الثلاثاء، 21 يوليو 2026

"أمل" تنتصر.. حكم قضائي يفتح بابًا لإثبات نسب "أبناء الاغتصاب" استنادًا للبصمة الوراثية

 

"أمل" تنتصر.. حكم قضائي يفتح بابًا لإثبات نسب "أبناء الاغتصاب" استنادًا للبصمة الوراثية


في خطوة وصفت بأنها تحول تاريخي في مسار التقاضي وقضايا الأحوال الشخصية في مصر، أصدرت محكمة استئناف المنصورة (الدائرة 21 شرعي) حكمًا قضائيًا مهمًا يقضي بإثبات نسب طفلة لوالدها "المغتصب" استنادًا إلى نتائج تحليل البصمة الوراثية وما وصفته بـ"مقاصد الشريعة الإسلامية" وقانون الطفل.

الحكم الذي صدر في مايو/أيار الماضي، ولم تُنشر حيثياته بعد، كان محل مائدة حوار نظمتها مؤسسة قضايا المرأة المصرية، أول أمس الأحد، بحضور قانونيين ومتخصصين في الشريعة الإسلامية، واستهدفت بحث تداعيات الحكم.

ووفقًا لما شهدته النقاشات خلال مائدة الحوار، يُنهي الحكم الصادر في الاستئناف رقم 9829 لسنة 75 قضائية أسرة، مأساة قانونية وإنسانية طويلة عاشتها الفتاة أمل عبد الحميد، والتي تعرضت لواقعة خطف واغتصاب بالإكراه نتج عنها ولادة طفلتها عام 2019.

وواجهت أمل طيلة هذه السنوات رفضًا، معتادًا في مثل هذه القضايا، من قبل الجهات الرسمية لإثبات نسب ابنتها لوالدها المغتصب، ما اعتبرته في تصريحات سابقة لـ المنصة مهددًا لمستقبل الطفلة بوصفه يحرمها من الحصول على شهادة ميلاد ومن ثم الالتحاق بالمدرسة مثل بقية الأطفال.

وقبل صدور ذلك الحكم، كانت أحكام القضاء تُصر على رفض إثبات نسب أبناء المغتصَبة، ضمن معضلة أكبر تتمثل في عدم اعتراف القضاء بأبناء الزنا والاغتصاب، وعليه فلم يكن ينسب الطفل لوالده؛ استنادًا إلى القاعدة الشرعية الولد للفراش، والتي تستند إلى الحديث "الولد للفراش وللعاهر الحجر"؛ أي أن الزاني لا حق له في الولد، ولا يُعترف به عمومًا إلا في ظل العلاقة الزوجية.

وفي حالة أمل، دام رفض إثبات نسب ابنتها، حتى بعد صدور حكم جنائي بات من محكمة النقض بإدانته في هذه الواقعة بجريمتي الخطف والاغتصاب ومعاقبته بالحبس مع الشغل، إلى أن وصلت القضية إلى محكمة أنصفتها وحققت لها طلباتها.

معركة قانونية

حملت أوراق الحكم تفاصيل معركة إجرائية معقدة خاضها السيد بدرة، محامي أمل؛ خاصة بعد أن قضت المحكمة الجنائية في وقت سابق ببراءة الوالد المغتصب ما أسند إليه من اتهامات الخطف والاغتصاب.

لم يقف حكم البراءة وحده خلف المشهد المعقد، بل تزامن صدوره مع رفض محكمة الأسرة في 27 سبتمبر/أيلول 2019 دعوى إثبات نسب أقامتها أمل برقم 237 لسنة 2019، وصار ذلك الحكم نهائيًا لعدم التقدم باستئناف عليه في المواعيد القانونية.

لكن ذلك المشهد القضائي المعتم انقلب رأسًا على عقب بعد طعن النيابة العامة على حكم البراءة أمام محكمة النقض، والتي انتهت إلى إدانة الوالد المتهم بالاغتصاب ومعاقبته بالحبس سنة مع الشغل، لكونه وقت ارتكاب الجريمة طفلًا يبلغ من العمر 15 سنة.

فتح حكم النقض الباب أمام بدرة لإقامة دعوى إثبات نسب جديدة أمام محكمة الأسرة، وذلك في ضوء أدلة جديدة نتجت عن تحقيقات النيابة العامة تضمنت اعتراف المتهم وتحليل البصمة الوراثية والذي أكد نسب الصغيرة له، وهو ما جرى بالفعل بأن أقام بدرة دعوى جديدة برقم 592 لسنة 2021.

لكن ومع ذلك لم تُجب محكمة الأسرة طلبات أمل في إثبات نسب ابنتها، مؤكدة عدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها برفض دعوى سابقة مماثلة لها من محكمة الأسرة ذاتها.

أقام دفاع أمل استئنافًا على ذلك الحكم، مؤكدًا مخالفته القانون وخطأه في تطبيقه لإغفاله السبب في إقامة الدعوى والأدلة الجديدة متمثلة في اعتراف المتهم وتحليل البصمة الوراثية والذي أكد نسب الصغيرة لوالدها.

وشدد الاستئناف على أن تلك الأدلة لم تكن منظورة أمام المحكمة التي أصدرت الحكم في دعوى إثبات النسب الأولى، ومن ثم يكون الدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها غير قائم لأن سبب الدعوى الجديدة اختلف عن أسباب الدعوى الأولى.

