الثلاثاء، 30 يونيو 2026

شغل نصب

 

الرابط

شغل نصب

🔴 قبل أيام، بينما كان فريق #صحيح_مصر يُراجع مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026/ 2027، استوقفنا بند صغير مدرج ضمن باب الدعم والمنح. كان اسمه كافيًا للفت الانتباه "مكافآت لغير العاملين عن خدمات مؤداة".

◾المثير أن مخصصاته قفزت من 476 مليون جنيه في 2015 إلى 15 مليار جنيه في موازنة العام المقبل 2026/ 2027، وهو ما يعني زيادة تتجاوز 31 ضعفًا. 

◾وفي العام الماضي وحده، زاد هذا البند بقيمة 5 مليارات جنيه

◾ما قادنا إلى طرح سؤال، من هم  غير العاملين بالدولة الذين تكافئهم الدولة بمليارات الجنيهات سنويا. 

⚠️ حاول فريق "#صحيح_مصر" الحصول على إجابة من وزارة المالية، لكن طلباتنا للتعليق قوبلت بالرفض. وانتقلنا إلى الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، وكانت النتيجة نفسها. 

بعد رحلة بحث استمرت أسابيع، وجدنا الإجابة عن "عمر". 

◾عمر محمد، شاب ثلاثيني، مقيم في إحدى ضواحي شارع الهرم. يقول لصحيح مصر " إنه يعمل في إحدى الجهات الحكومية بنظام يسمى (عقود الاستعانة) التي تستمر لمدة 11 شهرًا. 

◾ويوضح، أن عقود الاستعانة لا تُلزم الحكومة بتعيين الموظف ولا الحصول على تأمين اجتماعي و لا الحق في الحصول على الحد الأدنى للرواتب. 

◾عبر عمر، تواصلنا مع عاملين آخرين بنفس نظام عقود الاستعانة التي كشف أنها تُموَّل من بند "مكافآت لغير العاملين بالحكومة". كما كشفت مراجعة لإعلانات التوظيف التي تنشرها الجهات الحكومية عن توسع في الاعتماد على هذه العقود. 

◾وارتبط توسع الحكومة في الاعتماد على "عقود الاستعانة" متوافقًا مع سياستها في تقليص أعداد العاملين بالجهاز الإداري للدولة، وعدم اعتماد سياسة التعيين الدائم التي تكفل للعامل حقه في الرواتب والتأمينات. 

◾ووفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، انخفض عدد العاملين في القطاعين الحكومي والعام من 6.26 مليون موظف عام 2014 إلى 4.9 مليون موظف عام 2025. 

🔴إنفاق متصاعد وإعلانات توظيف متكررة

◾تعكس أرقام الموازنة العامة اتساع الاعتماد على العاملين بنظام الاستعانة خلال السنوات الأخيرة. فوفقًا للبيان المالي لموازنة 2026/ 2027، قفزت مخصصات بند "مكافآت لغير العاملين عن خدمات مؤداة" إلى أكثر من 15 مليار جنيه، مقارنة بنحو 2.67 مليار جنيه فقط في موازنة 2022/ 2023، بزيادة تقارب ستة أضعاف خلال خمس سنوات.

◾وتكشف بيانات الموازنة أن نمو هذا البند لم يكن دفعة واحدة، بل جاء عبر زيادات متتالية. فقد ارتفعت الاعتمادات إلى 3.36 مليار جنيه في 2023/ 2024، قبل أن تقفز إلى 8.47 مليار جنيه في العام التالي، ثم إلى 9.43 مليار جنيه في موازنة 2025/ 2026. وفي مشروع موازنة العام المقبل، ترتفع المخصصات مجددًا بنحو 60% لتتجاوز 15 مليار جنيه.

◾كما تُظهر أرقام الموازنات السابقة حجم التوسع في بند مكافآت لغير العاملين عن خدمات مؤداة، ما يعكس الزيادة والطفرة في الطلب الحكومي على العاملين وفق هذا النظام، فبعدما كانت مخصصات هذا البند في 2014/ 2015 نحو 476 مليون جنيه زاد إلى ما يتجاوز مليار جنيه بزيادة تتجاوز الضعف في 2018/ 2019 بعد عامين فقط من إقرار قانون الخدمة المدنية، وسياسة الحكومة في عدم التوظيف بعقود دائمة. 

◾ولا يقتصر التوسع على أرقام الموازنة وحدها، بل ينعكس أيضًا في إعلانات التوظيف الصادرة عن الجهات الحكومية. فمراجعة أرشيف الإعلانات الرسمية تُظهر استمرار الطلب على العاملين بنظام الاستعانة في عدد من المؤسسات الحكومية خلال الأشهر الأخيرة.

◾ففي مارس الماضي، أعلنت الشركة المصرية لنقل الكهرباء عن حاجتها إلى 95 محاميًا للعمل بنظام عقود الاستعانة والمكافأة الشاملة في محافظات القاهرة والإسماعيلية والإسكندرية والمنيا وأسوان. وقبل ذلك بشهر، طرحت جامعة بني سويف وظائف لمهندسي كهرباء وميكانيكا بنظام الاستعانة، فيما أعلنت الهيئة القومية لسلامة الغذاء خلال يونيو الجاري عن وظيفة مفتش أغذية بالعقد ذاته.

🔴رواتب أقل من الحد الأدنى للأجور

◾لم يكن عمر محمد حالة فردية داخل منظومة عقود الاستعانة في الجهات الحكومية، إذ تشير تقديرات نقابية إلى أن عدد العاملين المؤقتين بهذا النظام يتجاوز 600 ألف عامل في مختلف القطاعات.

