🔴 في ظل أزمة إغلاق مضيق هرمز، أمام النفط الخليجي، اتجهت الإمارات إلى توسيع قدرتها على تخزين، بعيدا عن منطقة الصراع، عبر استئجار وتطوير مساحات تخزين على سواحل مصر المطلة على البحرين الأحمر والمتوسط، في خطوة تستهدف تأمين مسارات تصدير النفط وتقليل الاعتماد على المضيق.
◾ ويأتي هذا التحرك بعدما أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران إلى إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا وخُمس صادرات الغاز الطبيعي المسال عالميًا، ما دفع أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ يوليو 2022.
◾ وفرضت الحرب سباق للبحث عن بدائل لنقل الطاقة بعيدًا عن هذا الممر الاستراتيجي. وبينما اتجهت بعض الدول إلى التخطيط لإنشاء خطوط أنابيب برية تحتاج سنوات للتنفيذ، اختارت الإمارات حلًا أسرع يتمثل في تعزيز قدراتها التخزينية خارج منطقة الخطر.
في التقرير التالي، يرصد "صحيح مصر" كيف تحوّلت البنية التحتية المصرية للموانئ إلى ورقة استراتيجية في يد أبوظبي لتفادي مخاطر هرمز والحفاظ على انسيابية صادراتها وتجارتها النفطية وقت الأزمات.
🔴 البداية من المتوسط: اتفاقيات الفجيرة والعلمين
◾ في أكتوبر 2025، أي قبل أشهر من ذروة الحرب، وقّعت مصر وإمارة الفجيرة ثلاث اتفاقيات طاقة موقّعة في الفجيرة بحضور وزير البترول المصري كريم بدوي ومدير ديوان عهد الفجيرة محمد سعيد الظنحاني.
◾ نصّت الاتفاقية الأولى على تأسيس شركة مساهمة مصرية لتطوير منطقة لوجستية لتخزين وتجارة النفط الخام والمنتجات البترولية على ساحل البحر المتوسط في العلمين الجديدة، فيما خصّصت الثانية لتخزين الخام في مرافق ميناء الحمراء البترولي، بينما تضمّنت الثالثة عقداً تجارياً لتوريد المنتجات البترولية مباشرة للهيئة المصرية العامة للبترول.
◾ المشروع، الذي تنفذه شركة "ويبكو" المصرية المملوكة للدولة بالشراكة مع مؤسسة الفجيرة للنفط والغاز، يستهدف رفع الطاقة التخزينية لميناء الحمراء من نحو 2.5 - 2.8 مليون برميل حالياً إلى 5.3 مليون برميل، ثم إلى 20 مليون برميل بحلول عام 2030.
◾ كما يهدف المشروع لإضافة طاقة تخزينية للمنتجات البترولية تصل إلى 400 ألف طن، عبر استثمارات تقدَّر بنحو 457 مليون دولار في المرحلة الحالية وحدها، ضمن مشروع أوسع تقوده الفجيرة بقيمة تصل إلى 3 مليارات دولار لبناء منطقة لوجستية نفطية متكاملة في العلمين، بحسب منصة "إنتربرايز".
◾ ووصف وزير البترول المصري ميناء الحمراء بأنه "أحد الركائز الاستراتيجية للبنية التحتية البترولية المصرية"، مؤكداً أن تطويره يتم بالاستفادة من خبرات ميناء الفجيرة الإماراتي ونظمه التشغيلية.
◾ بهذا المعنى، أصبحت مصر تستنسخ على ساحلها المتوسطي نموذج ميناء الفجيرة نفسه، الذي يقع خارج مضيق هرمز على خليج عُمان ويُستخدم أصلاً كمنفذ إماراتي للتحايل على الاختناق الجغرافي للخليج. [1]
🔴 البحر الأحمر: عروض متتالية على مخازن عين سخنة ورأس بدران
◾ مع تصاعد الأزمة في الخليج مطلع 2026، بدأت مصر تسويق فائض طاقتها التخزينية على البحر الأحمر، والمقدر بنحو 29 مليون برميل موزعة على عشرة مرافق تخزين في مينائي عين سخنة ورأس بدران، لشركات التداول والنقل والتخزين الدولية، في وقت لجأت فيه شركة أرامكو السعودية بالفعل إلى تحويل مؤقت لبعض شحناتها إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر لضمان استمرار الإمداد.
