🔴 دخلت الحكومة المصرية، في جولة جديدة من التفاوض والضغط على الرهبان اليونانيين في دير سانت كاترين، جنوب سيناء، للإذعان للحكم القضائي بنقل ملكية الدير والأراضي المحيطة إلى الحكومة المصرية، مقابل السماح للرهبان بالانتفاع بالدير، وبعض الحدائق، بعد تحصيل رسوم زهيدة، بجانب الحصول على إقامة رسمية للرهبان في #مصر تُجدد كل 3 سنوات بدلا من سنة واحدة.
⚠️ اعتمد "#صحيح_مصر" على مقابلات مع مصادر مقربة من رهبان الدير، وأخرى بوزارة العدل، لتتبع مسار المفاوضات، وكشف كواليس الصراع على الدير، وكيف تلعب السياسة والعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية دورًا في رسم ملامح التسوية، وتحديد مصير الدير وأراضيه.
🔴 تاريخ الدير
◾بحسب الموسوعة البريطانية، يُعد دير سانت كاترين، الواقع في جبال جنوب سيناء، أحد أقدم الأديرة المسيحية في العالم، ويعود تاريخه إلى العصر الروماني.
◾أُقيم أولًا في القرن الرابع الميلادي بأمر من الملكة هيلانة، والدة الإمبراطور قسطنطين، حول شجرة العليقة المقدسة، قبل أن يُشيَّد الدير بصورته الحالية عام 530 ميلاديًا بأمر من الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول لتحصين الموقع وحماية الرهبان.
◾وكان يتبع كنيسة #القدس قبل أن يصبح أصغر الكنائس الأرثوذكسية المستقلة ذاتيًا، مع ارتباطه الروحي بالكنيسة اليونانية.
◾ولا يزال الدير يحتفظ بمعظم عناصره المعمارية البيزنطية، بما في ذلك أسواره الأصلية وكنيسة التجلي، ويضم واحدة من أهم مجموعات الأيقونات والمخطوطات المسيحية في العالم، إذ تحتوي مكتبته على نحو 6 آلاف مخطوطة باليونانية والعربية ولغات أخرى.
◾كما يضم إلى جانب كنائسه مسجدًا شُيد في العصر الفاطمي لخدمة المسلمين في المنطقة، وأدرجته اليونسكو على قائمة التراث العالمي عام 2002.
🔴 صراع على السيطرة
◾ولكن بخلاف مقر الدير وكنائسه ومسجده الفاطمي، يتبع الدير مجموعة من الأراضي المجاورة، تتوزع بين أراضٍ زراعية وأخرى فضاء، ويحتضن بعضها كنائس وصوامع وأضرحة ذات قيمة أثرية نادرة، وتقدر بحسب مصادر مقربة من الرهبان تحدثت إلى "#صحيح_مصر"، بنحو 71 قطعة أرض.
◾ويحكم الدير منذ القرن العاشر الميلادي، مجموعة من الرهبان اليونانيين، ورغم تمتعهم بالحكم الذاتي، لكنهم يتبعون روحيًا للكنيسة الأرثوذكسية اليونانية.
◾ولكن في العام 2012، حرر لواء سابق بالقوات المسلحة، وأحد المشاركين في حرب أكتوبر 1973، أحمد رجائي عطية، محضرًا لطرد الرهبان اليونانيين من الدير، وشكل جبهة باسم "جبهة الدفاع عن سانت كاترين"، وضم إليها أثريين ومحاميين، في محاولة لإعادة الدير لتبعية الدولة المصرية، بحسب تصريحاته آنذاك.
◾وفي عام 2015، وبعد تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي حكم مصر، دخلت الحكومة المصرية على خط التقاضي، بعدما رفعت محافظة جنوب سيناء دعوى قضائية لطرد الرهبان وتسليم جزء من أراضي الدير، وإلزام مطران الدير بدفع مبلغ خمسة ملايين جنيه تعويضًا عن التعدي على هذه الأراضي، في القضية رقم 24 لسنة 2015.
