الخميس، 4 يونيو 2026

بالأرقام.. الحكومة المصرية ترسب في اختبار التقشف وترشيد الإنفاق

 

عربى 21

بالأرقام.. الحكومة المصرية ترسب في اختبار التقشف وترشيد الإنفاق


في الوقت الذي أعلنت فيه الحكومة المصرية عن خطط تقشف وترشيد حكومية واسعة وتخفيض كبير في النفقات، كشف تقرير للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء (حكومي)، عن ارتفاع كبير في الإنفاق على المشتريات الحكومية.

وتتمثل المشتريات الحكومية في بند "شراء السلع والخدمات"، وهو أحد البنود الستة ضمن الموازنة العامة للدولة، وتشمل: النفقات التشغيلية اليومية اللازمة لتسيير عمل الوزارات، والهيئات الحكومية، والمستلزمات الطبية، والمواد الخام، وصيانة المرافق.

وأظهرت بيانات الجهاز المركزي ارتفاع مخصصات المشتريات الحكومية، حيث سجل إجمالي الإنفاق الحكومي 143.9 مليار جنيه بالأشهر التسعة الأولى من العام المالي الجاري (2025/2026)، مقابل 120.1 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من العام المالي السابق.

وقفزت المشتريات الحكومية إلى نحو 46.1 مليار جنيه خلال الربع الثالث من العام الجاري، مقارنة بنحو 36.3 مليار جنيه خلال ذات الفترة من العام السابق، بزيادة 9.8 مليار جنيه بمعدل ارتفاع يقارب 27 بالمئة.

وخلال آذار/مارس الماضي، الذي شهد اندلاع حرب إيران، وحدوث توترات واسعة في إقليم الشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي، قدرت المشتريات الحكومية والتي تشمل مصاريف: المؤتمرات والانتقالات والسفر والإعلانات والصيانة والإنارة والأدوات المكتبية وغيرها، بنحو 14.3 مليار جنيه، مقابل 13.5 مليار جنيه عن نفس الشهر من العام الماضي، بزيادة 800 مليون جنيه.

وفرضت الحكومة المصرية قواعد لترشيد الإنفاق منها: تأجيل الصرف غير الضروري، والرقابة على الصرف بالعملة الأجنبية، وعدم اتخاذ قرارات تزيد مصروفات أبواب الموازنة، والسفر للخارج لضرورة قصوى، وحظر عقد اجتماعات ومؤتمرات ولجان، وشراء الأغراض الحتمية والضرورية، وترشيد الإنفاق على نشر الإعلان والدعاية، وحظر البدء في أية أعمال جديدة.

انعكاس للصدام الحتمي

وفي رؤيته لحكم التناقض بين إعلان الحكومة لخطط تقشفية صارمة وبين قفزات الإنفاق الفعلي على مشترياتها، قال الخبير الاقتصادي والأكاديمي المصري الدكتور علي شيخون: "هذا التناقض انعكاس لأزمة أعمق تتمثل في الصدام الحتمي بين الخطاب السياسي اللحظي المرتبط بأزمة ما والجمود الهيكلي للبيروقراطية المصرية".

مستشار التطوير المالي والإداري، أضاف لـ"عربي21": "عند حدوث أزمات جيوسياسية إقليمية مثل حالة حرب إيران تسارع السلطة التنفيذية لإطلاق شعارات التقشف كرسائل طمأنة للرأي العام الداخلي وبناء جدار ثقة مع الدائنين والمؤسسات الدولية".

واستدرك: "لكن على أرض الواقع يصطدم هذا الخطاب بآلية عمل الجهاز الإداري للدولة، وهو جهاز ضخم يتحرك بعطالة شديدة؛ فالمشتريات الحكومية محكومة بعقود توريد سنوية مسبقة، ومناقصات جرى توقيعها وتسييل دفعاتها قبل الأزمة بأشهر ولا يمكن إيقافها فجأة دون كلفة قانونية وغرامات شروط جزائية".

