الأربعاء، 27 مايو 2026

بإجراء عملي.. الصدر يحرج الفصائل العراقية الموالية لإيران

الرابط

 بإجراء عملي.. الصدر يحرج الفصائل العراقية الموالية لإيران


أعلن الزعيم الشيعي العراقي البارز، مقتدى الصدر، الأربعاء، فك الارتباط مع فصيل “سرايا السلام”، ودمجه ضمن مؤسسات الدولة العراقية، في خطوة نقلت دعواته المتكررة إلى حصر السلاح بيد الدولة من مستوى الخطاب إلى إجراء تنظيمي مباشر.

القرار لا يحسم ملف السلاح في العراق، لكنه يغيّر موقع الصدر داخل النقاش السياسي. فالرجل الذي ظل يطالب الفصائل المسلحة بالتخلي عن نفوذها خارج الدولة بدأ بفصيله، واضعا بقية القوى المسلحة، خصوصا تلك القريبة من إيران، أمام سؤال عملي: من يتبع الخطوة نفسها؟

“الخطوة سياسية لكنها مُقدَّمة في إطار أمني،” يقول مهند سلوم الأستاذ المساعد في معهد الدوحة للدراسات العليا لـ”الحرة”.

يعتقد سلوم أن المكاسب السياسية التي سيحققها الصدر من القرار أكبر مقارنة بالجانب العسكري، على اعتبار أن “سرايا السلام” كانت شبه مجمدة منذ عام 2022، ما يجعل ما يتم التخلي عنه عسكريا “محدود التأثير”.

لكن على الصعيد السياسي يقدم الصدر من خلال هذا التحرك “نفسه كأبرز زعيم شيعي يضع سلاحه طوعا تحت سلطة الدولة، في لحظة يرفع فيها رئيس الوزراء علي الزيدي شعار احتكار الدولة للسلاح أمام الولايات المتحدة،” يضيف سلوم.

وتمارس واشنطن منذ عدة أشهر ضغوطا كبيرة على السلطات العراقية  وقادة الإطار التنسيقي (التحالف الشيعي الحاكم) من أجل التعامل بحزم مع سلاح الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران.

ورحّب رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بإعلان زعيم التيار الصدري، واعتبره خطوة “مهمة” لتعزيز الاستقرار وترسيخ مبدأ حصر السلاح بيد الدولة. ودعا الفصائل المسلحة الأخرى إلى العمل تحت مظلة المؤسسات الرسمية.

وأشاد رئيس الوزراء الأسبق، مصطفى الكاظمي، بالخطوة، قائلا إن العراقيين، ومعهم “أشقاء العراق وأصدقاؤه إقليميا ودوليا”، ينتظرون قرارات تعيد للدولة سلطتها وهيبتها، وتمهد لعراق خال من السلاح غير الشرعي.

لكن الترحيب لا يعني أن الطريق أصبح مفتوحا أمام الدولة لاستعادة سيادتها. فالفصائل المسلحة في العراق تحولت خلال السنوات الماضية إلى قوى لها أحزاب ومقاعد ونفوذ اقتصادي وأذرع داخل مؤسسات الدولة. ولذلك، فإن أي محاولة لإعادة تنظيمها قد تخل بميزان القوة داخل الساحة الشيعية، كما تمسّ نفوذ إيران في العراق.

يرى النائب السابق عن التيار الصدري، رياض المسعودي، في حديث مع لـ”الحرة” أن موقف الصدر “ليس جديدا”، بل يعود إلى مرحلة ما بعد تحرير الأراضي العراقية من تنظيم داعش عام 2017.

وأضاف أن المشكلة تكمن في “الاستثمار السياسي لهذا السلاح”، والذي يهدد النظام السياسي في العراق.

وبحسب المسعودي، فإن معالجة الملف يجب أن تتم عبر مسار قانوني، يشمل إحالة كبار السن إلى التقاعد، ودمج المؤهلين في الحشد الشعبي، وإحالة قتلى هذه التشكيلات إلى مؤسسة الشهداء، بما يمنع استغلالهم سياسيا وحزبيا.

ويرى الخبير الأمني، سرمد البياتي، أن الخلاف لا يتعلق بمبدأ حصر السلاح، بل بمن يبدأ أولا. وقال لـ”الحرة” إن الصدر، بعدما بدأ بفصيله، وضع الفصائل الأخرى في موقف محرج.

