وأوضح أمين لـ«مدى مصر» أن الكتاب بما يتضمنه من النص على «التنبيه على المرؤوسين (الموظفين) بعدم رفع أية دعوى قضائية ضد جهة حكومية، واتخاذ إجراءات عقابية ضد من يقوم بذلك » يعتدي على حق التقاضي المكفول دستوريًا، كما يحصن قرارات الوزراء والمسؤولين الحكوميين من رقابة القضاء عليها.
أيضًا أكد اثنان من نواب رئيس هيئة قضايا الدولة لـ«مدى مصر»، فضلا عدم ذكر اسميهما، أن القرار يحتوي على أخطاء فادحة في الصياغة تستوجب من مجلس الوزراء إصدار تفسير للجهات المخاطبة به وتحديد ما يقصده بكلمة «المرؤوسين» و«عقاب المخالفين»، مشددًين على أن المتعارف عليه أن المنازعات بين الوزارات والجهات الحكومية لا تعرض على المحاكم أصلًا، وما يعرض هو المنازعات الخاصة بتظلم الموظفين والعاملين بالجهات الحكومية بالأساس من قرارات الجهة الإدارية والعكس.
وكانت «مدى مصر» قد انفردت في نشرة الخميس الماضي بنشر القرار الذي تداوله عدد من قضاة مجلس الدولة، في الأيام الماضية، ونقلت اعتراضات عدد من المحامين وقضاة المجلس على صياغته، وهو ما لم يعلق عليه مجلس الوزراء الذي لم ينف صلته بالقرار حتى موعد كتابة النشرة. فيما حصلت «مدى مصر» على نسخة من قرار صادر عن وزير التعليم العالي، في 12 سبتمبر الجاري، يطالب رؤساء الجامعات بتنفيذ الكتاب الدوري نفسه، في ما تضمنه من الإلزام الخاص بعدم اللجوء إلى القضاء، بوصفه تنفيذًا لما توصل إليه مجلس الوزراء في جلسته رقم 158 المنعقدة في أول سبتمبر.
أحد نواب رئيس هيئة قضايا الدولة قال لـ«مدى مصر» بعدما طلب عدم ذكر اسمه، إن هيئته تقيم دعاوى قضائية نيابة عن الجهات والوزارات الحكومية بناءً على مطالبة رسمية من الشؤون القانونية في كل جهة، غير أنه شدد على أنه يجب التأكيد على أن النزاعات بين الوزارات والجهات الحكومية لا تطرح على المحاكم، وإنما بموجب القوانين، هي من اختصاص إدارة الفتوى التابعة لمجلس الدولة والموجودة في كل جهة أو وزارة، حيث تستمع تلك الإدارة إلى الجهتين المتنازعتين وتفحص المستندات التي تؤيد وجهة نظر كل جهة وتصدر في النهاية تقريرًا يتضمن رأيًا ملزمًا للطرفين، وفي حال تظلم جهة ما على هذا الرأي يتم عرض الأمر على الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع لتصدر الأخيرة ما يشبه الحكم النهائي البات في هذا الأمر.
ولفت نائب رئيس هيئة قضايا الدولة إلى أنه من الإيجابي أن تفكر الحكومة في تخفيف العبء عن كاهل القضاء وتسوية أو إنهاء المنازعات من تلقاء نفسها، ولكن يجب التوضيح أنه في الظروف العادية هناك لجنة لفض المنازعات بكل وزارة أو جهة حكومية تضم قاضي على المعاش وممثل لتلك الجهة، وتتولى تلك اللجان الفصل في المنازعات التي يقيمها الموظف ضد الجهة التي يعمل بها سواء رصيد إجازات أو بدلات أو ترقيات أو غيره، وذلك بإصدار توصية بقبول طلباته أو رفضها، وبموجب القانون المنظم لعمل تلك اللجان إذا أوصت بقبول تظلم الموظف في شأن مالي يقل عن 40 ألف جنيه، تكون ملزمة وعلى الجهة الإدارية الالتزام بها، ولكن بخلاف ذلك تكون توصيات تلك اللجان غير ملزمة للجهة الحكومية نفسها ولهذا يلجأ الموظف للقضاء.
وشدد نائب رئيس هيئة قضايا الدولة أو محامي الحكومة كما يطلق على جميع العاملين بالهيئة، أنه لهذا السبب على مجلس الوزراء أن يصدر تفسيرًا يوضح ما الذي يعنيه الإلزام الوارد بكتابه الدوري ومن المخاطبين به، فضلًا عن تحديد ما هية لجان إنهاء المنازعات التي ذكرها فيه وما إذا كانت لجان جديدة تم استحداثها لتحل محل الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة في ما يخص النزاعات بين الجهات الحكومية وبعضها من ناحية، والنزاعات بين الموظفين والجهات الحكومية من ناحية أخرى.
وتطرق نائب آخر لرئيس هيئة قضايا الدولة فضل عدم ذكر اسمه أيضًا، في حديثه لـ«مدى مصر» إلى نقطة خلافية أخرى تخص القرار، وهي أن كتاب مجلس الوزراء يطالب بمعاقبة المسؤولين عن إدارات الشؤون القانونية في الوزارات والجهات الحكومية في حال لجأ أي منهم إلى إقامة دعاوى قضائية سواء ضد جهة حكومية أخرى، أو ضد الموظفين بدلًا من الالتزام بتوصيات لجان فض المنازعات. وهو ما لا يستقيم مع المنطق في رأيه، مفسرًا بأنه في حال حصول موظف بجهة حكومية ما على مستحقات مالية لا يستحقها مثلًا، فهل من المنطقي أن يعاقب موظف الشؤون القانونية بتلك الجهة مثلًا على إقامته دعوى قضائية لمطالبة هذا الموظف بإعادة تلك الأموال.
ناصر أمين من جانبه، وصف الكتاب الدوري بالكارثي، مشيرًا إلى أنه يعتدي على حق جميع الموظفين والعاملين بالدولة في التقاضي بما يتعارض مع الدستور والقوانين والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
وشدد أمين على أن الفقرة د من المادة 66 من قانون مجلس الدولة تعطي اختصاص الفصل في النزاعات القضائية بين الجهات الحكومية المختلفة حصريًا للجمعية العمومية للفتوى والتشريع بمجلس الدولة، فضلًا عن الفصل في الدعاوى القضائية المتعلقة بالعاملين في الدولة الذي وصفهم القرار بحسب أمين بـ«المرؤسين»، وهو اختصاص أصيل أيضًا لمحاكم مجلس الدولة، حسب أمين.
ولفت رئيس مؤسسة دعم العدالة إلى أنه لا يتصور أحد أن يصدر مثل هذا القرار عن الأمين العام لمجلس الوزراء دون مراجعة صياغته التي تتضمن مخالفات دستورية فادحة، مدللًا بأن قانون مجلس الدولة الذي لم يشر إليه الكتاب الدوري يلزم الموظف باللجوء إلى لجان فض المنازعات بالجهة الحكومية التي يعمل بها قبل إقامة دعاوى قضائية أمام أي من محاكمة، ولكن المفارقة أن تلك اللجان منذ إنشائها عام 2000 تصدر توصيات ترفض الجهات الحكومية تنفيذ 98% منها، ولهذا يلجأ الموظفون إلى إقامة دعاوى قضائية أمام محاكم مجلس الدولة، ولكن أن يصدر مجلس الوزراء قرارًا بعقاب من يلجأ إلى القضاء فهذا أمر منافي لكافة المبادئ القضائية.





