الجمعة، 26 يونيو 2026

تأجيل الانتخابات العمّالية في مصر لإحكام ضبط السلطة عليها وضمان الولاء

 

الرابط

تأجيل الانتخابات العمّالية في مصر لإحكام ضبط السلطة عليها وضمان الولاء

تأجيل انتخابات التنظيمات النقابية لإعداد مرشحين أكثر قرباً من السلطة

لا يسعى النظام في مصر إلى إلغاء التنظيم النقابي العمالي بقدر ما يسعى إلى تأميمه وتحويله إلى أداة إسناد لا تخرج عن الإطار الرسمي

مصر تعيش أزمة ممتدّة مؤشّراتها ارتفاع معدلات التضخم والضغوط على الأجور والحماية الاجتماعية وأعباء ديون غير مسبوقة


صنف التقرير الصادر أخيراً للاتحاد الدولي لنقابات العمّال مصر ضمن أسوأ عشر دول في مؤشّر الحقوق والحرّيات العمّالية، وهو موقع استقرّت فيه ضمن تقارير متعاقبة خلال عقد، وفق رصد لوضع العمّال في أكثر من 150 دولة، يستند في القياس إلى عشرات المؤشّرات المستمدة من اتفاقيات حقوق الإنسان، ومعايير منظّمة العمل الدولية، إضافة إلى تحليل بنية التشريعات، واستطلاع رأي بعض النقابات. وتقع مصر في التقرير ضمن المستوى الخامس والأخير الذي يشير إلى غياب الضمانات الكافية للحقوق المنصوص عليها قانونياً، غير وجود ثغرات في نصوصه. وجاءت الانتهاكات في قضايا الحرّيات، ومنها الحق في الإضراب والاعتصام والشكوى، ومدى حرّية تأسيس النقابات واستقلالها، وتوافر آليات التفاوض الجماعي لفض المنازعات العمّالية، وكلها قضايا تتعلق بالحقّ في التنظيم، الذي يتيح التعبير عن مطالب تحسّن ظروف العمل وشروطه، ومنها القدرة على التفاوض بشأن الأجور، وإبداء الرأي في السياسات المؤثرة على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لملايين العاملين، وهو ضمن اختصاصات التنظيمات النقابية وفقاً لقانونها الصادر عام 2017. وجاء التقرير متزامناً مع إقرار مجلس النواب تأجيل الانتخابات النقابية ستة أشهر، في خطوة تعرقل حقّ الاختيار، وتتسق مع سياسات الضبط، وتبرز مجدّداً طبيعة العلاقة بين الدولة والتنظيم النقابي، والتي تميل إلى التحكّم في مواقع التمثيل المختلفة السياسية والنقابية.

ويبدو التشريع الذى جرى أخيراً تمريره سريعاً يأتي ضمن نمط ضبط يقوم على إعادة تشكيل النخب وتوزيعها داخل مؤسّسات التمثيل المختلفة، وتجديدها بما يحفظ بنية الولاء، ويتجسّد هذا في المجال النقابي في الاتحاد العام لنقابات عمّال مصر، المعروف بتبعيته للحكومة، والذى يضم نحو ستة ملايين من 30 مليون مشتغل، ويُراد له أداء وظيفة الإسناد السياسي أكثر من تمثيل مطالب أعضائه، ولا يتجاوز دوره حدود احتواء العمّال والوساطة بينهم وبين الحكومة، مع تقليص آليات التعبير والتنظيم، والاكتفاء بالشكوى إن أمكن. ورغم أن تونس في التصنيف نفسه، يحوز الاتحاد العام للشغل مكانة عربية مميزة في استخدام أدوات الحراك والتفاوض مع مؤسّسات السلطة، خصوصاً في ملفات الأجور والاقتراض والتشريعات التي يتأثر بها العمّال.

بالعودة إلى قرار التأجيل الذى جاء في شكل إداري، وإن اتخذ طابع التشريع، فإنه يتصل بسلوك سياسي يعتبر أن كل موقع تمثيل يجب أن يخضع للسيطرة، وإذا تعذّر ضمان نتائجه يؤجّل أو يفرغ من مضمونه، أو يستعاض عنه بالتعيين الإداري، كما جرى مع انتخابات المحليات المعطّلة منذ سنوات. غير أن اللافت في الحالة النقابية أن الانتخابات كانت في مسار يبدو طبيعيّاً، بما في ذلك مقدّمات الاستعداد لها، والتحكم فيها عبر الإجراءات الإدارية وتعقيد الترشّح واستخراج المستندات المطلوبة.

