العربي الجديد
صفقات موانئ مصر... تحرك عاجل لمنع استحواذ الإمارات على "الإسكندرية للحاويات"
أعاد عرض الاستحواذ المعدل، الذي تقدمت به شركة "بلاك كاسبيان" الإماراتية لشراء 90% من أسهم شركة "الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع" الأسبوع الماضي، مخاوف مصريين من هيمنة شركتَي "موانئ أبوظبي" و"موانئ دبي" وسيطرتهما على أهم 9 منافذ بحرية مصرية خلال السنوات الثلاث الماضية. وفي هذا السياق، قدم أعضاء غرفة الملاحة البحرية التماساً عاجلاً إلى الرئاسة المصرية، يطالبون فيه بوقف توجه هيئة الرقابة المالية ووزارة النقل نحو منح الشركة الإماراتية الأغلبية المطلقة في أسهم "الإسكندرية لتداول الحاويات" مقابل 60 مليار جنيه (نحو 1.1 مليار دولار)، مؤكدين خطورة هذه الخطوة على الاقتصاد وصناعة النقل وحركة الملاحة البحرية.
روافد للموانئ المنافسة
وقال عضو مجلس إدارة الغرفة، محمد شيرين النجار، لـ"العربي الجديد" إن توجه الشركات الإماراتية لعقد اتفاقيات تشغيل وإدارة خطوط نقل دولية تربط بين الهند وميناء جبل علي بالإمارات، بميناءي أسدود ويافا في الأراضي المحتلة عبر مسارات برية تمتد من الخليج إلى يافا، وآخر عبر البحر الأحمر إلى ميناء إيلات ثم أسدود على ساحل البحر المتوسط، والترويج لهذه الطرق كمسارات بديلة لقناة السويس والموانئ المصرية، يمثل خطراً على الاقتصاد والأمن القومي المصري.
ودعا خبير نقل بحري الحكومة إلى وقف أي مباحثات تمنح المنافس وشركاءه في إسرائيل فرصة الهيمنة على موانئ جديدة في مصر، متهماً إياهم بالسعي إلى تخريب صناعة النقل البحري المصرية عبر تحالفات إقليمية ودولية تهمش مسار المرور بقناة السويس والموانئ المرتبطة بها.
وأشار إلى أنّ ترويج إسرائيل والإمارات، بدعم من الولايات المتحدة، لتعميم الاتفاق الإبراهيمي لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط ودمج دول المنطقة فيه، سيعمق، في حال تنفيذه، من أزمة صناعة النقل البحري، التي ستُدفع نحو المسارَين البديلَين لقناة السويس، مستفيدة من علاقات اللوبي الصهيوني القوية بشركات الشحن والملاحة الكبرى في العالم لإعادة تشكيل القطاع. وأوضح النجار أن إسراع الحكومة بتأجير الموانئ لشركات إماراتية أحال الموانئ المصرية إلى "روافد" للموانئ المنافسة لها في المنطقة، لافتاً إلى أن آثارها السلبية تفاقمت مع اندلاع التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى؛ إذ تراجعت حركة الشحن البحري في مسار القناة والبلدات المحلية كافة، بعد اتجاه السفن للمرور حول طريق رأس الرجاء الصالح، مستخدمة موانئ طنجة بالمغرب وإسبانيا دون دخول منطقة القناة أو البحر المتوسط.
حرص الدولة على بعض الأصول
بدورها، تمضي شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع في إجراءات نقل كامل حصتها البالغة 6.01% إلى الشركة القابضة للنقل البحري والبري المملوكة للدولة، في صفقة تبلغ قيمتها نحو 1.05 مليار جنيه (20.3 مليون دولار)، وفقاً لإفصاحات البورصة المصرية. وفي حين ذكر مسؤول حكومي رفيع المستوى لوسائل إعلام محلية أن عملية نقل الحصة لا ترتبط بعرض الشراء الإجباري المقدم من شركة "بلاك كاسبيان" الإماراتية، موضحاً أن المناقشات بشأن هذه الخطوة بدأت منذ مطلع العام الجاري، أي قبل فترة طويلة من تقديم العرض الإماراتي المعدل، وإنّ مصادر مطلعة أفادت بأن الخطوة الحكومية تأتي في وقت تتجه فيه الدولة إلى رفض العرض الإماراتي
ويرى خبراء أنّ نقل أصول شركة الإسكندرية لتداول الحاويات بدون مقابل مادي إلى الشركة القابضة للنقل البحري والبري يعكس حرص الدولة على الاحتفاظ ببعض الأصول الاستراتيجية بالموانئ البحرية تحت المظلة الحكومية، في ظل تنامي الاستثمارات الأجنبية في القطاع. وتعد شركة الإسكندرية لتداول الحاويات أكبر شركة مصرية مدرجة في هذا المجال، إذ تدير النشاط الرئيسي للحاويات في ميناءي الإسكندرية والدخيلة، اللذين يمثلان أكبر بوابتَين بحريتَين للتجارة المصرية.
