الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

القبض على فريق “متصدقش” كاملًا.. تريدون أن نُصدِّق فقط؟

 

القبض على فريق “متصدقش” كاملًا.. تريدون أن نُصدِّق فقط؟


في أقل من أربع وعشرين ساعة، اعتقلت السلطات المصرية فريق منصة “متصدقش” بأكمله. ستة صحفيين وظيفتهم الوحيدة أن يضعوا الخبر بجوار المستند، ويقولوا للناس.. هذا صحيح وهذا زائف.

في مساء الاثنين 28 سبتمبر، داهمت قوات أمنية منزلي الصحفيين محمد أشرف أبو عميرة وعبد الله قدري، وتحفظت على هواتفهما وحواسيبهما. وخلال الساعات التالية اتسعت الحملة.. إسلام بركات من منزله في الغربية، وعمر هلال من بورسعيد، ثم محمد محمود ومحمد عادل من أحد شوارع القاهرة، بحسب ما وثقته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية التي تتولى التمثيل القانوني لفريق المنصة، وطالبت النائب العام المستشار محمد شوقي بفتح تحقيق عاجل للكشف عن أماكن احتجازهم. ستة أسماء في أقل من يوم واحد، هي كامل الفريق الصحفي لمنصة “متصدقش”، من دون أن تعلن أي جهة رسمية تهمة واحدة، أو تعترف أصلًا بأنها تحتجز أحدًا، حتى كتابة تلك الكلمات.

هذه القبضة الأمنية جاءت في  منتصف موسم رسمي كامل عنوانه الانفتاح الإعلامي: دعوة وزارية إلى “فضفضة” مهنية، واستعدادات معلنة لمؤتمر سنوي للإعلام، وحديث متصل عن توجيهات رئاسية بإتاحة الرأي والرأي الآخر.

“متصدقش” لا تنشر آراء وفق المعروف عنها، وإن فعلت فهي ليست جريمة بالطبع، واسمها ذاته برنامج عملها: لا تُصدِّق قبل أن تتأكد.. بدأت المنصة نشاطها قبل نحو ثماني سنوات، وتنتمي إلى تخصص صحفي عالمي راسخ هو تدقيق الحقائق، وعماده أن يلتقط المحرر ادعاءً متداولًا، تصريحًا رسميًا أو خبرًا منتشرًا أو صورة متناقلة، ثم يطابقه مع الوثائق والبيانات الأصلية وينشر النتيجة بالدليل. هذا العمل الصحفي أداته الوحيدة هي المستند، المهنة الوحيدة التي تحاسب نفسها علنًا في كل سطر تنشره.

وحين تعرضت المنصة لأول ضربة موثقة، في أغسطس 2023، كشفت تفاصيلها طبيعة الغضب منها. داهمت قوة أمنية فجرًا منزل محررها كريم أسعد في مدينة الشروق، وبحسب ما وثقته المنصة ولجنة الحريات بنقابة الصحفيين حينها، جرى الاعتداء عليه وعلى زوجته وتهديدهما بابنهما، ثم الولوج إلى حسابات “متصدقش” وحذف منشورين يتعلقان بهوية ركاب مصريين على طائرة ضُبطت في زامبيا محملة بالنقد والذهب.. بعد ثلاث سنوات  صار الفريق كله، دفعة واحدة، المسألة هي أن هذا الفريق لا يريدون لنا أن نصدق الكذب..

حرب على الشائعات بلا مدققين

يبدأ التناقض الأول، وإثباته لا يحتاج إلى خصوم الدولة؛ يكفي خطابها هي.. فقبل خمسة أسابيع فقط من الحملة، في 20 أغسطس، وجّه وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان بيانه المطول إلى الصحفيين، والذي حمل في تغطية اليوم السابع عنوانًا يلخص العقيدة الرسمية كلها: “نواجه الشائعات ونحمي حرية الرأي بالقانون”. الشائعة إذن، بنص الخطاب الرسمي وأعلى مستوياته، عدو معلن تخوض الدولة ضده حربًا مفتوحة، وتحذّر في كل اجتماع من أثره على “الجبهة الداخلية”.

فماذا تكون منصة تخصصها الحصري تفنيد الشائعات بالمستندات؟ بمنطق هذا الخطاب ذاته، تكون متطوعة في الحرب المعلنة، وفي صفها الأمامي تحديدًا. غير أن الذي جرى هو العكس الكامل.. جنود الحرب على الشائعة اعتُقلوا عن آخرهم في أقل من يوم.. هذا التناقض تفسيره واحد، تسنده واقعة حذف المنشورين عام 2023.. المشكلة إذًا ليست في وجود من يفند الأخبار الزائفة، إنما في وجود من يفندها خارج سلطة الدولة..