وفي بداية فبراير/ شباط الماضي، أعلنت وزارة العمل المصرية إطلاق منصّة إلكترونية متكاملة لإدارة الانتخابات، في اجتماع حضرته ممثلة عن منظمة العمل الدولية وقيادات عمّالية، مؤكّدة حرصها على “انتخابات حرّة ونزيهة وديمقراطية” بإشراف قضائي، ومقدّمة النقابات شريكاً في صياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية. غير أن المشهد تبدّل سريعاً حين طُرح أمام لجنة القوى العاملة في مجلس النواب مشروعان لتعديل قانون التنظيمات النقابية: أحدهما لمدّ الدورة من أربع إلى خمس سنوات، والآخر لتأجيل الانتخابات. وجاءت الإشارة إلى أن هذا جرى بناءً على توصية من المجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي (في اجتماع 18 إبريل) الذي يضم ممثلين عن الحكومة ورجال الأعمال واتحاد العمّال، قبل أن يتبناه مجلس الوزراء ويقدّمه مشروع تعديل، ثم يُقره البرلمان في الشهر الماضي (مايو/ أيار) بإجراءات سريعة.

هذا التحوّل من الاستعداد لإجراء الانتخابات إلى التأجيل اجتمعت عليه وزارة العمل وقيادات الاتحاد العام للعمّال ورجال الأعمال والقوى السياسية الموالية. كما تقدّم 60 نائباً، غالبيتهم من تنسيقية شباب الأحزاب، بمشروع مشابه، يهدف إلى مدّ الدورة النقابية خمس سنوات، وبذلك توافقت أطراف مختلفة على هدف واحد، تمديد بقاء الهياكل القائمة وتأجيل الانتخابات إلى أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، وخلال جلسات النقاش في مجلس النواب، في اللجنة والجلسة العامة، ظهرت تحفظات محدودة انطلق بعضها من اعتبارات إجرائية، تتعلق بمعرفة موعد الانتخابات مسبقاً وعدم وجود مبرر حقيقي للتأجيل. في المقابل ذهبت قوى سياسية ونقابية إلى نقد أكثر جذرية، معتبرة أن القرار يمثل انتهاكًا لاستقرار المراكز القانونية واستقلالية الحركة العمّالية، وامتدادًا لسلسلة من التدخلات الأمنية والإدارية والقيود المفروضة على تأسيس النقابات ورفض تسجيلها أحيانًا، وتعطيل خوض ممثليها الانتخابات ضمن أدوات الاحتكار السياسي في مسار متسق مع سلوك سلطوي، وتبدو هذه الاعتراضات متّسقة مع ما جرى على الأرض قبل التأجيل من شهادات حول عرقلة لبعض إجراءات الترشح، بما يجعل التأجيل حلقة ضمن مسار أطول من الإعاقة والمنع وإعادة ضبط المجال العام ضمن هيكل سياسي تترابط عناصره بل شخوصه أيضاً من أعضاء البرلمان لقيادات نقابية وحتى قيادات أحزاب تدعي الدفاع عن حقوق العمال بينما تنخرط في تحالفاتٍ مع أحزاب السلطة في البرلمان وخارجه ضمن سلوك انتهازي، ووافقت على تمرير تشريع تأجيل الانتخابات وربما يمرر مد فترة الدورة النقابية مستقبلاً.

وجاءت المبرّرات الرسمية ضعيفة وواهية، فقيل إن الانتخابات تتعارض مع مؤتمري العمل العربي ومنظّمة العمل الدولية، رغم أن مواعيدها معروفة سلفًا، وتجري سنويًّا بالتزامن مع احتفالات اليوم العالمي للعمّال، ورغم أن وزارة العمل نفسها كانت قد أعلنت قبل أسابيع موعد الانتخابات، ورحبت بمتابعة منظّمة العمل الدولية لها، وضمن المبرّرات قيل أيضاً إن التأجيل ضروري لإعداد كوادر نقابية مؤهلة، وكأن هذا اكتشاف مستجد ظهر قبل أسابيع من موعد التنافس. وإذا كانت المبرّرات المعلنة لا تفسّر القرار بصورة كافية، فإن النظر إلى بنية المجالين، النقابي والسياسي، يفتح باباً لفهم جانب من أسباب القرار.

ويبدو الأقرب إلى الواقع أن الأشهر الستة الإضافية لا تستهدف الإعداد الإداري للانتخابات أو تدريب كوادر جديدة، بقدر إتاحة فرصة لترتيب المشهد النقابي، فالتأجيل يمنح وقتاً إضافيّاً لإبدال بعض القيادات بأخرى، خصوصاً التي فقدت اشتراطات الترشّح، وإعداد آخرين أكثر قرباً من السلطة، وتسوية أوضاع مواقع ستتأثر بالتقاعد أو بتغير موازين نفوذ الاتحاد العام للعمّال، كما يفتح المجال لمناقشة تعديلات أخرى على قانون التنظيمات النقابية، مدة الدورة وربما شروط المنافسة وضمانات الدعاية وآلياتها. ومن هذه الزاوية، يبدو القرار متّصلاً بنمط إدارة المجال السياسي، يقوم على إعادة إنتاج النخب الموالية وتوزيع مواقع التمثيل بينها، الذي يتخذ طابعاً دورياً، ويمنع التنافس بينها، بما يحافظ على تماسك شبكة الولاء داخل مؤسّسات الدولة والتنظيمات الوسيطة. ويتجاوز هذا حدود النقابات، إذ ترتبط نخبها بشبكات تشمل البرلمان والأحزاب وبعض المواقع التنفيذية. وقد شهدت السنوات الأخيرة انتقال شخصيات بين هذه المواقع، كما في حالة وزير العمل السابق محمد سعفان الذي انتقل إلى رئاسة لجنة القوى العاملة في مجلس النواب. وهناك من يعتمدون على مواقعهم النقابية في بناء نفوذهم الانتخابي في البرلمان، فيما تمثل قيادات نقابية أخرى جزءاً من شبكات سياسية موزّعة على أحزاب يفقدون، في أحيان كثيرة، بجانب حدّة التنافس بينهم الانسجام المطلوب لخوض الانتخابات العمالية جبهة واحدة تحت مظلة حكومية.

