بيان صحفي أصدرته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية اليوم الخميس 20 أغسطس 2026
على النائب العام التحقيق في مقتل 573 مدنيًا برصاص الداخلية خلال عام ونصف
573 هو عدد الأشخاص الذين أُعلنت وزارة الداخلية عن قتلهم في مختلف محافظات الجمهورية على مدار عام ونصف بداية من يناير 2025 وحتى نهاية يونيو 2026، خلال عمليات أمنية مختلفة، للتدليل على جهودها في إطار مكافحة الجرائم، أو توجيه "ضربات استباقية" للبؤر الإجرامية. وصفت الوزارة أغلب القتلى في 206 بيان لها بأنهم "عناصر إجرامية شديدة الخطورة"، وقالت إنهم قُتلوا بعدما بادروا بإطلاق النار على قوات الشرطة، قبل أن تختتم بياناتها عادة بعبارة مقتضبة هي "تم اتخاذ الإجراءات القانونية".
لم توضح وزارة الداخلية ماهية هذه الإجراءات، ولم تعلن، وفقًا لما أمكن للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية رصده، عن فتح تحقيق مستقل في أي من هذه الوقائع المذكورة في البيانات لتوضيح مدى ضرورة استخدام القوة القاتلة كملاذ أخير، وما إذا كان يمكن القبض على القتلى أحياء، أو للتحقق من الرواية الرسمية بشأن تبادل إطلاق النار. لا تسمح بيانات الداخلية وحدها بالجزم بأن الوقائع الواردة في البيانات الـ 206 كانت جميعها عمليات إعدام خارج نطاق القضاء، لكنها لا تصلح أيضًا دليلًا على قانونيتها. فالجهة التي استخدمت القوة لا يمكن أن تكون روايتها وحدها بديلًا عن تحقيق قضائي مستقل، خصوصًا عندما ينتهي تدخلها بمقتل مئات الأشخاص الذين لم تتح لهم فرصة المثول أمام القضاء.
في عام 2025 أعلنت الداخلية مقتل 404 شخصًا من خلال 146 بيانًا وهو الرقم الذي يساوي 17 ضعف عدد الأشخاص الذين نُفذت فيهم أحكام إعدام قضائية خلال نفس العام وفقًا لرصد المبادرة المصرية. وبينما سبقت الأحكام القضائية محاكمات، أُغلقت الوقائع التي انتهت بمقتل 404 أشخاص في 2025 و169شخصًا في النصف الأول من 2026 ببيانات صادرة عن الجهة التي نفذت العمليات، دون تحقيقات معلنة يمكن من خلالها اختبار رواية الداخلية.
واقعة استهداف الشابين يوسف السرحاني وفرج الفزاري (18، 21 عامًا) وقتلهما في محافظة مرسى مطروح على يد موظفي إنفاذ القانون العام الماضي كانت مثالًا صارخًا على أهمية التحقيق في وقائع القتل التي ترتكبها الداخلية، للتأكد مما إذا كانت تنفذ عمليات إعدام خارج نطاق القضاء.
قُتل شابا مطروح في أبريل 2025، عقب مقتل ثلاثة أمناء شرطة أثناء ملاحقة مشتبه به في مدينة النجيلة، انتشرت أخبار وقتها عن قيام قوات الأمن باحتجاز مجموعة من النساء في قسم شرطة النجيلة دون توجيه اتهامات لهن، في محاولة للضغط على الشخص المطلوب أمنيًا والمتهم بقتل وإصابة أمناء الشرطة، لتسليم نفسه. وفقًا لشهادات موثقة لم يُطلق سراح النساء إلا بعدما استلمت الداخلية شابين من أبناء المدينة لاستجوابهما إلا أنه بعد ساعات أعلنت الداخلية في بيان رسمي إنها استهدفت الشابين باعتبارهما عنصرين إجراميين، مختبئين، وشديدي الخطورة قُتلا في تبادل لإطلاق النار. لم توضح الداخلية في بيانها كما اعتاد في بيانات سابقة إن كان الشابان هما من بادرا بإطلاق النار. أكد محامي الشابين أنهما لم يسبق القبض عليهما أو التحقيق معهما أو إدانة أي منهما في أية قضايا جنائية. والأهم من ذلك هو أن الداخلية لم تذكر إطلاقًا الشخص المطلوب أمنيًا باعتباره المشتبه به الرئيسي في واقعة استشهاد أمناء الشرطة الثلاثة، والذي يفترض أنه ما زال هاربًا حتى الآن.
ورغم تعارض الشهادات والتصريحات الصادرة عن الداخلية وأهالي الشابين، لم يتم التحقيق في الواقعة بشكل جاد ومستقل لبيان مدى خطورة شابين في مثل عمرهما على قوات الأمن التي من المفترض أن تتفوق عليهما عددًا وخبرة، ما استدعى قتلهما بدلًا من ضبطهما وعرضهما على جهات التحقي لبيان ما إذا كانا قد ارتكبا أي جريمة أم لا.