وقد لا يقتصر أثر قرار الصدر في حال تطبيقه على إحراج خصوم التيار الصدري. فبعض الفصائل قد تجد فيها مخرجا للانتقال إلى وضع أكثر رسمية، خصوصاً أن عصائب أهل الحق، الخصم التقليدي للتيار الصدري، أعلنت قبل أشهر استعدادها لحصر السلاح بيد الدولة.

لكن العقدة الكبرى تبقى عند الفصائل الأكثر ارتباطا بإيران، وفي مقدمتها “كتائب حزب الله” و”حركة النجباء”، المصنفتان على قوائم الإرهاب الأميركية، واللتان ترفضان تسليم السلاح أو حصره بيد الدولة. وبين الفصائل الرافضة وتلك التي تبدي استعدادا مبدئيا، تقف قوى أخرى مترددة لم تعلن موقفا حاسما.

لا يمكن فصل هذه الحسابات عن الدور الإيراني في العراق. فطهران تنظر إلى الفصائل المسلحة بوصفها واحدة من أهم أدوات نفوذها الإقليمي، ليس في العراق وحده، بل ضمن شبكة تمتد إلى سوريا ولبنان واليمن. وأي إعادة هيكلة لهذه الفصائل، أو تقليص لاستقلالها، ستنظر إليها طهران باعتبارها مساسا بجزء من نفوذها في المنطقة.

يرجح سلوم أن تسعى إيران إلى إدارة هذا الملف بطريقة هادئة “عبر التأثير على شكل دمج هذه الفصائل في مؤسسات الدولة وليس معارضته علنا”. “المعركة هنا ليست على المبدأ، وإنما على الآلية،” يضيف.

ويشير سلوم إلى أن تحرك الصدر أولاً يخلق “معيارا سياسيا جديدا” يُقاس عليه أداء بقية الفصائل، خصوصا داخل الإطار التنسيقي، إذ يطرح سؤالا ضاغطا: إذا كان الصدر قد دمج فصيله، فلماذا لا تفعل الفصائل الأخرى الأمر نفسه؟

المشكلة لا تتعلق بالسلاح فقط، بل بطريقة استخدامه في السياسة والانتخابات، يقول النائب السابق سجاد سالم، المعارض للفصائل المسلحة. ويضيف في حديث لـ”الحرة” أن أن بعض الفصائل تنشغل بالصراع مع الصدر أكثر من انشغالها بمعالجة ملف السلاح نفسه.

تجد الحكومة العراقية نفسها في موقع صعب. فهي تؤكد دعمها لمبدأ حصر السلاح بيد الدولة، لكنها تدرك أن أي مواجهة مباشرة مع الفصائل قد تفتح أزمة سياسية وأمنية واسعة. لذلك تميل بغداد إلى استخدام مفردات أكثر حذرا، مثل “إعادة التنظيم” و”إعادة الهيكلة”، بدلا من الحديث عن تفكيك شامل أو صدام مباشر.

لكن المشكلة لا تكمن في المصطلحات. فالسؤال الفعلي يتعلق بميزان القوة على الأرض: هل تستطيع الدولة أن تجعل الفصائل جزءا من منظومتها، أم أن الفصائل ستبقى داخل الدولة وخارجها في الوقت نفسه؟

قرار الصدر يمنحه موقعا سياسيا جديدا داخل هذا النقاش. فهو يقدّم نفسه الآن بوصفه الطرف الذي بدأ من فصيله، لا بوصفه داعية عاما إلى حصر السلاح. وفي الساحة الشيعية، حيث تتداخل المنافسة السياسية مع النفوذ المسلح، قد تتحول الخطوة إلى أداة ضغط على خصومه بقدر ما هي محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين السلاح والدولة.

في المقابل، قد ترى فصائل أخرى في الخطوة مناورة لإعادة تشكيل موازين القوة داخل البيت الشيعي، لا مجرد إصلاح مؤسسي. وهذا ما يجعل الاستجابة لها مرتبطة بالحسابات السياسية بقدر ارتباطها بالموقف من الدولة.

ويرى الخبير الأمني فاضل أبو رغيف أن دعوة الصدر تحمل طابعا جديا، لكنه يربط نجاحها بمدى استعداد الأطراف الأخرى للتجاوب معها، خصوصا الفصائل ذات الارتباطات السياسية والإقليمية المتشابكة.

حتى الآن، تبدو خطوة الصدر بداية اختبار. ويبقى السؤال قائما: هل تتحول الفصائل العراقية إلى جزء من الدولة فعلا، أم يبقى حصر السلاح شعارا يسقط كل مرة عند حدود من يملك القوة على الأرض؟

موقع الحرة الأمريكي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.