◾وسرعان ما انضمت وزارتا الآثار والبيئة إلى الدعوى، بصفتهما أصحاب ولاية، لما يحتويه موقع الدير من مناطق مسجلة أثريًا، كما تعتبر الحكومة المصرية منطقة #سانت_كاترين بأكملها محمية طبيعية.
◾في 30 مايو 2020، قضى حكم أول درجة من محكمة جنوب سيناء في الدعوى رقم 24 لسنة 2015 مدني كلي شرم الشيخ، بطرد مُطران دير سانت كاترين من 29 قطعة من أراضي الدير وتسليمها بما عليها من منشآت إلى الدولة، مع اعتبار تلك المنشآت تعويضًا عن عدم الانتفاع بالأراضي من تاريخ غصبها وحتى صدور الحكم، فيما رفضت المحكمة ضم 42 قطعة من أراضي الدير الأخرى إلى ملكية الحكومة.
◾ولكن يبدو أن الحكم لم يرضِ أي من الطرفين، إذ تقدم كل من المطران ومحافظ جنوب سيناء باستئنافين على الحكم، إذ رفض المطران الحكم بطرده من 29 قطعة من أراضي الدير، فيما رفضت المحافظة الاكتفاء بالحصول على الـ 29 قطعة، وطالبت بتسليمها كافة الأراضي المتنازع عليها وعددها 71 قطعة، والحصول على تعويض قدره 10 ملايين جنيه.
🔴 سانت كاترين على خط التطوير: التجلي الأعظم
◾في العام 2021، وبالتزامن مع إجراءات التقاضي والصراع بين الحكومة ورهبان الدير، أعلنت الحكومة المصرية عن مشروع تطوير مدينة سانت كاترين تحت اسم "التجلي الأعظم"، كأحد أبرز المشروعات القومية والسياحية التي تنفذها الدولة المصرية، ويهدف إلى تحويل المنطقة المحيطة بالدير والجبال المقدسة إلى مقصد عالمي للسياحة الروحانية، والبيئية.
◾يتضمن المشروع حزمة واسعة من الأعمال الإنشائية والخدمية، وتشمل تطوير منطقة وادي الدير، وإنشاء "مركز الزوار الجديد"، وفندق جبلي صديق للبيئة، ونزل بيئي، وتطوير منطقة الاستقبال، فضلاً عن إنشاء ساحة السلام العالمي ومجمع إداري جديد وتطوير إسكان البدو المحليين لدمجهم في عملية التنمية.
◾ووضعت الحكومة ضمن مخطط التطوير، مساحات واسعة من الأراضي التابعة للدير، بحسب مسؤول سابق في لجنة الخبراء بوزارة العدل، كان على اطلاع على ملف الدير حتى خروجه للمعاش في ديسمبر الماضي، ووافق على التحدث لـ"#صحيح_مصر".
◾وأضاف المصدر أن الحكومة وضعت مسار مشروع "التجلي الأعظم" انطلاقًا من الأراضي التي تعدها مملوكة للدولة، بناء على الحكم القضائي الصادر في العام 2020، والتي يفرض الدير سيطرته عليها حتى الآن، بحسب تعبيره.
🔴 العلاقات الدبلوماسية مع اليونان: غاز وكهرباء وفي القلب الدير
◾في 6 أغسطس 2020، وقعت مصر واليونان اتفاقية لتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة في شرق البحر المتوسط، لإتاحة التنقيب عن الغاز والنفط، وفي أكتوبر 2021، وقعت مصر واليونان مذكرة تفاهم لبناء كابل كهربائي عملاق يربط بين البلدين، وهو أول اتفاق من نوعه يُوقّع بين أوروبا وأفريقيا في جنوب شرق البحر المتوسط.
◾ينقل المشروع الطاقة النظيفة من مصر إلى #أوروبا عبر اليونان، وستقوم أثينا باستخدام جزء من الطاقة في استخدامات صناعية، وتصدير الجزء الأكبر إلى الدول الأوروبية، وفقاً لما أوضحه مصدر يوناني لصحيفة بلومبرج.