وتشعر المبادرة المصرية بقلق بالغ لكون هذا العدد مُرشحًا للزيادة؛ إذ تبنت الوزارة سياسة قتل المطلوبين للعدالة بدلًا من عرضهم على النيابة منذ أكثر من عقد كامل، وذلك بعدما أعلن وزير الداخلية الأسبق، اللواء محمد إبراهيم عام 2012 أنه "سوف يكافئ كل ضابط يقوم بإطلاق النار على بلطجي ويقتله، إذا كان البلطجي بادر بإطلاق النيران"، في تجاهل لنص المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تؤكد على أن "الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان. وعلى القانون أن يحمى هذا الحق".
بعد تصريح وزير الداخلية الأسبق بأربعة أعوام، صدرت نسخة مُنقحة من بروتوكول مينيسوتا المتعلق بالتحقيق في حالات الوفاة التي يحتمل أن تكون غير مشروعة (2016) وهو نسخة مُحدثة من دليل الأمم المتحدة الأصلي الصادر عام 1991 لمنع ممارسات تنفيذ أحكام الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفي والإعدام دون محاكمة، والتحقق في تلك الممارسات. الهدف الأساسي من البروتوكول هو تعزيز التحقيق الفعال في حالات الوفيات التي يحتمل أن تكون غير مشروعة والتي قد يتسبب فيها موظفو إنفاذ القانون، إذ من المفترض أن ينشأ على الدولة واجب التحقيق في أي وفاة يحتمل أن تكون غير مشروعة.
لم تؤثر المعايير الدولية المذكورة في الدليل على سياسة وزارة الداخلية المصرية، إذ عاد لواء شرطة متقاعد سبق وعمل مديرًا لإدارة البحث الجنائي في سوهاج، وأدلى بتصريحات في عام 2025، تخالف نص المادة 96 من الدستور التي تؤكد على أن "المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته"، إذ أكد اللواء في تصريحاته أنه قام بنفسه وقت خدمته بـ"تصفية" مجرمين خطرين مشيرًا إلى حالة سبق وتعامل معها أثناء خدمه وقال "لازم يموت .. ماوديهوش محكمة"، وأثنى اللواء على أن وزارة الداخلية بدأت تتبنى هذه الممارسات بشكل أكبر في الأشهر السابقة لتصريحه.
يسمح قانون هيئة الشرطة رقم 109 لسنة 1971، وتعديلاته، لقوات الأمن باستخدام السلاح، كحل أخير في مواجهة المتهمين، بغرض القبض على المتهم لا قتله، وذلك حسب ضوابط محددة. إذ تنص المادة 102 من القانون على أن القوة لا تستخدم إلا بالقدر اللازم وعندما تكون " الطريقة الوحيدة" كما يمكن لرجل الشرطة استعمال السلاح فقط في القبض على محكوم عليهم أو متهمين أو متلبسين بجنحة أو جناية يجوز فيها القبض، بعد أن يبدأ بالإنذار بأنه سيطلق النار، في هذه الحالة يجب أن يطلق النار بالطريقة التي سبق حددها قرار وزير الداخلية رقم 156 لسنة 1964 على "أن يكون التصويب عند إطلاق النار على الساقين كلما كان ذلك مستطاعاً".
يوجد نص واحد في التشريع المصري يسمح لرجال الداخلية باستخدام القوة القاتلة دون مساءلة جنائية، وذلك "لأداء واجبهم أو لحماية أنفسهم من الخطر وهو نص المادة 8 من قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015. إلا أن هذا النص لا يمكن اللجوء إليها في الغالبية العظمى من حالات القتل التي أعلنت عنها وزارة الداخلية بداية من يناير 2025 وحتى يونيو 2026، والتي لم تكن مرتبطة بجرائم إرهابية. وعدا ذلك لا يوجد نص في التشريع المصري يسمح بقتل المئات دون تحقيق. وتجدر الإشارة إلى أنه لا يمكن التعامل مع نص المادة 61 من قانون العقوبات باعتباره مخرجًا قانونيًا يساعد على غض الطرف عن سقوط أكثر من 570 قتيلًا على يد موظفي إنفاذ القانون خلال 18 شهرًا. فرغم أن المادة تنص على أنه لا يُعاقب القانون الشخص الذي يرتكب جريمة في حال كان مجبراً بسبب مواجهته خطر شديد ومفاجئ يهدد حياته أو سلامته، بشرط ألا يكون هو المتسبب في هذا الخطر، وألا تكون أمامه أي طريقة أخرى للنجاة، فإن المادة من ناحية أخرى لا تمنع فتح تحقيق قضائي في أي واقعة قتل، حتى وإن كانت تبدو للوهلة الأولى دفاعًا عن النفس.
