عربي 21
لماذا ضرب السيسي عرض الحائط بتصريحاته السابقة حول الاقتراض والديون؟
"ليس من المنطقي ولا من العدل" الاستمرار في الاقتراض بالعملة الصعبة لتغطية احتياجات الدولة من السلع الأساسية والغاز، أطلق تلك العبارة رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي، خلال حفل إفطار الأسرة المصرية في شهر رمضان 14 آذار/مارس الماضي.
السيسي، ومن داخل دار القوات الجوية ووسط قيادات الدولة والجيش، أكد حينها أن "ذلك الوضع يقود إلى دائرة مفرغة من الديون ما لم نتخذ إجراءات استثنائية حاسمة"، ما قوبل حينها بإشادة محللين وتوقعات بأن يتم وقف عمليات الاستدانة الخارجية وهو الأمر الذي لم يتحقق.
ما حدا بمراقبين للقول إنه "كان مجرد خطاب سياسي للاستهلاك المحلي وتهدئة الرأي العام، ولم يحمل رغبة حقيقية لحل أزمة الديون، وأن الحكومة لم تتوقف عن الاقتراض بجميع أنواعه"، مشيرين إلى أن السيسي، وافق الأحد، على قرض جديد بقيمة 300 مليون دولار من "البنك الآسيوي" لتعزيز "المرونة والفرص والرفاهية"، ما أثار الانتقادات حول تضارب تصريحاته مع ما يجري على الأرض.
في ذات السياق، وخلال 11 حزيران/يونيو الجاري، وافق السيسي على قرض ياباني بقيمة 35 مليار ين، ما تزامن مع قرار جمهوري بالموافقة على قرض صيني بقيمة نحو 1.5 مليار يوان صيني لمشروع سكة حديد العاشر من رمضان (LRT).
وفي ذات السياق تواصل وزارة المالية عمليات الاقتراض، ومع تدفق مليارات الدولارات من الأموال الساخنة، أعلن وزير المالية أحمد كجوك في 9 حزيران/ يونيو الجاري عن رغبة مصر إصدار سندات دولية بنحو 4 مليارات دولار في (2026-2027)، محددا احتياجات التمويل الخارجي بين 8 و9 مليارات دولار.
وفي حين جمعت حكومة القاهرة في أيار/ مايو الماضي، مليار دولار من إصدار سندات لأجل 8 سنوات، تشير التوقعات لإصدارها سندات "ساموراي" جديدة مقومة بالين الياباني خلال تموز/يوليو، بعد إصداري 2022 و2023، بإجمالي مليار دولار.
كما أشار بنك "ستاندرد تشارترد" لاحتمالات عودة مصر للاقتراض مجددا من صندوق النقد الدولي، عقب نهاية شرائح قرض الثمانية مليارات دولار الخريف المقبل، وذلك رغم إعلان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، في 9 حزيران/يونيو الجاري، بأن حكومته ليست بحاجة لتمويل جديد من الصندوق، بعد نهاية القرض الحالي.
والاثنين، أقر خبراء الصندوق المراجعة السابعة للقرض، والمراجعة الثانية في إطار تسهيل الصلابة والاستدامة، ما يتيح صرف 1.5 مليار دولار ونحو 136 مليون دولار أخرى، ليصل إجمالي المبالغ المنصرفة في إطار البرنامجين إلى 7.2 مليار دولار.
وشهدت تدفقات الأموال الساخنة ومشتريات الأجانب في أذون الخزانة المصرية في حزيران/يونيو الجاري قفزة بلغت نحو 7 مليارات دولار، على خلفية هدوء التوترات العسكرية بين إيران والولايات المتحدة، في الوقت الذي يحذر فيه خبراء من عودة تدفق تلك الأموال وتأثراتها السلبية.
أرقام ديون مفزعة
ويأتي اعتماد السيسي، للقروض الجديدة في ظل تفاقم عجز الموازنة المصرية العامة وتفاقم أزمة فوائد الدين الخارجي، حيث أنه ووفق تقرير لبنك "HSBC" تصل 29.8 مليار دولار للعام الجاري، و18.8 مليار دولار بحلول 2027، و11.3 مليار دولار في 2028، وحوالي 9.3 مليار دولار خلال 2029، ونحو 9.2 مليار دولار خلال 2030، و8.7 مليار دولار بعام 2031، و8.1 مليار دولار بحلول 2032.
وفي موازنة العام المالي المقبل (٢٠٢٦/٢٠٢٧)، تبلغ نسبة خدمة الدين بين فوائد وأقساط 128.9 بالمئة من إجمالي إيرادات الموازنة العامة للدولة، لتمثل نسبة الدين نحو 89.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وتصل خدمة الدين 63.9 بالمئة من إجمالي إنفاق الموازنة العامة للدولة.
وفي حين تبلغ مخصصات فوائد الديون في الموازنة الجديدة 2.42 تريليون جنيه، والتي تمثل النسبة الأكبر من إجمالي المصروفات، تتوقع وزارة المالية أن يبلغ إجمالي الدين العام (المحلي والخارجي) نحو 21.93 تريليون جنيه.
