نص تقرير مجلة فورين بوليسي الامريكية الذى نشرته فى عددها الذى صدر امس الاثنين 9 مارس 2026 كما هو مبين عبر رابط المجلة المرفق
السيسي يواجه غضباً محدوداً بسبب الحرب مع إيران .. تكشف تداعيات الهجوم الأمريكي الإسرائيلي عن ضعف دكتاتور مصر.
إن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مهيأ لمواجهة الأزمات. فقد استولى على السلطة عبر انقلاب عسكري بعد عام من حكم جماعة الإخوان المسلمين، وقضى أكثر من عقد من الزمان في التعامل مع الانهيار الاقتصادي والاضطرابات السياسية والحروب التي تمتد عبر جميع الحدود التي تشترك فيها مصر تقريباً.
وعده الوحيد للمصريين هو أنه مهما أحاطت بهم الفوضى، سيبقى النظام في الداخل. وتختبر عملية "الغضب الملحمي"، الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك على إيران، هذا الوعد الآن بطرق يصعب على السيسي التعامل معها.
في خطاب ألقاه في الأول من مارس/آذار أمام القادة العسكريين، تحدث السيسي بتردد غير معتاد. وبعد أن صفّى حلقه وانتقى كلماته ببطء، أعلن أن إيران "أخطأت في حساباتها" وأنه ما كان ينبغي لها مهاجمة الدول العربية "تحت أي سبب". كان هذا أداءً كاشفًا من زعيم يُقدّر استعراض القوة. تتعرض مصر لضغوط على جبهات متعددة في آن واحد، وتضيق منافذها.
أدت الحرب إلى تعطيل إمداداتها من الطاقة، وأعادت إحياء حالة عدم الاستقرار في البحر الأحمر، ومنحت المعارضين المحليين ذريعة جاهزة للحشد.
بعد اندلاع الحرب، أوقفت إسرائيل صادرات الغاز الطبيعي إلى مصر لأسباب أمنية. كان هذا تكرارًا لما حدث خلال حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران 2025، عندما أُغلقت حقول الغاز الإسرائيلية خشية أن تصبح هدفًا إيرانيًا. يُشكّل الغاز الإسرائيلي ما بين 15% و20% من إجمالي استهلاك مصر، ويصل إلى 60% من وارداتها. في أغسطس/آب، وقّعت القاهرة اتفاقية بقيمة 35 مليار دولار مع شركة "نيوميد إنرجي" الإسرائيلية لمضاعفة إنتاج حقل "ليفياتان" ثلاث مرات، وهي صفقة مثّلت خطوة هامة نحو استقرار الطاقة في مصر على المدى الطويل.
لا يُعزى الاضطراب الحالي إلى فشل تلك الشراكة، بل إلى تدخّل حرب إقليمية فيها. ويعكس قرار إسرائيل بتعليق الصادرات مخاوف أمنية بشأن بنيتها التحتية، وليس انسحابًا من التزاماتها تجاه مصر. ولا تزال الاتفاقية سارية، ومن المتوقع أن تُعزّز مكانة مصر في قطاع الطاقة بشكل كبير مع مرور الوقت.
أما بالنسبة للقاهرة، فإنّ تبعات حتى النقص المؤقت في الإمدادات سرعان ما تتحوّل من مشكلة فنية إلى مشكلة سياسية. ولا تقتصر انقطاعات التيار الكهربائي وارتفاع الأسعار في مصر على إدارة البنية التحتية، بل تُصبح وقودًا للإحباط الشعبي ورسائل المعارضة في بلدٍ مُنهكٍ أصلًا من سنوات التضخم.
ثم هناك البحر الأحمر، حيث تعهّد الحوثيون بالتصعيد تضامنًا مع طهران. إذا نفّذوا ما بدأوه، ستكون العواقب وخيمة على مصر وخارجة تمامًا عن سيطرة القاهرة. وتُعزى خسائر إيرادات قناة السويس إلى قرارات شركات التأمين وشركات الخدمات اللوجستية ومشغلي السفن استجابةً للمخاطر المتوقعة.
