عربى 21
"قاع الهامور" والتورية السياسية المزعجة.. لماذا فزع النظام بمصر من عالم "سبونج بوب"؟
أثار تريند "شكاوى أهالي قاع الهامور", بعد انتشاره المذهل عبر مواقع التواصل الاجتماعي في أيام ومشاركة أكثر من 1.6 مليون مصري، ضجة بالشارع السياسي المصري، ورأى مراقبون أنه سيكون له ما بعده خاصة وأنه اتخذ بالساعات الأخيرة منحى انتقاد النظام المصري.
ذلك الغروب رغم أنه بدأ 11 آب/أغسطس الجاري، على يد نحو 14 شابا وفتاة من جيل زد ذهبوا من خلاله إلى العالم الافتراضي باستحضار عالم (سبونج بوب) وإحياء شخصيات الكارتون الشهير مثل (شفيق، ومستر سلطع)، إلا أنه وفق مصدر مطلع تحدث لـ"عربي21"، سبب "قلقا شديدا للنظام"، مشيرين إلى أن "هناك شكوك لديه أن يكون الغروب أداة سياسية جديدة لتعبئة الرأي العام تحت ستار التوريات السياسية".
ولفت إلى أن "غروب واحد كسر حاجز المليون في يومين، وتحول إلى سلسلة غروبات أخرى قد لا يمكنهم السيطرة عليها، خاصة وأنها تنمو بشكل غير عادي"، ملمحا إلى أن "ما ساعد على انتشار تلك الغروبات هو الذكاء الاصطناعي الذي استخدمه الشباب في تصميم الميمز التي تنتشر بشكل سريع".
وتحول تريند "قاع الهامور" من جروب ساخر إلى التعامل مع المدينة الكرتونية كمجتمع مصري حقيقي يعاني من ارتفاع أسعار الأكل والسكن والدواء والعجز عن الزواج وتدهور الخدمات والمواصلات وقلة الوظائف، وذلك عبر قالب ساخر من "الكوميكس"، ما رأى فيه مراقبون "رسالة للدولة تكشف حجم الاحتقان الشعبي"، ويعكس وفق رؤيتهم: "كيف يشكل الجيل الجديد (Gen Z) الرأي العام".
ضغوط المعيشة وتحريك الفضاء الساخر
وفي رؤيته، قال الخبير في التحليل المعلوماتي وقياس الرأي العام الباحث مصطفى خضري: "اختيار عالم (سبونج بوب) لم يكن، فيما يبدو لي، محض مصادفة، وإن كان يصعب الجزم بذلك؛ فهذا الجيل من مستخدمي التواصل نشأ على شخصيات (سبونج بوب، وشفيق، ومستر سلطع)، التي تحولت بالوقت لمادة جاهزة للتندر، بحيث يكفي ظهور شخصية من هذا العالم ليدرك المتابع المقصود دون شرح إضافي".
وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد أن "شكاوى أهالي قاع الهامور تدور في معظمها حول المواصلات والإسكان وغلاء المعيشة والأمن، وهو ما قد يشي بأن الضغط المعيشي أحد المحركات الخفية لهذا الفضاء الساخر، مع الأخذ في الاعتبار أن جزءًا كبيرًا من الإقبال قد لا يتجاوز الرغبة في التسلية والمشاركة في موضة رائجة، دون أن يحمل بالضرورة وعيًا سياسيًا أو احتجاجيًا مقصودًا، وبرغم ذلك لا يمكن تجنب الإسقاطات السياسية في ظل تسارع التضخم وتراجع القوة الشرائية للجنيه، والانغلاق السياسي والقبضة الأمنية وشيوع الفساد".
وموقع "قاع الهامور" في مسلسل "سبونج بوب"، مستوحى من جزيرة "بيكيني" الحقيقية في جزر "المارشال" بالمحيط الهادئ، والتي تم في شباط/فبراير 1946، تهجير سكانها البالغ عددهم 167 نسمة من قِبل الرئيس الأمريكي هاري ترومان بحجة إجراء تجارب نووية لمصلحة البشرية، فيما يعرف "الهامور" بأنه نوع فاخر وغالي الثمن من الأسماك بالبحر الأحمر والخليج العربي.