ويرى شيخون، أن "هذا العذر التقني لا يبرر الصمت على غياب أي خطة بديلة أو تجميد فوري للمصروفات غير الضرورية فور إعلان الأزمة، والحكومة تتحدث عن التقشف إعلامياً لكنها لا تصدر قراراً ملزماً بتجميد كل مؤتمر أو سفر أو دعاية غير حيوي".

يضاف لذلك "آفة موازنة البنود التقليدية التي مازالت تحكم عقلية الإدارة؛ حيث تُمنح كل جهة حكومية مخصصات جامدة، وتتحرك هذه الجهات بدافع الخوف من خفض ميزانياتها العام التالي إذا لم تقم بإنفاق كامل مخصصاتها مما يجعل نداءات التقشف مجرد شعارات بلا أدوات تنفيذية حقيقية بدواوين الوزارات".

إنفاق يتجاهل أزمة الديون

في مقابل الإنفاق الحكومي المتعاظم، سجلت مخصصات سداد فوائد الدين الخارجي على مصر والبالغ 163.9 مليار دولار بنهاية 2025، زيادة تصل إلى نحو 1.8 تريليون جنيه خلال ذات الفترة، مقارنة بنحو 1.5 تريليون جنيه خلال الفترة نفسها من العام المالي السابق، وسط تزايد ضغوط خدمة الديون في الربع الأخير من العام المالي الجاري، والعام المالي المقبل.

وفي حين تترقب مصر الحصول على تمويل جديد بقيمة 1.6 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، مع إتمام المراجعة السابعة ضمن قرض المليارات الثمانية؛ يتعين عليها في المقابل، سداد 524.5 مليون دولار للصندوق خلال حزيران/يونيو الجاري.

وذلك قبل أن تسدد القاهرة خلال أيار/مايو الماضي، 330.6 مليون دولار بخلاف 704 ملايين دولار في أول 4 أشهر من العام الجاري، لتكون بنهاية النصف الأول من العام سددت 1.659 مليار دولار للصندوق، ما بين أقساط قروض سابقة ورسوم وفوائد عليها.

تحليل الأرقام وفخ التضخم الذاتي

وفي تحليله الاقتصادي العميق لقفزات الأرقام الواردة في تقرير الجهاز المركزي خاصة بند الـ46.1 مليار جنيه بالربع الثالث، وخصوصية الإنفاق في آذار/مارس، قال الخبير المصري: "تحليل هذه الأرقام بعين مجردة نكتشف أن الحكومة تقع حالياً في فخ التضخم الذاتي؛ فالزيادة بنسبة تقارب 27 بالمئة في الربع الثالث لتصل إلى 46.1 مليار جنيه مقارنة بـ 36.3 مليار في العام السابق لا تعني بالضرورة أن الحكومة توسعت بشراء السلع والخدمات كمياً".

وأضاف: "إنما تعني أن الحكومة باتت ضحية للسياسات النقدية التي أدت لارتفاع الأسعار وانخفاض القيمة الشرائية للعملة، إنها تشتري نفس الكميات أو أقل لكن بكلفة مادية أضخم بكثير مما يلتهم خطط تقشفها تلقائياً".

ويعتقد أن "هذا العذر أيضاً لا يصمد أمام التدقيق السياسي فلو كانت الزيادة بسبب التضخم فقط؛ فلماذا لم تعلن الحكومة عن تجميد فوري للمشتريات غير الأساسية لإيقاف النزيف؟، ولماذا تُصر على الإنفاق على بنود المؤتمرات والانتقالات والإعلانات وأمثالها التي تمثل ترفاً إدارياً في زمن الحرب؟".

وعن القفزة النوعية التي شهدها آذار/مارس الماضي، (شهر اندلاع الحرب) بوصول المشتريات إلى 14.3 مليار جنيه فتكشف وفق رؤية شيخون، عن "عقدة الربع الأخير في التقويم المالي الحكومي، فمع اقتراب نهاية السنة المالية التي تنتهي حزيران/يونيو تصاب الهيئات الحكومية بحالة ذعر مالي لتصريف ما تبقى من موازناتها، وتسييل الفوائض بمشتريات تشغيلية واستشارية وصيانة وتجديد مقار، بصرف النظر عن أي نداءات سياسية للتقشف، وهو ما يفسر حدوث الطفرة الاستهلاكية للحكومة بأوج الأزمة".