في إطار احتفال وزارة الداخلية بعيد الشرطة الرابع والسبعين، ألقى وزير الداخلية اللواء محمود توفيق كلمة أعلن من خلالها تراجع معدلات الجريمة في عام 2025، وهو العام نفسه الذي استعملت فيه قوات الأمن السلاح بشكل قاتل أسفر عن مصرع 404 شخصًا في وقائع متعددة أُعلن عنها من خلال بيان رسمي، وهو أمر يطرح تساؤلات عن الأساليب التي تتبعها الداخلية للحد من الجريمة، وعن نوعية وجودة التدريبات المتاحة للشرطة المصرية. التساؤل الأكثر إلحاحًا هو عن مدى التزام الضباط بواجباتهم التي تنص عليها المادة 41 من قانون هيئة الشرطة ومن بينها احترام الدستور والقانون، ومعايير حقوق الإنسان في استخدام السلطة والقوة، والالتزام بمعايير النزاهة والشفافية والشرعية الإجرائية، وضمان الحقوق الدستورية والقانونية ومعايير حقوق الإنسان في التعامل مع المتهمين والمشتبه في تورطهم بارتكاب جرائم، والتحلي بضبط النفس في التعامل مع المواطنين والتصرف بطريقة متوازنة تتناسب مع طبيعة المواقف الأمنية المختلفة؛ وهي الواجبات التي من المفترض الالتزام بها تحت أي ظرف حتى عند مواجهة "عناصر إجرامية شديدة الخطورة" كما وُصف أكثر من 400 قتيل في بيانات الداخلية الرسمية.
تؤكد المبادرة المصرية للحقوق الشخصية على أن سقوط أكثر من 570 قتيلًا بمعرفة الجهة التي يصفها الدستور باعتبارها "هيئة مدنية نظامية، في خدمة الشعب، وولاؤها له ومن بين اختصاصاته حماية الأرواح دون تفرقة"، أمر يجب الوقوف أمامه، لدراسة أسبابه والدوافع من ورائه والتحقيق في قانونية وضرورة وقوعه.
وتعيد المبادرة المصرية التأكيد على الحاجة إلى إنشاء لجنة مستقلة لها صلاحيات تحقيق كاملة لمراقبة أعمال الشرطة والتحقيق بشكل عادل وشفاف في وقائع الوفيات والإصابات البالغة على يد رجال شرطة، وهي الآلية التي سبق واعتمدتها دول عدة بأشكال مختلفة. وتطالب المبادرة المصرية مجلس النواب بمراجعة "قانون هيئة الشرطة رقم 109 لسنة 1971"، على أن يكون حدها الأدنى هو المبادئ الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، بما يضمن عدم تنفيذ "أحكام إعدام خارج إطار القضاء"، إلى جانب تعديل المادة 8 من قانون مكافحة الإرهاب، بما يضمن عدم السماح لموظفي الدولة بالإفلات من المساءلة والعقاب في حال استخدموا القوة دون وجود ما يستدعي ذلك.
كانت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في إطار حملة "شرطة لشعب مصر" قد تقدمت في 2012 بمشروع قانون يهدف لتقنين شروط استخدام القوة والأسلحة النارية، بحيث تتفق مع معايير استخدام القوة المعمول بها دوليًّا، مع التأكيد على منع استخدام السلاح بغية القتل وعدم استخدام الأعيرة النارية في فض المظاهرات، وإدخال مفهوم التناسب والضرورة في قواعد استخدام القوة من قبل رجال الشرطة.
كما قدمت المبادرة المصرية مشروعًا في نوفمبر 2012 يقضي بإنشاء لجنة مستقلة للتحقيق في حوادث القتل أو الاصابة الخطرة والتي تنتج عن التعامل الشرطي، سواء وقعت في أماكن الاحتجاز التابعة لوزارة الداخلية أو في المجال العام (أي في الكمائن والشوارع والطرقات وأي مكان لا يتبع مباشرة جهاز الشرطة)، بهدف تعزيز المحاسبة والحد من ممارسات العنف الشرطي غير القانوني والاستخدام المفرط للقوة وللرصاص. ونص الاقتراح على أن تمتلك اللجنة جميع صلاحيات التحقيق بهدف تعزيز الرقابة على العمل الشرطي وتلافي القصور في المحاسبة الذي ينتج عن ضعف النيابة العامة وأجهزة التحقيق الداخلية في وزارة الداخلية.
وتهيب المبادرة المصرية بالنائب العام المستشار محمد شوقي فتح تحقيقات في الوقائع المذكورة في بيانات الداخلية للوقوف على الملابسات الحقيقية وراء مقتل أكثر من 570 شخصًا خلال عام ونصف. كما تدعو المبادرة المصرية وزير الداخلية محمود توفيق إلى الإعلان الفوري عن توقف وزارة الداخلية عن تبني سياسة "قتل المطلوبين للعدالة".
الرابط

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.