لست الديمقراطية رجسا من أعمال الشيطان كما يروج الطغاة. بل هى عبق الحياة الكريمة التى بدونها تتحول الى استعباد واسترقاق. والحاكم الى فرعون. وحكومته الى سجان. وحاشيته الى زبانية. والمواطنين الى اصفار عليهم السمع والطاعة. والا حق عليهم القصاص.
الخميس، 1 أكتوبر 2026
هل الدبلوماسية المصرية ذكية أم خرقاء؟
مجلة فورين بوليسي الأمريكية
هل الدبلوماسية المصرية ذكية أم خرقاء؟
الحروب في الشرق الأوسط أجبرت مصر على المناورة بين مطالب متضاربة ومتناقضة!.
مرّت قرابة ثلاث سنوات منذ أن أشعلت حماس فتيل حرب إقليمية، حين ارتكبت عناصرها وأعضاء من جماعات فلسطينية متطرفة أخرى مجزرة راح ضحيتها نحو 1200 إسرائيلي. ومنذ ذلك الحين، غطّت وسائل الإعلام في الشرق الأوسط، بشكل مكثف، أخبار غزة وإسرائيل وحماس ولبنان وحزب الله وسوريا وقطر وتركيا وإيران والسعودية والإمارات والحوثيين، بينما غابت أخبار مصر إلى حد كبير. وهذا أمرٌ مثيرٌ للاستغراب، فمصر هي الدولة العربية الأكثر اكتظاظاً بالسكان، وتملك أكبر جيش في المنطقة، ويُفترض أنها الدولة الأكثر نفوذاً بين أعضاء جامعة الدول العربية. لكن من جهة أخرى، يُمكن تفسير غياب مصر شبه التام عن المشهد الإعلامي في السنوات الأخيرة. فمصر بعيدة كل البعد عن مناطق الصراع في المنطقة - باستثناء قطاع غزة - وفي ظلّ تحوّل موازين القوى الجارية في المنطقة، انتقل النفوذ شرقاً من القاهرة ودمشق وبغداد إلى الرياض وأبو ظبي والدوحة.
لكن هذا لا يعني أن مصر استطاعت النأي بنفسها تماماً عن هذه الحروب؛ فمع استمرار الصراعات وتفاقمها، وجدت مصر نفسها -والرئيس عبد الفتاح السيسي- في مواقف استراتيجية حرجة ومواقف دبلوماسية صعبة. ومع ذلك، ليس من الواضح على الإطلاق أن هذا الوضع ناجم عن عجز أو سوء تقدير؛ إذ إن مصر تحاول المناورة وسط مطالب متنافسة ومتناقضة.
وتُعد مقاربة القاهرة لملف غزة مثالاً جيداً على ذلك؛ فبمجرد أن اتضحت فداحة أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحجم الدماء التي أُريقت فيها، بدأت مصر في التعامل مع الموقف من زوايا متعددة. إذ بدا أن السيسي يوازن في استجابته للأحداث بين أمرين: الدعم الشعبي الواسع الذي يحظى به الفلسطينيون لدى المصريين من جهة، والشراكات الأمنية القوية التي تربط مصر بكل من إسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى.
وفي هذا السياق، حذرت وزارة الخارجية المصرية من التصعيد "في أعقاب سلسلة من الاعتداءات على المدن الفلسطينية" -مكتفية بالإشارة المواربة وغير المباشرة إلى هجوم حماس- كما دعت إلى حماية المدنيين الفلسطينيين وطالبت بالعودة إلى مسار عملية السلام. في مايو 2024، انضمت مصر إلى الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية وتتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية.