◾ورغم اتساع هذا النمط من التشغيل، يواجه كثير من العاملين فيه أوضاعًا مالية متواضعة. تقول رشا أحمد (اسم مستعار) لصحيح مصر، عُينت معلمة بعقد استعانة مع بداية العام المالي 2025/ 2026 لمدة 11 شهرًا انتهت في مايو الماضي، إن صافي راتبها بعد الخصومات لم يتجاوز 4 آلاف جنيه شهريًا، وهو أقل من الحد الأدنى للأجور المقرر في مصر والبالغ 8 آلاف جنيه.

◾المشهد لا يختلف كثيرًا لدى آخرين يعملون بالنظام نفسه. أسامة محمد (اسم مستعار)، الذي يعمل في أحد المستشفيات الحكومية بمحافظة المنوفية، يقول لـ"صحيح مصر" إن دخله الشهري لا يتجاوز 2000 جنيه.

🔴تنظيم الاستعانة بالعاملين خارج الجهاز الإداري 

◾لم يظهر نظام الاستعانة بالعاملين من خارج الجهاز الإداري للدولة في موازنات السنوات الأخيرة باعتباره إجراءً استثنائيًا، بل أصبح إطارًا تنظمه مجموعة من القواعد والضوابط التي كرست وجوده داخل الجهات الحكومية.

◾ففي عام 2022، وضعت التأشيرات العامة للموازنة العامة للدولة قواعد واضحة للصرف على بند "مكافآت لغير العاملين عن خدمات مؤداة" المدرج ضمن الباب الرابع للموازنة. وقصرت هذه القواعد الاستفادة من البند على من تستعين بهم الجهات الحكومية من خارج الجهاز الإداري للدولة ووحدات الإدارة المحلية والهيئات العامة، بعد الحصول على موافقة وزارة المالية، مع حظر استخدامه لصرف مكافآت الخبراء أو العمالة الموسمية.

◾كما أخضعت التأشيرات زيادة أعداد المستعان بهم أو رفع الاعتمادات المخصصة لهم لموافقة مسبقة من وزارة المالية بعد دراسة الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، وحددت سقفًا زمنيًا للاستعانة لا يتجاوز 11 شهرًا خلال العام المالي الواحد، على أن يتولى رئيس مجلس الوزراء إصدار الضوابط المنظمة لذلك بناءً على عرض من وزير المالية ورئيس الجهاز.

◾وخلال السنوات التالية، واصلت وزارة المالية التشديد على هذا الملف في منشورات إعداد الموازنة. ففي تعليمات إعداد موازنات عامي 2025/ 2026 و2026 /2027، طلبت الوزارة من الجهات الحكومية تقديم بيانات تفصيلية عن جميع المستعان بهم على هذا البند، تشمل مؤهلاتهم الدراسية، وتاريخ بدء الاستعانة، وطبيعة المهام المكلفين بها، ومدتها، وقيمة ما يتقاضونه شهريًا، فضلًا عن المبررات التي تستدعي استمرار الاستعانة بهم.

◾ولم تكتفِ التعليمات بحصر الأعداد والتكلفة، بل شددت على أن تكون الاستعانة مرتبطة بأعمال مؤقتة أو عرضية لا تتسم بالاستمرارية، مع الالتزام بأحكام الكتاب الدوري الصادر عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء في نوفمبر 2021.

🔴المالية تعترف: لا تأمينات ولا حد أدنى للرواتب لعقود الاستعانة

◾كما أكد ممثل وزارة المالية في مجلس النواب في الجلسة الخاصة بإقرار مشروع قانون العلاوة الدورية والعلاوة الخاصة للعاملين بالدولة اليوم الأحد، أن العاملين بعقود الاستعانة لا يُطبق عليهم الحد الأدنى للأجور، نظرًا لكونها عقود محددة المدة لا ترتب أي التزامات على الحكومة بالتعيين الدائم أو حصولهم على تأمينات. 

◾من جهتها، أوصت لجنة القوى العاملة بمجلس النواب بحصر العمالة المؤقتة، محذرة من توسع الحكومة في الاعتماد على التوظيف بعقود الاستعانة التي يعمل بها بعضهم منذ ما يقرب من 10 سنوات دون تثبيت أو تأمينات أو استفادة من منظومة العلاوات الدورية. 

◾في المقابل، شرح رئيس سابق للجهاز المركزي للتنظيم والإدارة لـ"#صحيح_مصر" طبيعة عقود الاستعانة، بأنها ووفق الإطار القانوني المنظم لها، فإنها لا تُلزم الجهات الحكومية بتحويل المتعاقدين على بند "مكافآت لغير العاملين عن خدمات مؤداة" في الباب الرابع من الموازنة إلى تعيينات دائمة.

◾وأوضح أن هذه العقود تُبرم عادة لمدة محددة أو لتنفيذ مشروع بعينه، وتنتهي بانتهاء مدتها أو اكتمال المهمة المتفق عليها، دون أن ينشأ عنها أي حق لاحق في التعيين داخل الجهاز الإداري للدولة. كما أشار إلى أن الأجر المتفق عليه يخضع لشروط العقد وطبيعة المهمة، وليس لقواعد الحد الأدنى للأجور المطبقة على الوظائف الدائمة.

◾ورغم أن قرارات المجلس القومي للأجور لا تميز من حيث المبدأ بين العقود الدائمة والمؤقتة فيما يتعلق بالحد الأدنى للأجور، فإن المسؤول السابق أوضح أن توقيع المتعاقد على قيمة الأجر الواردة في العقد يُعد قبولًا قانونيًا بها، وهو ما يُسقط — من وجهة نظر التطبيق العملي — إلزام الجهات الحكومية بتطبيق الحد الأدنى للأجور على هذه الفئة من العقود.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.