حضور إماراتي واسع
تستحوذ الإمارات حالياً على حضور واسع؛ إذ تمتلك مجموعة موانئ أبوظبي، المملوكة لشركة القابضة "إيه دي كيو"، حصة أغلبية تبلغ 51.33% في شركة الإسكندرية للحاويات، جرى تكوينها على مرحلتَين: الأولى عبر الاستحواذ على حصة غير مباشرة بلغت 32% عام 2022، والثانية من خلال شراء حصة الشركة السعودية المصرية للاستثمار البالغة 19.3% مقابل 13.24 مليار جنيه في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي. في المقابل، تملك جهات حكومية مصرية حصة مجمعة تبلغ نحو 42.9%، موزعة بين الشركة القابضة للنقل البحري والبري وهيئة ميناء الإسكندرية. وتسعى الشركة التابعة لموانئ أبوظبي إلى شراء 2.1 مليار سهم جديد بسعر يقارب 27 جنيهاً للسهم لرفع حصتها إلى 90%، على أن تبقى 10% فقط لوزارة النقل في الشركة التي تستحوذ وحدها على 60% من حركة الشحن وتداول الحاويات في مصر.
وتعمل الإمارات على توسيع حضورها اللوجستي في مصر بوتيرة متسارعة، في وقت تعتمد فيه القاهرة بشكل متزايد على رؤوس الأموال الخليجية لتمويل مشروعات البنية التحتية ودعم خططها لتحويل البلاد إلى مركز إقليمي للتجارة، ما يفتح نقاشاً متجدّداً بشأن المكاسب الاقتصادية لهذه الشراكات مقابل تنامي النفوذ الأجنبي في قطاع استراتيجي.
وتتصدر مجموعتا "موانئ دبي العالمية" و"موانئ أبوظبي" امتيازات تشغيل وتطوير 9 موانئ مصرية رئيسية خلال السنوات الثلاث الأخيرة عبر عقود تشغيل وإدارة طويلة الأجل؛ إذ تدير موانئ دبي ميناء العين السخنة، بينما وسعت موانئ أبوظبي استثماراتها عبر محطة "نواتوم" متعددة الأغراض في سفاجا، ومحطات السفن السياحية في سفاجا والغردقة وشرم الشيخ، إلى جانب محطات في شرق وغرب بورسعيد والعريش، ومشاريع لوجستية وصناعية مرتبطة بمنطقة قناة السويس.
ويأتي هذا التوسع في وقت تواجه فيه مصر تحدياً مزدوجاً يتمثل في الحاجة إلى تحديث بنيتها التحتية، وتقييد قدرتها على التمويل الذاتي، ما دفع الحكومة إلى تبنّي نموذج منح الامتيازات مقابل الاستثمار الأجنبي المباشر. وتؤكد الحكومة أن هذه الشراكات لا تتضمن بيع الموانئ أو نقل ملكيتها، وإنما تمنح المستثمرين حق التطوير والتشغيل لفترات محددة مع احتفاظ الدولة بملكية الأصول. غير أنّ بعض الاقتصاديين يحذرون من اتساع الاعتماد على رؤوس الأموال الأجنبية في قطاع حيوي، في وقت تشهد فيه البلاد عجزاً تجارياً متزايداً؛ إذ أظهر تقرير حديث لجهاز الإحصاء الحكومي تراجع قيمة الصادرات المصرية بنسبة 20.3% والواردات بنسبة 3.2% في يناير/ كانون الثاني الماضي.
ويعزو أعضاء جمعية المصدّرين المصريين هذا التراجع إلى عقبات لوجستية وإنتاجية، منها ارتفاع تكاليف الشحن، وأسعار الطاقة، وقيمة الدولار مقابل الجنيه، كما يشير خبراء ملاحة إلى فرض وزارة النقل رسوماً باهظة على دخول السفن، وخاصة المحملة بالوقود؛ إذ تطلب السلطات إتاوة لقاطرة إطفاء بميناء الدخيلة تعادل قيمة الرسو البالغة 20 ألف دولار، لتصل التكلفة اليومية للسفينة إلى 40 ألف دولار.
وأكد الخبراء أن الموردين المحليين لم يستفيدوا من إسناد الإدارة للأجانب، موضحين أن تحسّن مؤشرات مصر في نشرات البنك الدولي للخدمات اللوجستية يعود في الأصل إلى تراجع عدد السفن والحاويات، إذ تحسب تلك التقارير معدلات الشحن والتفريغ دون رصد التأخيرات والصعوبات المالية التي يتحملها المتعاملون.
في المقابل، يرى مسؤولون في قطاع النقل أن الاستثمارات الإماراتية نجحت في إدخال خبرات تشغيلية عالمية وتطوير البنية الأساسية للموانئ. وتشير البيانات الحكومية إلى أن التحسّن الملحوظ في زمن الإفراج الجمركي يعود بدرجة أكبر إلى إصلاحات تنظيمية قادتها الدولة؛ مثل إطلاق منظومة "نافذة" للتجارة عبر الحدود، وتطبيق نظام التسجيل المسبق للشحنات (ACI)، والسماح ببدء الإجراءات الجمركية فور وصول البضائع.
ويلخص اقتصاديون المشهد بأنّ الحكم على نجاح التوسع الإماراتي لا ينبغي أن يقتصر على حجم الاستثمارات المفتوحة، بل بقدرة هذه الشراكات على تحويل مصر إلى مركز إقليمي فعلي للتجارة وإعادة التصدير، وتعظيم الإيرادات الدولارية. وتظل الغرف الملاحية تحذر من أن هذا الاعتماد يتطلب أطر رقابة صارمة تضمن الحفاظ على المصالح الاستراتيجية للدولة المرتبطة بالأمن الاقتصادي وسلاسل الإمداد.
الرابط
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.