◾ وسرعان ما كانت مجموعة موانئ أبوظبي "AD Ports" أول الوافدين على هذا العرض؛ إذ كشفت التقارير في أبريل الماضي عن مفاوضات متقدمة بين الشركة الإماراتية والحكومة المصرية لاستئجار مخازن النفط الخام والمشتقات على ساحل البحر الأحمر، مع توقعات بإبرام اتفاق نهائي قبل نهاية الربع الثاني من العام، فيما كانت المحادثات لا تزال تتناول عدد الخزانات ومواقعها ومدة الإيجار وما إذا كانت ستكون شهرية أو سنوية.
◾ وجاء هذا العرض استكمالاً لمذكرة تفاهم كانت موانئ أبوظبي قد وقّعتها في يوليو 2025 مع وزارة البترول المصرية وشركة "TCM" الإماراتية لاستكشاف التشغيل والتطوير المشترك لشبكة التخزين النفطي الاستراتيجية في مصر، التي وصفتها الشركة بأنها "بنية تحتية حرجة ضمن سلسلة القيمة الوطنية للطاقة".
◾ ولم يمضِ وقت طويل حتى دخلت مؤسسة الفجيرة للنفط والغاز على خط البحر الأحمر أيضاً؛ إذ كشفت تقرير لـ"إنتربرايز" عن دخول المؤسسة في محادثات مع الهيئة المصرية العامة للبترول لاستئجار مخازن للخام والمنتجات البترولية على الساحل ذاته، في منتصف يوليو الجاري.
◾ وبذلك، أصبحت ثاني جهة إماراتية خلال أشهر تسعى للحصول على مخازن مصرية على البحر الأحمر بعد موانئ أبوظبي، ولتضع الفجيرة قدماً لها على الساحلين المصريين معاً بعد أن كانت حاضرة أصلاً على المتوسط عبر مشروع العلمين. [2]
🔴 نمط أوسع من التمدد الإماراتي في الموانئ المصرية
◾ اتسع الحضور الإماراتي في قطاع الموانئ المصري بصورة متسارعة منذ عام 2022 عبر مجموعة موانئ أبوظبي، التي بنت محفظة استثمارات تشمل تشغيل الموانئ، ومحطات الحاويات، والخدمات البحرية واللوجستية.
◾ فإلى جانب استحواذها على شركتي ترانسمار للنقل البحري وتي سي آي لتشغيل الموانئ في عام 2022، حصلت المجموعة في عام 2023 على امتياز لمدة 30 عامًا لتطوير وتشغيل محطة متعددة الأغراض في ميناء سفاجا على البحر الأحمر باستثمارات تُقدر بنحو 200 مليون دولار.
◾ كما نالت امتيازات طويلة الأجل لتطوير وتشغيل محطات سفن الركاب السياحية في موانئ سفاجا والغردقة وشرم الشيخ، ووقعت اتفاقات مبدئية لتطوير وتشغيل محطة للرحلات البحرية ومحطة للرورو (Roll-on/Roll-off) في ميناء العين السخنة.
◾ وفي عامي 2025 و2026، واصلت المجموعة توسعها بتوقيع اتفاقية حق انتفاع لمدة 50 عامًا لتطوير وتشغيل منطقة "كيزاد شرق بورسعيد" الصناعية واللوجستية على مساحة 20 كيلومترًا مربعًا عند المدخل الشمالي لقناة السويس، إلى جانب توقيع مذكرة تفاهم لدراسة إنشاء منطقة لوجستية متكاملة في الإسكندرية.
◾ وفي نوفمبر 2025 استحوذت على حصة 19.3% في شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع، أحد أكبر مشغلي محطات الحاويات في البلاد، قبل أن تحاول لاحقًا التقدم بعرض للاستحواذ على حصة إضافية تمنحها السيطرة على الشركة.
◾ ويأتي هذا التمدد في سياق استراتيجية إماراتية أوسع لتقليص الاعتماد على مضيق هرمز؛ فأبوظبي تعتمد أصلاً على خط أنابيب حبشان - الفجيرة الذي ينقل حتى 1.8 مليون برميل يومياً عبر 403 كيلومترات برّية إلى خارج الخليج مباشرة.
◾ وقد وجّه ولي عهد أبوظبي، خالد بن محمد بن زايد، بتسريع إنجاز خط أنابيب جديد (الشرق - الغرب) لمضاعفة طاقة التصدير عبر الفجيرة بحلول عام 2027، إلى جانب تأمين موطئ قدم إماراتي عند الطرف الشمالي للبحر الأحمر عبر اتفاق موانئ أبوظبي في فبراير 2026 لتشغيل ميناء العقبة الأردني بحصة ملكية 70%.