التكذيب إذا في العقيدة الرسمية إذا مارسناه كفعلًا مهنيًا متاحًا لأننا نملك الدليل، نكون منازعًا للدولة في حقها الحصري في تقرير ما هو الصحيح. المطلوب أن نُصدِّق فقط.

فضفضة بشروط المضيف

أما التناقض الثاني فيخص الدعوة التي بُني عليها موسم الوعود كله. ففي نداء 20 أغسطس، قدّم رشوان نفسه زميلًا قديمًا قبل أن يكون وزيرًا، ووصف رسالته بأنها “فضفضة ضرورية”، وأعلن الاستعداد لاجتماع سنوي للإعلام في ديسمبر، تنفيذًا لتوجيهات رئاسية بفتح المجال أمام الرأي والرأي الآخر. غير أن اختبار أي دعوة لا يكون في نصها بل في سيرتها، وسيرة هذه الدعوة موثقة. فقد رصدت زاوية ثالثة، في تقرير سابق للزميلة شيماء حمدي, أن ملف “إصلاح الإعلام” مرّ منذ 2023 بست محطات رسمية متتالية، بينها لجنة عقدت 175 ساعة نقاش وسلّم رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام خالد عبد العزيز تقريرها النهائي إلى رئيس الوزراء في 5 فبراير 2026، ثم سألت أربعة من رؤساء تحرير المواقع المستقلة فنفوا جميعًا أن يكون أحد قد تواصل معهم أو دعاهم إلى شيء.. ست محطات وتقرير نهائي و175 ساعة كلام، وصفر نتائج. الدعوة إلى الحوار في هذه السيرة وظيفتها أن تُنتج مشهد الانفتاح دون النظر إلى شروطه، وأن تحل مناسبةُ الكلام محل حريته.

ثم جاء الأسبوع الأخير من سبتمبر ليضع الدعوة والواقع في كادر واحد لا يحتمل التأويل. في 21 سبتمبر اجتمع الوزير برؤساء تحرير مواقع مرخصة واقترح “كيانًا موحدًا” تنضم إليه المواقع باعتبارها مؤسسات، فانفجر الوسط الصحفي.. سكرتير عام النقابة جمال عبد الرحيم ذكّر بأن أي نقابة موازية تخالف المادة 77 من الدستور التي تقصر كل مهنة على نقابة واحدة، ووكيل النقابة محمد الجارحي قدّم مذكرة رسمية طالب فيها بنقل الوزير نفسه إلى جدول غير المشتغلين، وتواصل الجدل أيامًا اضطر معها الوزير إلى نفي ما فُهم من كلامه. وبعد أسبوع واحد من اقتراح تنظيم المواقع الإلكترونية في كيان تحت رعاية الوزارة، اعتُقل فريق موقع إلكتروني كامل.. هذان الحدثان، متجاورين، يشرحان فلسفة الموسم كله.. الكلام مرحب به حين يجري داخل قاعة يحدد المضيف قائمة مدعويها وجدول أعمالها، ومجرَّم حين يجري خارجها… والصحفيون الستة لم يختبروا حتى حدود “الفضفضة” الموعودة، لأنهم لا يعملون في الرأي أصلًا؛ لم يفضفضوا ولم يجاهروا بموقف، بل مارسوا أدنى درجات السلامة المفترضة في أي نظام إعلامي.. مطابقة الخبر بالدليل. فإذا كان هذا مصير من يتحقق، فليتخيل كل مدعو إلى قاعة ديسمبر ما ينتظر من يُعبِّر.

الذين سبقوهم إلى الأسئلة نفسها

ولأن الحملة ليست الأولى، فإن وضعها في سجلها يكشف القاعدة التي تنتظم بها الحالات جميعًا. في 22 يوليو 2024 اقتحمت قوة أمنية بملابس مدنية منزل أشرف عمر، رسام الكاريكاتير في موقع “المنصة”، واقتادته مكبلًا معصوب العينين إلى جهة غير معلومة، وظل مختفيًا يومين تعرض خلالهما، بحسب ما وثقته إحدى عشرة منظمة حقوقية، للضرب والتهديد بالصعق الكهربائي، قبل أن يظهر أمام نيابة أمن الدولة العليا بالتهم المعتادة.. الانضمام إلى جماعة إرهابية، ونشر أخبار كاذبة، وإساءة استخدام وسائل التواصل. وكانت “جريمته” الموثقة رسومًا انتقدت بيع أصول الدولة وانقطاع الكهرباء، وجرى تجديد حبسه في جلسات عبر الفيديو لم تتجاوز إحداها ربع الساعة. وقبله بأيام اعتُقل الصحفي خالد ممدوح واختفى أيامًا قبل ظهوره أمام النيابة ذاتها. وفي مايو الماضي، حقّقت نيابة أمن الدولة مع ثلاثة من أعضاء لجنة الدفاع عن سجناء الرأي في القضية 4502 لسنة 2026 بتهمة نشر أخبار كاذبة، لا لشيء إلا لانضمامهم إلى لجنة تدافع عن محبوسين.

