيح_مصر" على شهادة إحدى الناجيات من تحرش ذلك الصحفي الشهير؛ إذ قالت إنها شاركت في أحد تدريباته المنعقدة بإحدى المؤسسات المعنية بتأهيل الصحفيين. وبعد انتهاء التدريب، انفرد بها داخل سيارته وحاول لمسها دون رغبتها.

◾لا تريد الصحفية الاستطراد في تفاصيل الواقعة، إذ ما زالت تؤلمها ذكراها، لكنها تؤكد أنه اتبع معها النمط نفسه الذي واجهته أخريات أدلين بشهاداتهن؛ من طرح أسئلة شخصية مثل: "ما هو أكثر شيء مجنون فعلته؟" أو إظهار نفسه بصورة الداعم الذي ينقذهن من مشكلاتهن الشخصية والمهنية، قبل أن يتطور الأمر لاحقًا إلى تحرش مباشر.

◾وقالت إنها لم تلجأ إلى الإبلاغ، خوفًا من الوصم وفقدان فرص العمل إذا كشفت عن هويتها، خاصة بعدما عايشت تجارب زميلات اضطر بعضهن إلى التوقف نهائيًا عن المهنة بعد خوض معارك مشابهة.

◾وكشفت دراسة أجرتها الرابطة العالمية للصحف وناشري الأخبار (WAN-IFRA) بالتعاون مع جامعة سيتي عام 2022، أن التحرش الجنسي في غرف الأخبار أصبح ظاهرة عالمية غير مُبلّغ عنها، إذ أظهرت الدراسة أن 40% من النساء العاملات في المؤسسات الإعلامية تعرضن للتحرش الجنسي، بينما لم تُبلّغ سوى 20% منهن.

◾وكانت #مصر من بين الدول التي تناولتها الدراسة، وأظهرت البيانات أن 43% من الصحفيات المصريات تعرضن للتحرش بنوعيه اللفظي أو الجسدي داخل مؤسساتهن الإعلامية، وتعرضت 12% منهن للتحرش خمس مرات أو أكثر.

◾وكشفت المشاركات من الصحفيات المصريات اللاتي تعرضن للتحرش، أن الفاعل كان في 34% من الحالات زميلًا لهن، وفي 27% من الحالات كان مديرهن المباشر، فيما تورط أفراد من الإدارة العليا للمؤسسات في 18% من الانتهاكات.

◾ولم تُبلّغ 82% من الصحفيات المصريات اللاتي تعرضن للتحرش، وأوضحت 34% منهن أن سبب عدم الإبلاغ هو غياب آلية واضحة لذلك وعدم معرفتهن بكيفية التبليغ، بينما ذكرت 33% أنهن تجنبن الإبلاغ خشية الوصم أو فقدان العمل أو خوفًا من انتقام المعتدي أو من التأثيرات السلبية عليهن، في حين قالت 23% إنهن لم يملكن أدلة كافية أو خشين عدم تصديقهن.

🔴 لا تحقيق دون شكاوى رسمية

◾عقب ظهور شهادات التحرش عام 2020، دعا ضياء رشوان، نقيب الصحفيين آنذاك، الزميلات لتقديم ما لديهن من أدلة إلى النيابة العامة باعتبارها جهة الاختصاص الوحيدة، مؤكدًا أن دور النقابة يقتصر على شطب عضوية من تثبت ضده هذه الاتهامات.

◾في المقابل، قال عضو حالي بمجلس نقابة الصحفيين برئاسة خالد البلشي لموقع "صحيح مصر" إن النقابة يمكنها التحقيق في الشكاوى المتداولة بين الصحفيات أو المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي، بشرط أن تتقدم المتضررات بشكاوى رسمية للنقابة.

◾وأشار العضو إلى أنه رغم صدور تقارير ودراسات دولية توثق انتشار ظاهرة التحرش في المؤسسات الصحفية المصرية، فإن النقابة لم تتلق سوى عدد محدود جدًا من الشكاوى على مدار السنوات الماضية، ما دفع البعض للتشكيك في تلك التقارير وفي شهادات الصحفيات أنفسهن.

◾ودعا عضو المجلس الصحفيات الضحايا إلى التقدم بشكاوى، مؤكّدًا أن النقابة تضمن سرية بيانات المبلّغات وتوفير الحماية والدعم لهن، مع التحقيق الجاد في بلاغاتهن سواء كن عضوات في النقابة أو خارجها.

◾ورداً على مخاوف بعض الصحفيات من انحياز النقابة للصحفيين النقابيين على حسابهن، وخصوصًا أن معظم الضحايا من الصحفيات الشابات غير المقيدات بالنقابة، أكّد عضو المجلس: "لن يحدث ذلك في المجلس الحالي".

◾على الجانب الآخر، سعى موقع "صحيح مصر" إلى التحقق من وجود آليات داخل المؤسسات الصحفية لمواجهة التحرش، غير أن محاولاته قوبلت بالرفض، بدعوى أن الأمر شأن داخلي. فيما أكدت صحفيات يعملن في مؤسسات مختلفة أن معظم تلك المؤسسات تفتقر أصلًا إلى أي آلية للتحقيق أو إلى عقوبات واضحة في حال ثبوت الوقائع، وإن وُجدت مثل هذه الآليات في بعض المؤسسات، فإن الإدارات لم تُعرّف العاملات بها أو تُبلغهن بوجودها.