◾ في هذا الإطار، تمثل مخازن النفط المصرية على البحرين المتوسط والأحمر حلقة تكميلية ضمن شبكة أوسع تسعى الإمارات من خلالها إلى ضمان استمرارية صادراتها وتجارتها النفطية بمعزل عن أي إغلاق أو تعطيل لممر هرمز. [3]
🔴 مكاسب مصرية مقابل مخاطر تبعية
◾ من زاوية مصرية، يحقق هذا التوجه الإماراتي مكاسب مباشرة؛ إذ يعزز موقع مصر كمركز إقليمي لتجارة النفط الخام والمشتقات البترولية، ويجلب تدفقات استثمارية وعائدات إيجار لخزانة الدولة، ويدعم موقعها في التنافس شرق المتوسط -بين تركيا وإسرائيل وإيطاليا واليونان وقبرص- على أدوار مراكز الطاقة الإقليمية والخدمات اللوجستية.
◾ كما تملك مصر بالفعل بنية تحتية واسعة تؤهلها لهذا الدور، تضم 19 ميناءً تجارياً (14 منها قيد التطوير) ونحو 79 منشأة تخزين بترولي تم إنشاؤها أو تطويرها في السنوات الأخيرة، بحسب "إنتربرايز".
◾ غير أن هذه المكاسب، بحسب ما تخلص إليه سلسلة من الأبحاث الصادرة عن مركز كارنيجي للشرق الأوسط، ترتبط بمخاطر بنيوية تتجاوز مجرد التساؤل حول الشفافية إلى صميم بنية القرار الاقتصادي المصري.
◾ في دراسة مشتركة صدرت عن الباحثة حفصة حلاوة بعنوان "استثمار الخليج في مصر: توازن الحاجة المتبادلة"، توضح أن هذا القطاع بالكامل يقع خارج نطاق "سياسة ملكية الدولة" التي أقرتها الحكومة كإطار تنظيمي للخصخصة، أي إنه محرر عملياً من أي رقابة أو شفافية مؤسسية معلنة.
◾ وتشير الدراسة إلى أن أجهزة أمنية مصرية عبّرت بشكل خاص عن "توتر" حيال مفاوضات الإمارات لاستحواذ على مرافق في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تحديداً، في عام 2023. "بالنسبة للإمارات يمكن للاستثمارات في الموانئ والخدمات اللوجستية المصرية أن تحقق مكاسب سياسية وأمنية، فضلاً عن المكاسب المالية"، حسبما تشير الدراسة.
◾ الدراسة نفسها رصدت أن مفاوضات موازية لبيع حصة في شركة "المصرية للاتصالات" للإمارات انهارت لاحقاً وسط "مخاوف من التفريط في أصول استراتيجية"، بحسب تعبير الدراسة، فيما ظل صندوق مصر السيادي -الأداة الرسمية المفترضة لإدارة هذه الاستثمارات- أقل نفوذاً من قنوات التفاوض الثنائية المباشرة بين الرئاستين المصرية والإماراتية، وهو ما يفتح الباب أمام صفقات، بحسب وصف الدراسة، "أكثر تسييساً" من أن تخضع لمعايير تجارية بحتة.
◾ أما أحدث الأوراق البحثية الصادرة عن المركز ذاته، بعنوان "اقتصاد الإيجار العسكري في مصر وحدوده" والمنشورة في يوليو 2026 للباحث يزيد صايغ، فتقدم تشخيصاً أوسع لطبيعة هذه الاستثمارات؛ فالمشروعات العملاقة الممولة خليجياً على الساحلين المصريين -وعلى رأسها مشروع "رأس الحكمة" الإماراتي باستثمار 35 مليار دولار ومشروع "علم الروم" القطري الموازي بقيمة 29.7 مليار دولار- تدار من قبل جهات عسكرية تعمل خلف "جدار معلوماتي" يحول دون أي تدقيق مستقل في جدواها المالية أو في تبعاتها البيئية والاجتماعية، بذريعة الأمن القومي.
◾ الخلاصة التي تطرحها الورقة هي أن هذا النموذج، القائم على تحويل الأراضي والبنية التحتية إلى "أصول إيجارية" تُموَّل عبر ضخ رأسمال أجنبي متواصل، يُبقي مصر "رهينة" لاستمرار تدفقات هذا الرأسمال أكثر من كونه مساراً لتوليد فائض اقتصادي محلي مستدام. [4]
🔴 الموانئ كأداة سياسة خارجية إماراتية
◾ تشير دراسة "سياسة العُقَد الإماراتية وأثرها على إسرائيل والمحيط" الصادرة عن معهد "ميتفيم" الإسرائيلي للباحثة موران زغة، إلى أن الإمارات تنتهج في أربع ساحات جغرافية محددة -مصر والأردن وإسرائيل وقطاع غزة- ما تصفه بـ"تفهّم العُقَد"، أي استراتيجية جيوسياسية تقوم على السيطرة الفعلية على أصول مادية خارج حدودها -موانئ ومحطات طاقة وبنية تحتية حرجة أخرى- لخلق "مواطئ قدم" اقتصادية وأمنية دائمة.