رسام ينتقد بيع الأصول، وصحفي يغطي، ومدافعون عن سجناء، ومدققو حقائق.. أربع فئات لا يمكن أن يجمعها تقريبًا موقف سياسي واحد، وتجمعها تهمة واحدة لا تتغير.. وحين تتسع تهمة “نشر أخبار كاذبة” لتطول الرسم الساخر والتغطية الخبرية والدفاع القانوني وتدقيق الأخبار الكاذبة ذاته، تكون التهمة قد انفصلت نهائيًا عن الوقائع وصارت صلاحية مفتوحة، و”الكذب” هنا يصبح كذبًا حسب المقبوض عليه. والمحصلة أن مصر في المرتبة 169 من 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026 الصادر عن مراسلون بلا حدود، وهي سادس أكثر دول العالم سجنًا للصحفيين بحسب لجنة حماية الصحفيين، التي أحصت 18 صحفيًا مصريًا خلف القضبان في تقريرها الأخير، بينهم سبعة حُبسوا بسبب تناولهم الأزمة الاقتصادية تحديدًا. حتى قبل حملة هذا الأسبوع.

وللتوقيت هنا سخريته الموثقة.. جاءت الحملة قبل أيام من دخول قانون الإجراءات الجنائية الجديد حيز التطبيق في أكتوبر 2026، وهو القانون الذي سوّقته الدولة طويلًا باعتباره معالجة تاريخية لملف الحبس الاحتياطي، بسبعة بدائل للحبس بدلًا من ثلاثة وضوابط لمدده. فكان استقبال قانون تقييد الحبس الاحتياطي بملء الزنازين قبل ساعات من سريانه، وبستة محتجزين لا يُعرف لهم مكان ولا تهمة، أي خارج أي ضمانات، قديمها وجديدها معًا.

بطاقة العضوية والباب الموصد

وتفتح الحملة، من زاوية أخرى، الملف الذي يغلي تحت سطح المهنة منذ سنوات.. أين تقف نقابة الصحفيين من كل هذا، ولماذا يخوض الصحفيون الإلكترونيون معركتهم للانضمام إليها؟ النقابة التي يُراد لمؤسسات الإلكترونيين “كيان” خارجها، هي ذاتها التي وقفت في كل مرة مع غير المقيدين في جداولها… ففي الليلة التالية للمداهمات، أصدرت لجنة الحريات بالنقابة بيانًا أعلنت فيه تضامنها الكامل مع عبد الله قدري ومحمد أشرف، ووصفت القبض عليهما وتفتيش منزل أحدهما بأنه “مخالفة للقانون والدستور”، وطالبت بالإفراج الفوري والشامل عنهما وعن جميع المحتجزين في قضايا الرأي والنشر. وقالت رئيسة اللجنة إيمان عوف إن إضافة صحفيين جدد إلى قائمة المحتجزين “ضرب بعرض الحائط بالقانون والدستور”، ثم لخصت، وهي تتابع شكاوى القبض على ستة زملاء بالمنصة ونقيب الصحفيين خالد البلشي يتواصل على مدار الساعة للإفراج عنهم، فلسفة الموقف كله في خمس كلمات: “لا فرق بين نقابي وغير نقابي”. وهو الموقف ذاته الذي اتخذته النقابة مع كريم أسعد عام 2023، حين أفضى تدخلها إلى الإفراج عنه خلال أقل من يومين، ومع أشرف عمر منذ ساعته الأولى، حين قال البلشي “نشهد عودة للقبض على الصحفيين بدلًا من الإفراج عن المحبوسين الذين نطالب بالإفراج عنهم”.