وضمن ترتيبات مستقبلية، وتوجّه إلى توسيع شبكة شاغلي المواقع في الهياكل السياسية، وعدم الجمع بين المناصب التمثيلية، يمكن أن يُرى التأجيل فرصة لوضع خريطة المرشّحين المحتملين خلال الدورة المقبلة، والتي تتزامن نهايتها مع ولاية مجلسي الشورى والنواب عام 2030، أما مقترح مد الدورة النقابية فيحقق هدف توحيد فترة الولاية خمس سنوات للهيئات الثلاث، مجالس النقابات ومجلس الشوري والنواب، وبذلك يرجّح أن يكون بناء السلطة مرتباً بشكل تام، مع تنفيذ استحقاقات انتخابية من دون تعارض، في التوقيت والمدة أو الحيازة، ارتباطاً بتجديد شكل هرم السلطة من القمة، انتخابات الرئاسة، إلى هياكل مجلس النواب والشورى والنقابات (وحتى المحليات المعطلة) ذلك أنه لم تقر تعديلات دستورية وقانونية مستجدة على توقيتاتها.

كما لا يمكن فهم التأجيل بعيداً عن السياق الاقتصادي. فمصر تعيش أزمة ممتدّة، من مؤشّراتها ارتفاع معدلات التضخم، والضغوط على الأجور والحماية الاجتماعية، وأعباء ديون غير مسبوقة، وسياسات إصلاح اقتصادي تمسّ قطاعات واسعة من العاملين. وفي مثل هذه الظروف، تصبح النقابات ساحة مهمة لإدارة العلاقة بين الدولة والعمّال ومحاولة استيعاب مطالبهم، ويوحي التأجيل برغبة في تقليل احتمالات بروز قيادات جديدة قد تجد نفسها مضطرّة إلى التعبير عن مطالب العمّال في ظل الضغوط المعيشية المتزايدة. فمهما بلغت درجة الهيمنة على التنظيم النقابي، تظل الانتخابات لحظة تطرح سؤال التمثيل، وتفتح مساحة للمنافسة، ولو بصورة محدودة. وحتى النقابات الخاضعة بدرجات متفاوتة للسيطرة الرسمية تبقى مطالبة بالتعامل مع مشكلات العمل وظروفه. ومن ثم، يقلّل تأجيل الانتخابات من احتمالات ظهور قيادات أقل انضباطًا أو أكثر استعدادًا للتعبير عن مطالب العمال، وتظهر في السياق أيضًا تأثيرات الحرب في الشرق الأوسط اقتصاديًّا واحتمالات أن تدفع الحراك العمالي مجدّداً، خصوصاً مع تكرار المطالب بتعديل الأجور في ظل تفاوتٍ كبير بين الدخل وارتفاع الأسعار، التي زادت مع تداعيات الحرب، ولا تُعرف على وجه اليقين حدودها وتأثيراتها الاجتماعية.

وعموماً يأتي التأجيل ضمن نمط علاقة النخبة الحاكمة في مصر بالحركة العمالية. فالنظام لا يسعى إلى إلغاء التنظيم النقابي بقدر ما يسعى إلى تأميمه وتحويله إلى أداة إسناد، وقناةِ تمثيل لا تخرج عن الإطار الرسمي، ووسيطٍ بين الحكومة والعمّال في أوقات الأزمات. ولهذا، لا يتعلّق التأجيل بستة أشهر إضافية فحسب، بل أيضاً بتأكيد قدرة المركز السياسي في تحديد موعد الانتخابات وشروطها وحدود المنافسة فيها، ويكشف عن خط ناظم يقوم على إخضاع الحركة النقابية لمنطق الاستقرار السلطوي، وإبقاء العمّال حاضرين في خطابات الدولة، وغائبين عن مواقع التأثير الفعلي في القرارات والسياسات الاقتصادية والاجتماعية، ومواجه حراكهم المستقل، بإجراءات تعسّفية وقمع وحتى الاتهام بالإرهاب، كلما ارتفعت أصواتهم بمطالب عادلة. لذا كان موعد الانتخابات نفسه خاضعاً لحسابات السلطة وإعادة ترتيب الهياكل السياسية، والظرف الاقتصادي الحالي، لتكون استحقاقاً مؤجلاً خاضعاً لأدوات الضبط السياسي.

العربي الجديد 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.