وتعاني الموازنة الحالية من عجز مالي يقدر بنحو 1.45 تريليون جنيه، (7.3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي)، وتقع تحت ضغوط ديون خارجية تتعدى 164 مليار دولار، فيما تصل تقديرات مدفوعات ذلك الدين المستحقة خلال 2026 إلى حوالي 32.34 مليار، وفق بيانات البنك المركزي المصري.
وهو التناقض الذي يدفع إلى التساؤل حول أسباب ضرب السيسي عرض الحائط بتصريحاته السابقة حول الاقتراض بالعملة الصعبة، وعن تبريره اللجوء لقرض جديد لتعزيز الرفاهية، بينما كان قد وصف الاقتراض لسلع أساسية وغاز بأنه غير عادل.
خطط اقتراض لا تنتهي
وتكشف التقارير الحكومية وتصريحات المسؤولين عن خطط حكومية متواصلة للاقتراض الداخلي والخارجي، ففي 23 حزيران/يونيو الجاري، كشف مسؤولون حكوميون لموقع "الشرق" عن رغبة حكومية بإصدار صكوك سيادية بقيمة 15.3 مليار جنيه (حوالي 306 ملايين دولار) الشهر المقبل، لتسوية مديونية تاريخية مستحقة للبنك "الأهلي"، الحكومي الأكبر بالبلاد.
وإثر لقاء السيسي، ورئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، 16 حزيران/يونيو الجاري، أعلنت المفوضية عزمها صرف 1.5 مليار يورو لمصر لدعم برنامج الإصلاح الاقتصادي، فضلا عن حشد 8 مليارات استثمارات.
وفي 15 حزيران/يونيو الجاري، أعلنت وزارة التخطيط عن خطط لاقتراض 459.3 مليار جنيه من بنوك محلية وأجنبية لتمويل استثمارات الهيئات الاقتصادية العام المالي (2026-2027).
الأمر الذي يجري على قدم وساق في أعمال الموانئ المصرية، ففي 11 حزيران/يونيو الجاري، تداولت أنباء عن سعي هيئتا ميناء دمياط والإسكندرية، لاقتراض 5.3 مليار جنيه من تحالف يضم 5 بنوك محلية، الشهر المقبل لسداد مستحقات شركات المقاولات.
وفي 10 حزيران/ يونيو الجاري، أعلن "البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية" ضخ تمويلات جديدة بقيمة 7.5 مليار يورو في السوق المصرية بالسنوات الخمس المقبلة، بحسب تصريحات نائبة مدير البنك مي إسماعيل.
وفي حين وافق "البنك الدولي" على قرض بقيمة مليار دولار لمصر في 8 أيار/مايو الماضي، قدمت المملكة المتحدة ضمانة بقيمة 200 مليون دولار لصالح القرض ساعدت على رفع التمويل إلى مليار دولار، في قرض يأتي ضمن تمويلات بقيمة 4.5 مليار دولار من "الاتحاد الأوروبي"، و"البنك الدولي" و"البنك الآسيوي للبنية التحتية"، و"صندوق النقد الدولي".
السندات وأذون الخزانة
وفي الوقت الذي تعلن فيه الحكومة المصرية توجهها نحو تقليل حجم الدين والاعتماد عليه هناك تسارع كبير في الاقتراض عبر السندات، وأذون الخزانة، والقروض الدولية بالجنيه والدولار والين والإيوان، خلال الشهر الجاري.
ففي 22 حزيران/يونيو الجاري، باع البنك المركزي، إصدار من سندات الخزانة متغيرة العائد لأجل 10 سنوات بقيمة 12.5 مليار جنيه، بعد أن باع أذون خزانة محلية لأجل 6 أشهر وسنة بقيمة 122.75 مليار جنيه، وسندات خزانة لأجل 3 سنوات بقيمة 4.8 مليار جنيه، باليوم السابق.
وفي 15 حزيران/يونيو الجاري، طرح المركزي المصري سندات خزانة بقيمة 40 مليار جنيه، كما باع في اليوم ذاته أول إصدار من سندات الخزانة متغيرة العائد لأجل 10 سنوات بقيمة 13.46 مليار جنيه، وفي عطاء موازي باع البنك سندات خزانة ثابتة العائد لأجل 3 سنوات بقيمة 17.62 مليار جنيه.
ما سبقه في 14 حزيران/يونيو الجاري، بيع أذون خزانة محلية بنحو 207.31 مليار جنيه، وطرح أول سندات خزانة متغيرة العائد لأجل 10 سنوات بقيمة مستهدفة تبلغ نحو 15 مليار جنيه، قبل يطرح سندات خزانة بقيمة 30 مليار جنيه 8 حزيران/يونيو الجاري، وطرح سندات خزانة بقيمة 45 مليار جنيه 2 حزيران/يونيو الجاري، وبيع أذون خزانة بـ 461.5 مليون دولار لأجل عام، مطلع الشهر.