ولهذا بالتحديد يريد الصحفيون الإلكترونيون دخول النقابة، ولهذا بالتحديد يظل الباب موصدًا. فالقيد يمنح الصحفي اعترافًا قانونيًا بصفته، وضمانات إجرائية عند التحقيق، ومظلة اجتماعية، وقبل ذلك كله انتماءً إلى جسم يصرخ حين يُقبض عليه، وقد تصنع صرخته فرقًا  كما جرى مع أسعد.. لكن العضوية وحدها، ولنقلها بصراحة كاملة، لا تحمينا من الزنازين.. الحماية الحقيقية هي بيئة قانونية لا تكون فيها مطابقة الخبر بالمستند جريمة محتملة.. غير أن الفارق بين وجود المظلة وغيابها يظل فارقًا بين من يُعتقل فيصرخ له بيت مهني كامل، ومن يُعتقل في صمت لا يوثقه إلا بيان منظمة حقوقية.. ومشروع “الكيان” في هذا الضوء ليس حلًا لأزمة الإلكترونيين، بل تثبيت لعزلتهم.. مؤسساتهم في اتحاد تحت عين الوزارة، وأفرادهم بلا صفة ولا مظلة، في المسافة الرخوة التي جرى منها اقتناص فريق “متصدقش” كله.

حين يُسجَن مختبر التحاليل

قد يبدو كل ما سبق شأنًا مهنيًا يخص وسطًا صغيرًا. وهو ليس كذلك، لأسباب تمس كل مواطن يدفع فاتورة ويتخذ قرارًا. فالبلد يمر بلحظة قرارات متلاحقة في الأسعار والدين والمياه والأرض، واتخاذ القرار الصائب، من الحكومة قبل المواطن، يفترض معلومات مُختبرة. وقد وثقت زاوية ثالثة في تقرير سابق عشرات التصريحات الرسمية المتضاربة حول الملفات ذاتها، تصريح ينفي اليوم ما يؤكده تصريح الغد. في بيئة كهذه، التحقق المستقل يعد مرفقًا عامًا بمعنى الكلمة، شأنه شأن مختبر التحاليل، لا يعادي المريض ولا الطبيب، فقط يمنع أن يجري العلاج على التخمين. والدولة التي تسجن فنيي المختبر ثم تشكو من انتشار العدوى، تكون قد كتبت تشخيصها بنفسها.

ثم إن سجن المدققين يمنح الشائعة انتصارها الكامل. فالشائعة تُهزم بجهة ثالثة يثق الناس في استقلالها. حين تُسكت هذه الجهة، يبقى الجمهور بين خيارين أحلاهما مرّ: أن يصدق كل ما يصله فتحكمه الإشاعة، أو ألا يصدق شيئًا على الإطلاق، بما في ذلك الصحيح من كلام الدولة ذاتها، فتنهار قيمة أي بيان رسمي مقدمًا. وكلا الخيارين هدم للثقة العامة أعمق أثرًا من أي منشور جرى حذفه من أي حساب.

أما الرسالة التي تلقاها كل صحفي في مصر هذا الأسبوع فلم تعد “لا تعارض”، فتلك رسالة قديمة مفهومة. الرسالة الآن هي أن الحقيقة نفسها، مجردة من أي رأي، مخاطرة. وحين يستوعب أهل المهنة ذلك، سيتراجع كل منهم خطوة إضافية عن الوقائع، وسيتقدم الفراغ خطوة، والفراغ في فضاء المعلومات لا يبقى فارغًا؛ يملؤه الأكثر استعدادًا للكذب، من داخل الحدود وخارجها. الدولة التي تخشى على جبهتها الداخلية من حروب الشائعات تكون قد جرّدت الجبهة بيدها من أدق أسلحتها.

في اللغة التي تفهمها المهنة، قدّم هذا الأسبوع تعريفًا عمليًا جديدًا للخبر الكاذب: هو الخبر الذي دُقِّق خارج الجهات المختصة. وفي اللغة التي يفهمها الناس: صدِّقونا فقط.

أنا صحفي يمارس المهنة منذ سنوات، ويعرف أن كل سطر ينشره اليوم يمر على القارئ يرافقه سؤال واحد: من يضمن لي أن هذا صحيح؟ الستة المحتجزون كانوا جزءًا من الإجابة. ولهذا ليس في وسعي، وليس في وسع أي صحفي يحترم مهنته، إلا أن يقف حيث وقفت نقابة الصحفيين وطالبت بالكشف الفوري عن أماكن احتجاز الزملاء الستة، والإفراج عنهم جميعًا.

وأتوجه إلى النيابة العامة، من موقعي المهني لا أكثر، بسؤال ألتزم أمام القراء بنشر إجابته كاملة إذا وصلت: في أي نص قانوني تقع جريمة مطابقة الخبر بالمستند؟

وإلى أن تصل الإجابة، سيبقى اسم المنصة المعتقل فريقها هو أصدق وصية يتركها هذا الأسبوع لكل مصري يفتح هاتفه على خبر: متصدقش.

زاوية ثالثة

https://zawia3.com/matsda2sh/ 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.