◾وفي مايو 2025، وبينما كان الرئيس #السيسي في لقاء مع الرئيس اليوناني للتحدث عن تلك المشروعات بين البلدين، سُأل عن الدير فقال: "لا مساس بدير سانت كاترين"، مشدداً على التزام الدولة المصرية بحماية الدير وكل المقدسات الدينية. واستنكر بشدة الشائعات التي تحدثت عن إخلاء الدير أو بيعه، ووصف التعاقد بين الدير والدولة المصرية بأنه "أبدي لا يمكن مسه".
◾بحسب مسؤول لجنة الخبراء بوزارة العدل، فإن تصريحات الرئيس جاءت في سياق مفاوضات كانت تجريها الحكومة مع رهبان الدير، وقال المسؤول "إنها وصلت إلى مراحلها النهائية". وأضاف أن التقارب الاقتصادي والدبلوماسي بين مصر واليونان أسهم في إطلاق تلك المفاوضات برعاية يونانية، وكانت تستهدف التوصل إلى تسوية تعيد ملكية الأراضي كاملة إلى الدير، مع تنظيم أعمال الإنشاءات في مشروع التجلي الأعظم بما لا يمس المناطق الأثرية، وذلك تحت إشراف منظمة اليونسكو.
◾وفي 28 مايو 2025، وبعد أيام من تصريحات الرئيس السيسي، ورغم اقتراب وصول المفاوضات إلى نهايتها، صدر الحكم من محكمة استئناف الإسماعيلية في الطعون المقدمة على حكم عام 2020، مما أعاد المفاوضات إلى نقطة الصفر.
◾وتضمن تصنّيف المحكمة قطع الأراضي الـ 71 محل النزاع إلى أربعة أقسام رئيسية؛ تضمن الأول: أراضٍ لم يثبت حيازة مطران دير سانت كاترين لها، ويجب عودتها إلى الدولة، بينما شمل الثاني أراضٍ ذات طابع ديني تعد من أملاك الدولة ويحوزها المطران بالإنابة عن رئيس الجمهورية (29 قطعة). أما القسم الثالث فضم الأراضي المحرر بشأنها عقود بيع ابتدائية بين المطران ومحافظ جنوب سيناء منذ عام 2004 (17 قطعة).
◾وفيما يخص القسم الرابع، فقد حدد الأراضي التي تقرر طرد المطران منها، والتي يحتوي بعضها على منشآت ذات طابع ديني كالقلايات (غرف الرهبان).
◾واستند الحكم في حيثياته إلى تعريف دقيق لـ "الحيازة الدينية"، ليفصل بموجبه الأماكن ذات الطابع الديني والعبادة عن بقية المساحات الأخرى المستغلة اقتصاديًا.
◾وترفض مصادر مقربة من الرهبان، تحدثت إلى "#صحيح_مصر" هذا الوصف، مشيرة إلى أن الأراضي المستغلة اقتصاديا هي المسؤولة عن الإنفاق على الدير وتمويل ممارسة الشعائر، والإنفاق على صيانة الدير ومبانيه، ولا يمكن فصله عن الولاية الدينية، وتقول مشددًة: "بدونه لن نجد طعامًا لنعبد الرب".
◾وفي كل الحالات، فإن هذا الحكم، نزع مكلية الأراضي من الرهبان والدير بالتبعية، وأصبحت ملكًا للدولة، ووجود الرهبان بها مرهون بالحيازة الدينية وعقود بيع ابتدائية مع محافظة #جنوب_سيناء، لا تنقل الملكية كاملًا للدير، بخلاف طردهم من عدد من الأراضي تقدر بنحو 25 قطعة أخرى.
◾أي أصبح في حيازة الرهبان بنظام حق الانتفاع، نحو 46 قطعة من الأراضي المتنازع عليها، وعادت إلى الحكومة نحو 25 قطعة، مع التأكيد على عدم ملكية الرهبان لتلك الأراضي أو المباني المقامة عليها.
◾رفض رهبان الدير الحكم، فتقدموا، عبر محاميهم، في أغسطس 2025 بطعن أمام محكمة النقض، أعلى سلطة قضائية في البلاد. وفي موازاة المسار القضائي، زار رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس مصر في نوفمبر 2025، أي بعد خمسة أشهر من صدور الحكم وشهرين من النقض عليه، وتوجه خلال الزيارة إلى جنوب #سيناء، حيث التقى رهبان دير سانت كاترين وزار الدير.