إنصاف

تصدت محكمة الاستئناف في حيثيات حكمها بإثبات النسب، للرد على الاستناد لقاعدة "الولد للفراش" في رفض دعاوى إثبات النسب في حالات أبناء الاغتصاب تحديدًا، بأن أعادت تفسير تلك القاعدة، استنادًا لفتوى حديثة صادرة من هيئة كبار علماء الأزهر، أكدت أن تلك القاعدة شُرعت بالأساس لحفظ الأنساب وحماية الأسرة حال وجود علاقة زوجية قائمة متنازع عليها، ولا يجوز استخدامها كذريعة لإهدار حق طفل وُلِد نتيجة اعتداء جنائي كالاغتصاب.

وأوضحت المحكمة، في حيثيات حكمها الذي حصلت المنصة على نسخة منها، أن غياب عقد الزواج في حالة الاغتصاب لا يجب أن يكون عائقًا أمام إثبات النسب إذا ما توفر الدليل العلمي القاطع.

كما بنت المحكمة يقينها بوجوب إثبات نسب الطفلة لوالدها، على الحكم الجنائي النهائي والبات الصادر من محكمة النقض بحبسه مع الشغل لثبوت قيامه بـ"خطف الأم بالإكراه بأن اقتادها عنوة إلى إحدى البنايات، واقترنت بتلك الجناية جناية أخرى وهي أنه بذات المكان والزمان واقعها"، وهو الحكم الذي اعتبرته المحكمة حُجة بالغة ودليل يقيني على ارتكاب الفعل ونسبته إلى فاعله.

وأكدت حيثيات الحكم أن ما عزز عقيدة المحكمة بإثبات نسب الطفلة أيضًا ما انتهى إليه تقرير الطب الشرعي، والذي خلُص إلى أن تطابق البصمة الوراثية للحمض النووي المستخلص من عينة دماء الطفلة، مع البصمة الوراثية للحمض النووي المستخلص من عينة دماء والدتها وعينة دماء والدها، لتتأكد المحكمة يقينًا من بنوة الصغيرة للطرفين.

وأوضحت المحكمة أن اللجوء إلى العلم يعد وسيلة مشروعة بموجب التعديلات التي أقرها المشرّع في قانون الطفل رقم 126 لسنة 2008، والتي نصت صراحة على "أن للطفل الحق في إثبات نسبه الشرعي بكافة وسائل الإثبات بما فيها الوسائل العلمية المشروعة ومن أهمها في الآونة الحاضرة البصمة الوراثية".

وشددت المحكمة على أن هذا الإثبات لا يعد تبريرًا لجريمة الزنا بل يعاقب مرتكبها ويحمي ضحيتها البريئة، مؤكدة أن "إثبات النسب في هذه الحالة لا يعد بحال من الأحوال إقرارًا بجريمة الزنا ولا تسويغًا لاقترافها ولا تهوينًا من شأنها فهي جريمة منكرة محرمة بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة، قائمة على الاعتداء على حدود الله تعالى وانتهاك حرماته، غير أن الشريعة الغراء فرّقت بين ثبوت الجريمة واستحقاق العقوبة وبين حفظ حقوق الأبرياء وصيانة أنسابهم، فلا يؤخذ بريء بجريرة غيره، ولا تحمل نفس إثم سواها".

وانتهت المحكمة إلى أن إلحاق الطفلة بأبيها هو صون كامل لحقها الدستوري والقانوني في النسب وحماية لها من الضياع والوصم الاجتماعي، وتحقيق لمقصد عظيم من مقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ النسل دون المساس بفظاعة الجريمة الجنائية.

مخاوف التنفيذ

ورغم سعادته بالنتيجة التي انتهى إليها النزاع الممتد منذ أكثر من 6 سنوات، بوصفه "سابقة قضائية وشرعية" لم يخفِ السيد بدرة، محامي أمل عبد الحميد، مخاوفه من مواجهة "عقبات إدارية وتعسف في التنفيذ" من قبل لجنة الأحوال المدنية بوزارة الداخلية، المختصة بإصدار وتصحيح قيود الميلاد وتدوين أسماء الآباء.

وأوضح بدرة في تصريحات لـ المنصة، أن مبعث هذه المخاوف يكمن في جمود اللوائح الإدارية المتبعة داخل القطاع، والتي اعتادت تاريخيًا على اشتراط وجود علاقة زوجية رسمية مقيدة لتسجيل المواليد، ما قد يدفع اللجنة إلى التباطؤ أو الامتناع عن تفعيل الصيغة التنفيذية للحكم الاستئنافي بدعاوى إجرائية.

وشدد على أن حرمان الطفلة من قيد ميلادها الرسمي واستخراج أوراق ثبوتية لها تدرج اسم والدها يمثل مكافأة للجاني الذي يتنصل من مسؤولياته، وعقابًا مضاعفًا للضحية وطفلتها البريئة وحرمانًا لها من حقوقها الدستورية في التعليم والصحة.

وأكد أنه سيبدأ فعليًا في اتخاذ إجراءات إعلان قطاع الأحوال المدنية ومتابعة تنفيذ الحكم، معبرًا عن أمله في أن تعلي وزارة الداخلية سيادة القانون وحجية الأحكام القضائية الباتة على الأعراف الإدارية الجامدة، لإنقاذ الطفلة من الضياع والوصم الاجتماعي.

الرابط

https://manassa.news/news/33020 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.