◾ وتذكر الدراسة أن مصر تحديداً، إلى جانب الأردن، تستقبل من الإمارات استثمارات بمليارات الدولارات سنوياً، ما يجعلها أكبر ساحة لتطبيق هذه الاستراتيجية عالمياً.
◾ وتلفت إلى أن السيطرة على أصول استراتيجية من هذا النوع تمنح أبوظبي "نفوذاً مباشراً على تدفق البضائع والطاقة" وتوفر لها "أوراق مساومة قوية تؤثر على صناعة القرار في الدول المضيفة"، بما يمكّنها من لعب دور محوري في تحديد النظام الاقتصادي والأمني الإقليمي والتأثير على أنماط تصرف دول عديدة في المنظومة الإقليمية الأوسع.
◾ أما دراسة "الموانئ والقوة: أمننة سياسة الموانئ" الصادرة عن معهد "كلينجنديل" الهولندي لمؤلفَيها فيليم فان دن بيرج ويوس ميستر، والتي تركز على الاستثمارات الخليجية في موانئ منطقة القرن الأفريقي، المجاورة لمصر، فهي تخلص إلى أن هذه الاستثمارات غالباً ما "تعقبها" إقامة قواعد عسكرية، مستشهدة بحالة ميناء بربرة الصومالي.
◾ في 2016 فازت "موانئ دبي العالمية" بامتياز إدارة الميناء، وأعقب ذلك مباشرة إعلان أبوظبي عن نيتها بناء قاعدة عسكرية فيه، باستثمار أعلنته الشركة الإماراتية بلغ 442 مليون دولار. وترصد الدراسة أن توقيع اتفاق بربرة تزامن مع إقالة وزير الخارجية الصومالي المعارض للصفقة واستبداله بمسؤول مؤيد لها، إضافة إلى اتهامات لاحقة طالت برلمانيين صوماليين ورئيسين سابقين للصومال وأرض الصومال بتلقي رشى مقابل الموافقة على الاتفاق.
◾ وتقول الدراسة إن "موانئ دبي العالمية"، رغم تأكيدها استقلاليتها التجارية، "غالباً ما تُعتبر أداة" للسياسة الخارجية الإماراتية، وأن الدافع الخليجي للاستثمار في هذه الموانئ لا يقتصر على العائد الاقتصادي، بل يشمل هدفاً سياسياً هو الحيلولة دون رسوخ نفوذ إيراني على خطوط إمداد الخليج الرئيسية.
◾ أما دراسة "نقطة الاختناق: تنافس القوى الكبرى على البنية التحتية في البحر الأحمر" للباحث تومر ديكل، المنشورة في مجلة "Strategic Assessment" الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، فتصف النمط الإماراتي بأنه "نسخة من استراتيجية عقد اللؤلؤ"، أي شبكة من الموانئ إلى جانب سلسلة من "القواعد العسكرية المرنة" التي تُقام بسرعة وتُطوى حين تتغير الحاجة. [5]
◾ وتوضح أن مصر، إلى جانب جيبوتي، "مثالان بارزان" على دولة مضيفة تملك فيها عدة قوى كبرى موطئ قدم في البنية التحتية في آن واحد. إذ ترصد وجود استثمارات صينية موازية في قناة السويس وميناء العين السخنة وبورسعيد والإسكندرية، واستثمارات تركية بقيمة 7 مليارات دولار في منطقة صناعية ولوجستية عند ميناء جرجوب شمالي مصر، إلى جانب علاقات روسية متنامية شملت السماح لروسيا باستخدام قواعد وموانئ مصرية.
◾ هذا التزاحم يطرح، بحسب الباحث، سؤالاً مفتوحاً حول ما قد يحدث في لحظة صراع إقليمي فعلي: هل تُجبر الدولة المضيفة على الاصطفاف مع طرف وطرد الآخر -كما طالبت الإمارات والسعودية عدة دول في القرن الأفريقي بقطع علاقاتها مع تركيا وقطر إبان أزمة 2017- أم أن التواجد المزدوج لعدة قوى كبرى يمنع تفوق أي طرف بما يحول دون التصعيد أصلاً؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.