وتابع: "وهنا السؤال الذي تتهرب منه الحكومة: كيف تبررون لمواطن يقتطع من لقمة عيشه أنكم أنفقتم 14.3 مليار جنيه في شهر واحد فقط على بنود غير ضرورية في لحظة تعلنون فيها حالة الطوارئ المالية؟".

إنفاق يقابله زيادة أعباء المصريين

وفي مقابل الإنفاق الحكومي المتعاظم، تدرس الحكومة المصرية البدء في تطبيق نظام الدعم النقدي بدلاً من الدعم العيني، اعتباراً من تموز/يوليو المقبل مع بداية العام المالي الجديد.

في قرار يزيد مخاوف نحو 69 مليون مستفيد من بطاقات الدعم التمويني من أن يذهب الدعم النقدي مع ارتفاع الأسعار وزيادة معدلات التضخم، ويتحسبون عدم رفع قيمة الدعم النقدي بشكل دوري، وتقليص الحكومة له مستقبلا، ما يزيد ضغوط الأسرة المصرية.

وتكشف أرقام الموازنة المصرية العامة الجديدة (2026-2027) عن توجه حكومي نحو زيادة الضرائب على المصريين، وزيادة التقشف لرفع قيمة الإيرادات، والتوجه نحو الاقتراض لترقيع العجز البالغ أكثر من 1.1 تريليون جنيه.

وفي السياق جاءت مخصصات الإنفاق بالموازنة الجديدة على الصحة بنسبة 1.72بالمئة من الناتج المحلي، ما يوازي 28.6 بالمئة من الحد الأدنى للإنفاق الذي اشترط الدستور ألا يقل عن 6 بالمئة من الناتج المحلي.

وقابل زيادة الإنفاق الحكومي، قرارات برفع أسعار الوقود بجميع أنواعه (بنزين وسولار وغاز) في 10 آذار/مارس الماضي، بين 14 و30 بالمئة، ثم أسعار ركوب المواصلات في 27 من الشهر ذاته بين 12.5 و25 للقطارات، و2 جنيه لمترو الأنفاق.

مع زيادة شهدها أيار/مايو الماضي بأسعار خدمات الاتصالات بين 9 و15 بالمئة، بفعل ارتفاع سعر الصرف، وارتفاع أسعار الكهرباء، والمحروقات وخاصة السولار المستخدم في تشغيل محطات المحمول التي تشغل 122 مليون خط هاتف.

وتتزامن زيادة إجمالي الإنفاق الحكومي مع اضطرار الحكومة للاقتراض لتوفير السلع الغذائية، حيث أكدت وكالة "بلومبيرغ"، في أيار/مايو الماضي، أن "مصر تسعى لتدبير تمويل خارجي بقيمة 1.4 مليار دولار لشراء سلع غذائية"، وذلك عبر قروض من بنوك خليجية: (إماراتية وبحرينية وأخرى مقرها بالسعودية).

الخلل الناتج وتآكل الإنفاق الدستوري

 وفي رؤيته الاقتصادية حول الخلل الذي تسببه هذه الأرقام في الموازنة العامة، وكيف يمتد أثرها ليزاحم الإنفاق على دعم وصحة وتعليم المصريين، يرى شيخون أن "الخطورة الحقيقية لهذه الأرقام تكمن في معادلة تكلفة الفرصة البديلة ومزاحمة الاستثمار التنموي".

وأوضح أن "الموازنة العامة في النهاية وعاء مالي محدود، والجنيه الذي يُصرف لا يمكن صرفه مرتين؛ وحين يلتهم الإنفاق الجاري الاستهلاكي والإداري نحو 144 مليار جنيه في 9 أشهر فإنه يقوم بإزاحة قسرية للمخصصات التي كان يجب أن توجّه لبناء الفصول الدراسية أو تجهيز المستشفيات العامة أو دعم القطاعات الإنتاجية".