🔴 عرض الحكومة المصرية الجديد
◾مؤخرًا، وتحديدًا خلال الأسبوع الماضي، بدأت جولة جديدة من المفاوضات بين الحكومة المصرية عبر ممثلين من وزارتي الخارجية والعدل من جهة، ووفد مطرانية دير سانت كاترين برئاسة الأنبا سيميون من جهة أخرى، في محاولة للتوصل إلى اتفاق بشأن الوضع القانوني للدير ومحيطه، بحسب مصادر مقربة من رهبان الدير لـ"#صحيح_مصر".
◾وقالت المصادر المقربة من الرهبان إن مقترح الحكومة المصرية يقضي باعتراف الرهبان بنقل تبعية المواقع الـ71 إلى ملكية الحكومة المصرية وإنهاء إجراءات التقاضي، مقابل عودتها إلى حوزة الرهبان كاملة ومبانيها بنظام حق انتفاع دائم للرهبان دون مقابل لبعضها، ورسوم رمزية تُحدد لاحقًا للبعض الآخر وخاصة المزارع والحدائق.
◾وأضافت أن المقترح يشمل أيضًا اعتراف الحكومة المصرية برئاسة الأنبا سيميون للدير، إذ لم تعتمد تعيينه الحكومة المصرية منذ انتخابه في نوفمبر 2025، إلى جانب تسهيل إجراءات إقامة الرهبان غير المصريين، بحيث تُجدد كل ثلاث سنوات بدلًا من التجديد السنوي.
◾وأوضحت المصادر أن الأنبا سيميون انتُخب رئيسًا للدير من جانب الرهبان في نوفمبر 2025، إلا أن الحكومة، بحسب قوله، لم تعتمد تعيينه حتى الآن، وهو ما يعني أن المنصب لا يزال، من الناحية القانونية في مصر، شاغرًا، منذ استقالة المطران دميانوس في سبتمبر 2025.
◾وترى المصادر أن عدم اعتماد التعيين، إلى جانب ملف إقامة الرهبان الأجانب، يمثلان وسيلتين للضغط من أجل قبول الاتفاق، ووقف الطعون المقامة أمام القضاء، ونقل ملكية الأراضي إلى الدولة. وأضاف أن الاجتماع انتهى دون التوصل إلى اتفاق، في ظل وساطة تجري حاليًا من السفارة الأمريكية بالقاهرة ومنظمة اليونسكو لتقريب وجهات النظر بين الطرفين.
◾وتشير المصادر إلى أن ذلك المقترح لا يختلف كثيرًا عن مآلات الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف العام الماضي، بل ينتقص من الحقوق التي كانت قائمة سابقًا، إذ يتراجع عن حصول المطران الجديد الجنسية المصرية، على خلاف ما جرى مع المطران السابق خلال عهد الرئيس الأسبق أنور السادات.
◾وعن الموقف اليوناني، رغم تأكيد أثينا في مايو 2025 رفضها أي إجراءات تخرج عن التفاهمات المشتركة مع مصر بشأن الدير، قالت المصادر إن الحكومة اليونانية، بحسب معلوماته، تمارس بدورها ضغوطًا على الأنبا سيميون للموافقة على عرض الحكومة المصرية، في ظل حرصها على عدم تأثر مصالحها الاقتصادية مع مصر، ومن بينها مشروعات مرتبطة بقطاع الطاقة.
◾وكشف مسؤول لجنة الخبراء بوزارة العدل في حديثه مع "#صحيح_مصر" أن العرض ينطلق من قاعدة أن الأحكام القضائية منذ بدء النزاع القضائي عام 2014 صدرت جميعها لصالح الحكومة. وأشار إلى أن المعلومات التي وصلت إليه تفيد بأن إدارة الدير تفضل انتظار الحكم النهائي في القضية، والمقرر صدوره في 23 أغسطس المقبل، قبل اتخاذ قرار بشأن توقيع أي اتفاق مع الحكومة.
◾ويعد حكم محكمة النقض، آخر درجات التقاضي في القضية، بوصفها السلطة الأعلى قضائيًا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.