منذ أن بدأت قوات الحوثيين استهداف الملاحة الدولية عام ٢٠٢٣، تُقدّر مصر خسائرها بأكثر من ٩ مليارات دولار من إيرادات قناة السويس. ففي السنة الأولى من الهجمات وحدها، انخفضت الإيرادات بنسبة ٦٠٪ على الأقل، حيث تراجعت حركة الملاحة من حوالي ٧٥ سفينة يوميًا إلى ٣٢ سفينة فقط. وتُعدّ القناة، المصدر الأهم للدولارات في القاهرة، شريان حياة لحكومة تُعاني من ديون خارجية ضخمة ونقص مزمن في العملات الأجنبية. فكل صاروخ يُطلق قرب باب المندب، المضيق الواقع في الطرف الجنوبي للبحر الأحمر، كفيل برفع أقساط تأمين السفن، وتغيير مساراتها، واستنزاف خزائن القاهرة.
حتى لو مارس الحوثيون ضبط النفس والتزموا الحياد، فإنّ الشعور بتزايد المخاطر يُعيد تشكيل أنماط الشحن العالمية بطرقٍ قد تستغرق شهورًا أو سنواتٍ للتعافي منها. ولن تعود حركة الشحن إلى طبيعتها سريعًا حتى مع تحسّن الوضع الأمني. وبالتالي، فإنّ مصر ليست عرضةً فقط للتحرّك الحوثي المباشر، بل أيضًا لتداعيات التهديد نفسه.
ويُفسح تضافر هذه الضغوط الاقتصادية المجال أمام معارضي السيسي في الداخل، بما في ذلك الشبكات الإسلامية وجماعة الإخوان المسلمين. وعلى الإنترنت، استغلت حملةٌ مناهضةٌ للسيسي انقطاع الغاز وتقارب مصر الدبلوماسي الواضح مع إسرائيل والولايات المتحدة، مُصوّرةً كلا الأمرين كدليلٍ على أنّ السيسي قد فضّل مصالح مصر على مصالح قوى أجنبية.
لا تحتاج الحملة الإعلامية لجماعة الإخوان المسلمين ، التي يُدار معظمها من خارج مصر عبر قنوات فضائية وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى عرض برنامج سياسي مُفصّل. يكفيها طرح سؤال يُراود المصريين العاديين، الذين يواجهون ارتفاعًا في الأسعار وتراجعًا في الخدمات، وهو: هل جعل السيسي مصر ضعيفةً ومتكلّفة؟ ويُوفّر انقطاع الغاز، وإن كان مؤقتًا وناجمًا عن الحرب، لهذه الحملة مظلمةً ملموسةً لتضخيمها.
يقوم نموذج حكم السيسي على عقد ضمني مع المصريين يقبلون بموجبه الحكم الاستبدادي مقابل الاستقرار والخدمات المدنية الأساسية. لطالما كان هذا العقد عرضة للتوتر، ولكنه يبقى قائماً طالما استطاعت الدولة أن تقدم نفسها على أنها الحاجز الوحيد بين مصر والفوضى التي تعمّ حدودها مع السودان وليبيا وغزة.
مارست عملية "الغضب الملحمي" ضغطاً هائلاً على نقاط ضعف القاهرة. لطالما كان نقص الطاقة خطراً كامناً، ولكنه أصبح الآن خطراً قائماً. وبدا أن خطر تعرض القناة لتصعيد الحوثيين قد انتهى مع وقف إطلاق النار في غزة، ولكنه الآن قد يُكبّدها خسائر إضافية بمليارات الدولارات.
لا يُشكل أيٌّ من هذه الضغوط، منفرداً، تهديداً للدولة المصرية. فمؤسساتها ما زالت سليمة، وأجهزتها الأمنية تُحكم قبضتها على زمام الأمور. إلا أن الصدمات المتزامنة التي تُصيب إمدادات الطاقة والإيرادات والثقة السياسية تُضيّق هامش المناورة المتاح أمام السيسي.
لا تقتصر المخاطر على السياسة الداخلية لمصر فحسب، فالقاهرة لا تزال أحد أهم شركاء واشنطن الإقليميين، وركيزة أساسية في بنية الأمن الإقليمي، وعنصراً حاسماً في أي نظام قوي للشرق الأوسط. إن مصر المشتتة بضغوط اقتصادية متراكمة ومعارضة داخلية، ستكون أقل قدرة على أداء هذا الدور. وإذا اضطر السيسي إلى إنفاق رصيده السياسي في إدارة السخط الداخلي، فسيقل ما يمكنه إنفاقه على التعاون الأمني الذي تعتمد عليه واشنطن.
لقد شهدت مصر ما هو أسوأ من ذلك بالتأكيد، لكن عملية الغضب الملحمي تمثل اختباراً لرجل قوي أمضى عقداً من الزمن يعد بالاستقرار الذي قد لا يكون قادراً على تحقيقه بعد الآن.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.