🔴 ضعف الإبلاغ لغياب آليات الدعم

◾أشارت ورقة بحثية حديثة للمركز الإقليمي للحقوق والحريات إلى أن التحرش بالصحفيات داخل مؤسسات عملهن يعوق تقدمهن المهني، ويحدث في ظل غياب سياسات صارمة لمواجهة هذه المشكلة، وهو ما يعرضهن لضغوط اجتماعية وثقافية، فضلًا عن الخوف من الوصم أو إلقاء اللوم عليهن أو التعرض للاضطهاد في أماكن العمل.

◾ولفتت الورقة إلى أن التحرش داخل المؤسسات الصحفية يتخذ أشكالًا متعددة، منها اللفظي والجسدي والإلكتروني، وأن بعض الصحفيات لجأن خلال السنوات الأخيرة إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للإفصاح عن تعرضهن لانتهاكات جنسية.

◾وأشار المركز المعني بالحريات الإعلامية إلى أن ضعف الإبلاغ عن التحرش داخل المؤسسات الصحفية يعود إلى الخوف من الانتقام أو فقدان الوظيفة، إضافة إلى غياب أو ضعف آليات الدعم والإبلاغ، مشددًا على ضرورة توفير آليات فعّالة لحماية الصحفيات وضمان بيئة عمل آمنة وداعمة لهن.

🔴 مدونة سلوك مهني

◾في المقابل، قالت عضوة في لجنة المرأة بنقابة الصحفيين لموقع "صحيح مصر"، إن العمل جارٍ حاليًا على إعداد مدونة سلوك تهدف إلى ضمان علاقات عمل متوازنة، ومكافحة جميع أشكال التمييز القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك التمييز في الأجور بين الصحفيين والصحفيات بناءً على النوع، فضلًا عن مواجهة التنمّر والتحرش الجنسي وغيرها من الممارسات التي تنتهك حقوق الصحفيات في بيئة عمل آمنة.

◾وأوضحت أن المدونة تستهدف توفير آلية نقابية لتلقي الشكاوى المتعلقة بكافة أشكال العنف ضد الصحفيات والتمييز القائم على النوع الاجتماعي، بما فيها التحرش والانتهاكات الجنسية، مع التركيز على حماية المبلّغات والشهود، إضافة إلى توفير آلية للتحقيق في الشكاوى وصولًا إلى توقيع عقوبات على مرتكبيها.

◾وأضافت أن النقابة، وفق بعض المقترحات المقدمة ضمن مشروع المدونة الجاري النقاش حوله في الفترة المقبلة، ستعمل على التعاون مع أقسام الموارد البشرية في المؤسسات الصحفية لتخصيص آليات للشكاوى والتحقيق، مع الالتزام بالخصوصية والسرية وتقديم الدعم والحماية، فضلًا عن إقرار العقوبات المناسبة حال ثبوت الاتهامات.

◾وأعلنت إيمان عوف، عضو مجلس نقابة الصحفيين، عن مخرجات اجتماع لجنة المرأة والذي جاء بعد اتهامات #التحرش الأخيرة -دون الإشارة إلى الواقعة في البيان. وتضمّنت المخرجات تنظيم ورشة عمل موسعة لمناقشة مدونات السلوك السابقة، واستقبال مقترحات وأفكار جديدة، والتعاون مع خبراء وحقوقيين لضمان صياغة مدونة سلوك متكاملة.

◾كما أشارت إيمان إلى تشكيل لجنة متخصصة لتلقي الشكاوى والتحقيق فيها ضمن إطار قانوني واضح يضمن حماية الصحفيات وتفعيل آليات المساءلة، إلى جانب إطلاق حملة توعية لتعزيز ثقافة بيئة العمل الآمنة في المؤسسات الصحفية.

🔴 معارضة لمدونة السلوك

◾في المقابل، يعارض عدد من أعضاء المجلس إقرار مدونة السلوك ووضع آليات لمواجهة التحرش في المؤسسات. إذ نفى أيمن عبدالمجيد، عضو المجلس الحالي، وجود عنف أو تمييز ضد الصحفيات في المؤسسات الصحفية، واصفًا ما يُثار بأنه "حالات نادرة".

◾وأضاف عبدالمجيد أنه يرفض فكرة المدونة وآليات مواجهة العنف والتحرش، قائلاً: "أنا ضد هذا الكلام، والإشارة إلى التحرش في مدونة السلوك تمثل إهانة للصحفيات واعتداءً على سمعتهن وسمعة زملائهن بادعاءات كاذبة". واستشهد بعدد البلاغات القليل الوارد إلى النقابة مقارنة بالحديث الواسع عن الظاهرة على مواقع التواصل الاجتماعي فقط.

◾وردّت زميلة صحفية، يحتفظ موقع "صحيح مصر" باسمها، على تصريحات عبدالمجيد، مؤكدة أنها تقدمت بشكوى رسمية للنقابة بشأن تعرضها للتحرش عام 2018، وقتما كان عبدالمحسن سلامة نقيبًا للصحفيين، إلا أن النقابة لم تهتم بفتح تحقيق أو حتى التواصل معها، بل حفظت الشكوى دون إخطارها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.