وشارك ممثلون بالجروب ومنهم: عصام السقا أحد محركي اللجان الإلكترونية التابعة للنظام، والممثلات: نيلي كريم، ومي عزالدين، ومي عمر، وأيتن عامر، وسهر الصايغ، وصبا مبارك، وهدى المفتي، وهنا الزاهد، وميرنا جميل، ونسرين أمين، وروبي، وزينة، ومن الممثلين: باسم سمرة، وخالد الصاوي، وعمرو يوسف، وأحمد العوضي، ومحمد سعد، وأحمد مكي، ومصطفى غريب، وشيكو.
وطرحت النائبة أميرة العادلي، ما اعتبره السؤال الحقيقي حول (قاع الهامور) مؤكدة أنه "ليس كونه تريندا، وسخرية، ولا حتى التخوف ممن وراءه، ونظريات المؤامرة، إنما في الإقبال على الهروب من الواقع، وبناء مدينة خيالية افتراضية".
والسؤال: لماذا وجد كثير من المصريين أنفسهم، أو تخيلوا أنفسهم، سكانًا لهذه المدينة الخيالية؟.
وهنا يطرح الباحث خضري، 3 فرضيات، الأولى: أن "المجتمع الوهمي مرآة موازية للنظام؛ حيث يمكن اعتبار قاع الهامور نوعًا من الدولة الموازية التي تعكس ملامح للمشهد المصري الراهن؛ فقد نشأت داخل الجروب كيانات تحمل أسماء تحاكي مؤسسات رسمية: مركز شرطة قاع الهامور، وصفحة تحاكي اسم وزارة الداخلية، في إعادة إنتاج ساخرة لمنظومة الحكم، بل أقرب لتوظيف مألوف عند مستخدمي غروبات شكاوى المناطق السكنية أصلًا".
ولفت إلى أن "هذا القالب -شكاوى وإعلانات- كان موجودًا قبل قاع الهامور بسنوات بالغروبات الحقيقية للمحافظات والأحياء والقرى، وقد يكون تم نقل القالب المعروف لعالم خيالي طريف، ولكن هذا لا يمنع كونه فعلًا سياسيًا مقصودًا، حين يكتب أحدهم شكوى إلى وزير التعليم البولطي، فقد يكون ذلك إعادة صياغة للوقائع بلغة الدعابة السوداء".
الفرضية الثانية، بحسب الباحث المصري، "استخدام السخرية كأحد أنواع المقاومة الناعمة، وفي مناخ يضيق فيه هامش النقد المباشر، قد يتحول إلى ما يشبه الملاذ الآمن؛ فالمستخدم هنا لا يشتكي من مشكلة بعينها بقدر ما يعيد صياغتها داخل قالب يفهمه الجميع، فالواقع لا يغيب، لكن وطأته، في هذا التأويل، قد تُخفَّف بالسخرية، ولعل هذا مما يمكن أن يُقرأ في سياق أزمة ثقة أوسع مع النظام وقنواته الرسمية".
وأشار إلى أن "جمهور هذه الموجة لا يقتصر على (جيل زد)، بل يضم من عاصر (ميدان التحرير) في 2011 و(رابعة والنهضة) في 2013، وذاق مرارة الدم والفقد وانهيار الحلم وضياع الأمل، وقد تكون هذه الذاكرة الجمعية أحد الأسباب التي جعلت السخرية تحل محل الشعارات القديمة، بعد أن خابت آمال كثيرة، فتحول العجز عن تغيير الواقع إلى قدرة رمزية على تفكيكه ضحكًا؛ في صورة أقرب إلى مرثية خفيفة الظل لثورات لم تكتمل وربما تتجدد".