وأكد أننا "أمام إشكالية تآكل الإنفاق الدستوري الحقيقي؛ فحتى لو التزمت الحكومة بالنسب الدستورية المحددة للصحة والتعليم كأرقام اسمية مطلقة فإن التضخم والمصاريف الإدارية المتضخمة داخل الوزارات والمقار تلتهم هذه المخصصات قبل أن تصل إلى المواطن في شكل خدمة حقيقية وهو ما يفسر التراجع الملموس في جودة التعليم والطبابة".

ويرى أن "الأشد وطأة وإدانة هو لجوء صانع القرار المالي عند عجز الموازنة وتضخم بند المشتريات الحكومية المحمي بنفوذ البيروقراطية إلى استسهال استخدام مقص التقليص في البند الأكثر مرونة وضعفاً وهو بند الدعم السلعي والخدمي هنا تدفع الحكومة بالمواطن البسيط ليكون كبش الفداء عبر رفع أسعار الطاقة والكهرباء والخدمات لتعويض العجز الناتج عن إخفاقها في السيطرة على كلفة تشغيلها الإداري".

لكن الأكثر إدانة من الناحية الفنية بحسب الأكاديمي المصري هو أن "جزءاً كبيراً من هذه القفزة في الإنفاق الحكومي لا يعكس بالضرورة توسعاً حقيقياً في الخدمات أو السلع التي تشتريها الدولة وإنما يعكس فشلاً ذريعاً في تقدير سعر الصرف".

وبين أنه "في الوقت الذي كانت الحكومة تبني موازنة العام المالي (2025/2026) على سعر افتراضي للدولار قدره 49 جنيهاً كان السعر الفعلي المعتمد من البنك المركزي في ذروة الأزمة (أواخر آذار/مارس 2026) قد قفز إلى مستويات تجاوزت 54 جنيهاً للدولار مسجلاً فارقاً يتجاوز 10 بالمئة عن تقديرات الموازنة".

ولفت إلى أن "النتيجة المنطقية الحتمية لهذه الفجوة هي أن كل فاتورة استيرادية سواء كانت قمحاً أو وقوداً أو حتى أدوات مكتبية وأثاثاً للجهاز الإداري تُسجل رقماً اسمياً أعلى في الموازنة بنفس نسبة انهيار العملة".

وقال: "هكذا تنقلب أداة تخفيض قيمة العملة التي يفترض أن تشجع الصادرات إلى سلاح ذي حدين يضرب خطط التقشف في مقتل، فالدولة تضطر للدفع بالجنيه أكثر مقابل نفس الخدمات ثم تعيد توجيه الاتهام للمواطن عبر رفع أسعار الوقود والدعم لتعويض هذا العجز الناتج عن خطأ في التقدير وسوء إدارة سعر الصرف".

وخلص للقول: "هذا الخلل يهدد السلم الاجتماعي ويفقد الشارع الثقة في جدوى التضحيات الاقتصادية التي يُطالب بها، الحكومة ترسب في اختبار التقشف لكنها تجعل المواطن يدفع ثمن رسوبها، وما دام الجهاز الإداري للدولة يأكل الموازنة من داخلها فكل وعود التنمية والعدالة الاجتماعية ستظل سراباً وكل جلسة تخفيض دعم ستكون عقاباً جماعياً على فشل إداري لا ذنب للمواطن فيه".

مرفق رابط تقرير عربى 21 المحجوب من قبل السلطات المصرية و لاجتيازة يلزم تطبيق فك الحجب

الرابط

https://87.106.161.253/story/1765086/%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D9%82%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B1%D8%B3%D8%A8-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%82%D8%B4%D9%81-%D9%88%D8%AA%D8%B1%D8%B4%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D9%81%D8%A7%D9%82?__cpo=aHR0cHM6Ly9hcmFiaTIxLmNvbQ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.