الأحد، 21 يونيو 2026

البرلمان المصري يفتح ملف الموازنة الجديدة وسط تحذيرات من إلغاء الدعم

 

الرابط


البرلمان المصري يفتح ملف الموازنة الجديدة وسط تحذيرات من إلغاء الدعم


بينما تستعد الحكومة المصرية لبدء العام المالي الجديد في الأول من يوليو/تموز المقبل، يفتتح مجلس النواب المصري، برئاسة المستشار حنفي جبالي، غداً الاثنين، واحدة من أكثر جلساته سخونة هذا العام، باستئناف مناقشة مشروع الموازنة العامة للدولة وخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي 2026/2027، وسط حالة من الرفض والاعتراض من جانب أحزاب المعارضة وعدد من النواب، الذين اعتبروا أن الموازنة الجديدة بُنيت على افتراضات "متفائلة وغير واقعية"، ولا تقدم حلولاً حقيقية لمعاناة المواطنين في ظل موجة الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة.

وتأتي المناقشات في وقت تتصاعد فيه المخاوف من اتجاه الحكومة نحو إعادة هيكلة منظومة الدعم والتحول التدريجي إلى الدعم النقدي، بالتزامن مع تقارير برلمانية تشير إلى ضعف المخصصات المرصودة للفئات المستفيدة من برامج الحماية الاجتماعية، والتي لا تتجاوز في بعض الحالات نحو 350 جنيهاً شهرياً، وهو مبلغ يرى منتقدو الحكومة أنه غير كافٍ لتعويض الارتفاعات المتتالية في أسعار السلع والخدمات.

ويواصل النواب خلال جلستي الاثنين والثلاثاء مناقشة التقرير العام للجنة الخطة والموازنة بشأن مشروع خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومشروع الموازنة العامة للدولة، وموازنات الهيئات الاقتصادية، والهيئة القومية للإنتاج الحربي. وتتضمن الموازنة الجديدة استثمارات كلية تقدر بنحو 3.7 تريليونات جنيه، تستهدف الحكومة من خلالها رفع معدل النمو الاقتصادي إلى 4.5%، وزيادة مساهمة القطاع الخاص إلى 59% من إجمالي الاستثمارات، إلى جانب مواصلة خفض الدين الخارجي وتحفيز الاستثمار والإنتاج.

إلا أن هذه المستهدفات اصطدمت منذ اللحظة الأولى بانتقادات حادة داخل البرلمان، سواء بسبب تقديراتها الاقتصادية أو أولويات الإنفاق التي تتضمنها. وأعلن النائب محمد عبد العليم داود، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد، في تصريحات صحافية، رفض حزبه مشروع الموازنة وخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، معتبراً أن الحماية الاجتماعية لا يجب أن تكون بديلاً عن التنمية الحقيقية ومعالجة أسباب الفقر.

وقال داود إن سياسات الحكومة خلال السنوات الماضية أدت إلى تراكم الديون بصورة غير مسبوقة، وإن الموازنة الجديدة لا تعالج الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد، كما أنها لا تقدم تصوراً واضحاً للتعامل مع أعباء الدين المتزايدة. وحذر من خطورة التحول الكامل إلى الدعم النقدي في ظل غياب آليات فعالة لضبط الأسواق، مؤكداً أن الدعم العيني، وخاصة الخبز والسلع التموينية الأساسية، يمثل صمام أمان اجتماعياً لملايين الأسر المصرية. وأشار إلى أن التنمية الحقيقية لا تتحقق عبر المؤشرات الرقمية وحدها، وإنما من خلال رفع القدرات الإنتاجية وتحسين مستويات المعيشة وتوفير فرص العمل، مؤكداً أن الأرقام الواردة في الموازنة لا تنعكس بصورة مباشرة على الواقع المعيشي للمواطنين.

من جانبه، أعلن النائب محمود سامي الإمام، رئيس الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، رفض الحزب مشروع الموازنة وخطة التنمية وموازنات عدد من الهيئات الاقتصادية. وقال في بيان صحافي إن الموازنة بُنيت على افتراضات لم تعد تتوافق مع المتغيرات الاقتصادية الحالية، موضحاً أن معدل التضخم المستهدف عند 9.3% لا يبدو واقعياً في ضوء التطورات الراهنة، كما أن سعر الدولار المفترض عند 47 جنيهاً يختلف عن مستويات السوق، فضلاً عن أن أسعار الفائدة الفعلية تجاوزت بكثير ما بُنيت عليه حسابات الموازنة.

وحذر الإمام من أن الفجوة بين أسعار الفائدة المقدرة والفعلية قد تؤدي إلى زيادة تكلفة خدمة الدين بنحو 600 مليار جنيه، بما يرفع عجز الموازنة ويدفع الحكومة إلى مزيد من الاقتراض. وأشار إلى أن الحزب اقترح إنشاء احتياطي بقيمة 100 مليار جنيه لمواجهة هذه التطورات، إلا أن المقترح لم يحظ بالموافقة. كما أبدى تحفظه على مستهدفات الاستثمار متسائلاً عن كيفية سد فجوة تمويلية تقترب من 30 مليار دولار في ظل استهداف استثمارات خاصة بقيمة 2.2 تريليون جنيه واستثمارات أجنبية مباشرة بنحو 12 مليار دولار. وأكد الإمام أن الفساد لا يقتصر على منظومة الدعم العيني، بل يمكن أن يحدث أيضاً في الدعم النقدي، مشيراً إلى وجود حالات استفاد فيها أشخاص يمتلكون أصولاً وثروات من برامج الدعم بعد نقل ممتلكاتهم إلى أقاربهم للتحايل على شروط الاستحقاق.