الفرضية الثالثة: "عدوى السخرية وصعوبة احتوائها أو السيطرة عليها في المجتمع المصري"، وهنا يبين أن "من العوامل التي قد تفسر صعوبة ملاحقة الظاهرة، غياب أي قيادة مركزية لها؛ فالمشاركة موزعة على أعداد كبيرة يتطور محتواها لحظيًا، بحيث لو أُغلق الغروب الأصلي، فالمرجح أن تحل محله عشرات الغروبات المشابهة".
"وقد أسهم دخول أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي -من خلال الصور والمقاطع الساخرة التي تحاكي أسلوب الإعلانات الحكومية- في تسريع وتيرة الإنتاج بما قد يفوق قدرة أي جهة رقابية على المتابعة الفورية، وإن كان في تقديري، يمكن أن تتحول هذه الظاهرة إلى تجربة ثورية في مجال المقاومة الرقمية إن توفرت لها الظروف الملائمة".
مؤامرة سياسية أم تنفيس عفوي؟
وفي حين اتهم الممثل تامر عبدالمنعم، الغروب بأنه من صناعة جماعة الإخوان المسلمين، استدعى الجروب، حديث سياسيين ونشطاء وبرلمانيين، لفتوا إلى حالة انفصال السلطة عن الشارع، وبينهم الناشط خالد رفعت صالح، الذي أشار إلى أن لجوء المواطنين لـ"قاع الهامور" الساخرة تنفيس عفوي وهرب من قسوة الواقع والخوف من البطش، وليس مؤامرة سياسية، مما يعكس رعب السلطة من أي تجمع جماهيري.
وتحدث البرلماني فريدي البياضي، عن وصول الغروب خلال ١٠ أيام إلى نحو 1.6 مليون متابع، موضحا أنه "عندما تضيق مساحة الكلام الجاد، يصبح الضحك وسيلة للتعبير"، مشيرا لعدم وجود دليل حتى الآن على وجود جهة سياسية وراء التريند،
وقال الكاتب عمار علي حسن إن ظاهرة "قاع الهامور" تعيد إلى الأذهان فكرة التمرد الرقمي والهروب إلى العالم الافتراضي للتعبير عن خنق الواقع، مشيراً إلى أن هذا التجمع يعكس ضجراً شديداً من التفاوت الطبقي الحاد بين أغلبيّة كاسحة تعاني الفقر والتهميش في "القاع" وقليلة محتكرة تلتهم الثروات، وهو ما يرمز إلى حالة احتقان واختزان نابعة من الشعور بالعجز والظلم المعيشي.
وهنا يُطرح سؤال آخر، لماذا قد ينظر النظام بقلق إلى مجرد جروب للتسلية؟
وفي إجابته يشير المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام "تكامل مصر"، إلى 3 عوامل أثارت رعب النظام هي: "سرعة الانتشار، حيث تجاوز الغروب حاجز المليون عضو خلال يوم تقريبًا، وهي وتيرة يصعب على أي متابعة تقليدية اللحاق بها"، و"محاكاة أسماء مؤسسات النظام، إذ يمكن اعتبار ظهور كيانات بأسماء رسمية على أنه نوع من إعادة الصياغة الساخرة للخطاب الرسمي، وهي مرحلة يمكن أن تتطور لكسر رمزية النظام الحاكم"، و"القلق من كل ظاهرة رقمية واسعة، فأي انتشار بهذا الحجم يرعب النظام القائم على القبضة الأمنية بصرف النظر عن دلالته النهائية".
ويوضح المركز لـ"عربي21"، أنه "بعيدًا عن هذا القلق، النظام فعلياً أمام معضلة حقيقية، إذ أن التعامل الحاد مع الظاهرة قد يحوّلها، من تريند عابر إلى قضية رأي عام، بينما قد يسمح تجاهلها بنموها واستمرارها فترة أطول خاصة مع وجود مشاهير انضموا لها على سبيل البحث عن التريند".
وفي استحضار منه لتجارب وظّف فيها محتجون السخرية كأداة تعبير، لفت إلى "ظاهرة نكات الهمس ضد النظام الشيوعي بألمانيا الشرقية سابقًا، وموجة السترات الصفراء بفرنسا 2018، وبالتاريخ المصري احتفال حرق دمية المندوب السامي البريطاني إدموند اللنبي منذ عام 1919 ببورسعيد ومدن القناة، ليلة شم النسيم كرمز للسخرية".