بيع الأصول لقاء الديون
في مقابل الاقتراض الخارج المتسارع، وحلول آجال الكثير من استحقاقاتها وتفاقم فوائدها تواصل الحكومة المصرية بيع الأصول العامة وحصص من الشركات الحكومية البالغة نحو 561 شركة، تنفيذا لمراجعات صندوق النقد الدولي، ولسداد بعض فواتير الديون.
وإلى جانب رغبتها قيد 30 شركة حكومية بالبورصة بينها 20 من قطاع الأعمال العام و10 بقطاع البترول، من المقرر طرح "بنك القاهرة" ثالث أكبر البنوك الحكومية في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، وتلقي شركة غزل المحلة عروض المستثمرين المهتمين بالصرح الصناعي العريق.
ومن الأنباء المثيرة لغضب المصريين في هذا الإطار، منح الحكومة المصرية الشهر الجاري تشغيل وإدارة محطة طاقة رياح "جبل الزيت"، 25 عاما لشركة "ألكازار إنرجي" الإماراتية مقابل 420 مليون دولار يجري توجيهها لخفض الدين العام.
لتتعاقد الحكومة الأربعاء الماضي مع شركة "ساني (SANY)" الصينية على إقامة مشروع لإنتاج الكهرباء من طاقة الرياح بقدرة 2000 ميغاوات بخليج السويس بقروض جديدة، لم يتم الإفصاح عن قيمتها.
في ذات الإطار وللحصول على قروض جديدة، قرر السيسي الشهر الجاري، تخصيص مساحة 112.1 مليون متر مربع من أراضي الدولة بمحافظة البحر الأحمر لصالح وزارة المالية لاستخدامها كضمانة لإصدارات الصكوك السيادية، في خطوة سبقها تخصيص 174.4 كيلومتر مربع بمنطقة (رأس شقير) 11 حزيران/ يونيو 2025، لذات الغرض.
المصري يدفع الثمن
وعلى الجانب الآخر، تواصل الحكومة، فرض القيود على المصريين والتي كان آخرها تطبيق منظومة "الدعم النقدي" بدلا من "الدعم العيني" الشهر المقبل، ما يقلق 61 مليون مستفيد من السلع التموينية، و68 مليون من الخبز المدعم، خاصة مع إعلان وزير التموين رفع سعر الرغيف من 20 قرشا إلى 1.5 جنيه، وخفض وزنه من 90 إلى 70 غراما.
وفي ذات التوجه الحكومي، رفعت وزارة الكهرباء أسعار فاتورة الأنشطة كثيفة الاستهلاك بنحو 20 بالمئة لتصبح 264 قرشا لكل كيلوواط/ساعة بدلا من 220 قرشا اعتبارا من الشهر الجاري، وذلك قبل زيادة في شرائح استهلاك الكهرباء بين 10 بالمئة و30 بالمئة، مع تفجر أزمة ملايين الفقراء مع رفع أسعار استهلاك العدادات الكودية في المناطق العشوائية.
وذلك إثر قرارات حكومية برفع أسعار الوقود بجميع أنواعه (بنزين وسولار وغاز) 10 آذار/مارس الماضي بين 14 و30 بالمئة ليتحرك سعر لتر (بنزين 80) من 13.75 إلى 15.75 جنيها، و(بنزين 92) من 15.25 إلى 17.25 جنيها، ثم قرار أسعار ركوب المواصلات في 27 من الشهر ذاته بين 12.5 و25 للقطارات، و2 جنيه لمترو الأنفاق، مع زيادة شهدها أيار/مايو الماضي بأسعار خدمات الاتصالات بين 9 و15 بالمئة، بفعل ارتفاع أسعار الكهرباء، والمحروقات، ما تسبب في رفع أسعار السلع والدواء والنقل ومواد البناء.
وهي التبعات التي دفعت محللين وخبراء وسياسيين وأعضاء بالبرلمان لانتقاد ملف الاقتراض واتهامه بالتسبب في كل تلك الأزمات.
وعبر صفحته بـ"فيسبوك"، قال عضو مجلس النواب محمد فريد: كل ساعة، تنفق الدولة 933 مليون جنيه ثلثاها يذهب لخدمة الدين"، مؤكدا إنفاق: "597 مليون جنيه لخدمة الدين وسداد أقساطه، بنحو 64 بالمئة من الإنفاق، و336 مليون جنيه أجور، وتعليم، وصحة، واستثمار، ودعم، وفي المقابل، تقترض الدولة 458 مليون جنيه كل ساعة لتمويل هذا الإنفاق".
وكتب المستشار طارق مقلد، عبر "فيسبوك" يقول: "في الوقت الذي يئن فيه المواطن تحت وطأة ارتفاع الأسعار، وتآكل الدخول، وتزايد الأعباء المعيشية، يخرج علينا خبر الموافقة على قرض جديد بقيمة 300 مليون دولار تحت عنوان يبدو جذابًا: (تعزيز المرونة والفرص والرفاهية)"، متسائلا: "إلى متى يستمر مسلسل الاقتراض؟، ومن سيدفع فاتورة هذه الديون؟".
رابط ألتقرير على موفع عربي 21 المحجوب من قبل السلطات المصرية ويلزم تطبيق فك الحجب للوصول ألية

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.