ومع استمرار الصراع في غزة، أمر السيسي بنشر قوات عسكرية مصرية كبيرة في شبه جزيرة سيناء (في خطوة يعتبرها بعض الإسرائيليين انتهاكاً لمعاهدة السلام المبرمة بين مصر وإسرائيل عام 1979) وأبقى على الحصار المفروض على غزة. وقد حقق ذلك غرضين: إظهار الجانب المصري بمظهر المتشدد والحازم، وضمان عدم استخدام سيناء لتوطين سكان غزة. ولا شك أن الرئيس المصري يدرك تماماً حجم الدعم الشعبي الهائل للقضية الفلسطينية ومشاعر العداء تجاه إسرائيل بين مواطنيه؛ كما يدرك أن الحراك الذي ساهم في إسقاط نظام مبارك عام 2011 كانت جذوره ضاربة في مجموعات التضامن مع فلسطين التي ظهرت في مصر إبان الانتفاضة الثانية.
وفي الوقت نفسه، يتمثل أحد الأدوار المهمة لمصر في إطار العلاقة الثلاثية التي تجمعها بإسرائيل والولايات المتحدة في مراقبة حركة حماس في غزة، وممارسة الضغوط عليها عند الضرورة. وقد أدت مصر دورها هذا حين حذرت إسرائيل -قبل أحداث 7 أكتوبر- من أن حماس تخطط لشن هجوم، وهو أمر يُحسب لها. وعلاوة على ذلك، وخلال ذروة المعارك، واصل مسؤولو الاستخبارات المصرية التنسيق مع نظرائهم الإسرائيليين بشأن ملف غزة، وشهدت تلك الفترة تبادلاً للزيارات بين القاهرة وتل أبيب.
وخلاصة القول، إن تعامل مصر مع ملف غزة عكس جهداً واسع النطاق بذله السيسي للمناورة بحذر شديد -أي محاولة الموازنة بين مطالب الرأي العام المصري باتخاذ إجراءات لدعم سكان غزة والفلسطينيين عموماً، وبين الحفاظ على العلاقات مع إسرائيل والولايات المتحدة- وكانت النتيجة تحركات اتسمت بالطابع الرمزي أكثر من الفعالية العملية.
تبعد طهران عن القاهرة مسافة 1200 ميل. وعندما أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عملية "الغضب الملحمي" (Epic Fury) بالاشتراك مع إسرائيل في أواخر فبراير، كان العامل الجغرافي وحده يشير إلى أن دور مصر في هذا الصراع سيكون محدوداً للغاية. وإذا أضفنا إلى ذلك التحسن التدريجي والحذر في العلاقات بين مصر وإيران خلال السنوات الأخيرة، يتضح لنا سبب اختيار القيادة المصرية مجدداً تبني نهج يتسم بالمرونة المفرطة ومحاولة تأمين كافة الخيارات والمسارات في آن واحد. خلال فترة احتدام المواجهات في إيران، كانت مصر جزءاً من مجموعة ضمت السعودية وتركيا وقطر وباكستان، وسعت إلى إيجاد حل دبلوماسي للأزمة.
لا شك أن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي دبلوماسي بارع، إلا أن هامش تحركه كان محدوداً، لا سيما عند مقارنته بنظرائه؛ إذ تتمتع الدول الأخرى بنفوذ أكبر لدى كل من إيران والولايات المتحدة مقارنة بمصر، مما جعلها أطرافاً أكثر فاعلية في الحوار والوساطة.
لقد بدا الأمر وكأن إشراك الجانب المصري في المكالمات التنسيقية التي جمعت وزراء خارجية السعودية وتركيا وقطر وباكستان -فضلاً عن الاجتماعات التي كانت تُعقد بينهم من حين لآخر- كان بمثابة لفتة ودية تجاه "صديق قديم"؛ أي أنها كانت تعبيراً عن احترام لمصر أكثر من كونها دليلاً على الثقل الدبلوماسي للقاهرة. ومع ذلك، فمن المرجح أن هذا الأمر لم يكن يشكل فارقاً كبيراً بالنسبة للسيسي، إذ ربما كانذلك القدر كافياً بالنسبة له.