وأكد "تكامل مصر"، أن "ظاهرة قاع الهامور شبيهة بدمية اللنبي من حيث نمط الانتشار اللامركزي والسخرية الجماعية وغياب القيادة الرسمية".
تحول في المزاج الجمعي
وارتكز تحليل سوسيولوجي للأكاديمي المصري كمال الجندي حول مجموعة "قاع الهامور"، على أنه حراك خاطف وعابر للطبقات استقطب أكثر من 1.6 مليون مشارك خلال 24 ساعة ما يعكس تحولاً عميقاً في المزاج الجمعي، ولا يمكن التعاطي معه كمجرد مزاح كرتوني عابر.
وخلال صفحته بـ"فيسبوك"، رأى أن المبادرة ولدت كهروب سيكولوجي وعفوي من الانكشاف المعيشي الطاحن (الغلاء، البطالة، وتآكل القدرة الشرائية) ومن القمع وإغلاق المجال العام أمام وسائل التعبير التقليدية، ملمحا لاستخدام السخرية كقناع للمقاومة، والتخفي خلف أقنعة الكائنات البحرية للتحايل على الملاحقة الأمنية، حيث استُخدمت شخصية "مستر سلطع" لرمزية الجباية والضرائب، و"زمر شفيق" لرمزية الضجيج الإعلامي والوعود الفارغة".
وألمح إلى أنها نجحت في تسليط الضوء على الملفات المسكوت عنها، كالمحبوسين احتياطياً، وتآكل تكافؤ الفرص في التعليم، وتراجع الخدمات الأساسية، مبينا أن ذلك يكشف عن وعي مجتمعي، قابلته اللجان التابعة للنظام باتهام جماعة الإخوان المسلمين بالوقوف خلفها، مشيرا إلى ارتباك الخطاب الرسمي، وعجز السلطة عن السيطرة على الفضاءات الرقمية الساخرة أو توجيهها.
ماذا لو تصاعد الأمر؟
وفي إجابته على السؤال الذي ردده كثيرون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قال خضري: "لو فُتحت قضايا قانونية ضد بعض المشاركين بتهم من قبيل الانضمام لجماعة أو نشر أخبار كاذبة، وغيرها من الاتهامات الأمنية الجاهزة، فقد ينتشر خبر ذلك على نطاق واسع، ويتحول الأمر من تريند إلى رمز ثوري، وهذا سيناريو ممكن في ظل تجاربنا مع النظام".
واعتبر الباحث المصري أن "انضمام فنانين ونجوم رياضة ومقربين من دوائر مؤيدة للنظام إلى الترند، يمثل اختراق للحدود الطبقية المعتادة بالخطاب العام، حتى مع السلوك المعتاد من المشاهير في اللحاق بأي موضة رائجة لأسباب تسويقية محضة؛ فهؤلاء لم يكن ليجرؤا على الظهور في فعالية معارضة للنظام، لكن هنا تم سحبهم إلى ملعب المعارضة بدون أن يشعروا، وهو أحد أسباب خوف النظام".
وخلص للقول: "لا يبدو لي أن ظاهرة قاع الهامور مجرد موجة عابرة بلا دلالة، فربما تكون تعبيرًا عن ضغط معيشي متراكم، وربما تكون بحثًا بريئًا عن الفكاهة والانتماء لموجة جماعية لا أكثر، وربما تكون مزيجًا من الاثنين بنسب يصعب تحديدها بدقة دون بحث ميداني فعلي، لكن الذي يحدد النتيجة هو تعامل النظام مع هذه الظاهرة"، معتقدا أنه "في ظل الانغلاق السياسي والقبضة الأمنية المشدودة، لا أتوقع أن يكون النظام رشيدًا في تعامله معها؛ فالوعي والحكمة ليسا من صفاته".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.