وشدد على أن الأولوية يجب أن تظل لضمان الأمن الغذائي للمواطنين، مؤكداً أن الخبز والسكر والزيت ليست مجرد سلع مدعومة، وإنما تمثل عناصر أساسية للأمن الاجتماعي والغذائي. وأضاف أن غالبية الأسر، وفق دراسات واستطلاعات سابقة، ما زالت تفضل استمرار الدعم العيني خشية عدم قدرة المبالغ النقدية على تغطية احتياجاتها الأساسية في ظل الارتفاع المستمر للأسعار.

بدوره، حذر النائب حسين غيتة من أن تقديرات الموازنة تعتمد على افتراضات متفائلة بشأن سعر الدولار ومعدلات التضخم وأسعار الفائدة والبترول، متسائلاً: "إذا تغيرت هذه المؤشرات وارتفعت تكلفة خدمة الدين، فمن أين ستُغطى الفجوة؟". وأكد أن مناقشة الموازنة تستوجب حواراً أكثر عمقاً، وأن الحكومة مطالبة بتقديم ردود واضحة على ملاحظات النواب قبل إقرار الوثيقة المالية الجديدة.

ومن أكثر المواقف حدة داخل البرلمان، إعلان النائب إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، رفضه مشروع الموازنة وخطة التنمية الاقتصادية بالكامل، مطالباً بإقالة الحكومة ومحاسبة المسؤولين عن استمرار معاناة المواطنين. وقال إن هناك فجوة ضخمة بين الأرقام التي تعلنها الحكومة والواقع الفعلي، متسائلاً عن التباين الكبير في الأرقام الخاصة بمخصصات الصحة والتعليم.

وأضاف: "الناس لا يجدون أسرة رعاية مركزة ولا حضانات للأطفال، والطلاب والمعلمون وأولياء الأمور يعانون يومياً، بينما نتحدث عن مخصصات ضخمة على الورق". وانتقد استمرار تدني الإنفاق على الصحة والتعليم والبحث العلمي مقارنة بالنسب الدستورية، مشيراً إلى وجود فائض لدى هيئة التأمين الصحي يصل إلى 65 مليار جنيه، في الوقت الذي يعاني فيه المواطنون للحصول على الخدمة الطبية. كما هاجم ارتفاع أعباء الدين العام، معتبراً أن استمرار الوضع الحالي يشبه "سيارة تتحرك إلى الخلف".

وتحول ملف الاقتراض الحكومي إلى محور انتقادات واسعة داخل البرلمان، إذ انتقد النائب بسام الصواف استمرار التوسع في الاقتراض لتمويل مشروعات مثل القطارات السريعة وبعض مشروعات البنية الأساسية التي يرى أنها غير ذات أولوية، متسائلاً: "نوفر سرير عناية للمريض أم نستمر في الاقتراض؟". وقال الصواف لـ"العربي الجديد" إن الأولوية يجب أن تكون لتحسين الخدمات الأساسية وتخفيف الأعباء عن المواطنين بدلاً من تحميل الأجيال المقبلة المزيد من الديون.

وفي السياق نفسه، تساءلت النائبة مها عبد الناصر عن مدى اتساق الخطة الاستثمارية الجديدة مع شعار "بناء الإنسان"، مشيرة إلى أن مخصصات قطاع النقل تفوق بدرجة كبيرة مخصصات الصحة والتعليم. وأكدت أن التنمية لا تقاس بمعدلات النمو وحدها، وإنما بمدى انعكاسها على حياة المواطنين، داعية إلى الانتقال من تحقيق أرقام على الورق إلى تنمية يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

ووفقاً لجدول الأعمال الذي حصل "العربي الجديد" على نسخة منه، من المتوقع أن تشهد الجلسات مناقشات حول عدالة توزيع الاستثمارات العامة بين المحافظات. وكان النائب حسام حسن قد تقدم بطلب إحاطة بشأن ارتفاع معدلات الهجرة الداخلية، متسائلاً عن مدى اتساق خريطة الاستثمارات الحكومية مع حركة السكان وفرص العمل، مشيراً إلى أن بعض المحافظات أصبحت طاردة للسكان رغم ما شهدته من مشروعات كبرى، ما يثير تساؤلات حول قدرة هذه الاستثمارات على خلق فرص عمل حقيقية وتحقيق تنمية محلية مستدامة.

وبالتوازي مع مناقشات الموازنة، يناقش مجلس النواب ستة مشروعات قوانين ذات طابع اقتصادي وضريبي، تشمل تجديد العمل بقانون إنهاء المنازعات الضريبية، وتعديل قانون الإجراءات الضريبية الموحد، وتعديل قانون ضريبة الدمغة، ومشروع قانون يخصص نسبة من أرباح الشركات المملوكة للدولة للخزانة العامة. كما يناقش المجلس تعديلات على قانون الضريبة على القيمة المضافة تتضمن خفض الضريبة على الأجهزة الطبية إلى 5% بدلاً من 14%، ودعم تجارة الترانزيت والصناعة، إلى جانب تعديل قانون رسم تنمية الموارد المالية للدولة.

العربى الجديد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.