المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان ESOHR
عهد الدم: رقم تاريخي للإعدام في السعودية ٢٠٢٤
بأرقام إعدامات قياسية وتاريخية، وتوسع غير مسبوق في التهم، أغلقت المملكة العربية السعودية عام 2024. تضاعف الرقم الصادم مقارنة بعام 2023، مع ارتفاع يتجاوز 100%، يُظهر تصعيدًا كبيرًا في استخدام عقوبة القتل، التي أصبحت أداة السعودية الرئيسية للعقاب وإيصال الرسائل والترهيب. فبحسب الأرقام الرسمية، منذ تسلم الملك سلمان بن عبد العزيز الحكم عام 2015 حتى نهاية 2024، نفذت السعودية 1585 حكم قتل ، 345 منها، أي 22% نفذت في 2024، بمعدل عملية قتل كل 25 ساعة.
انطوى التصاعد في الأرقام على تنفيذ إعدامات متهمين بقضايا تتعلق بالمخدرات، وتوسيع في التهم التي تستوجب العقوبة، وزيادة مقلقة في قتل النساء، ونسبة مرتفعة من الأجانب. وعلى الرغم من الانتقادات الحقوقية والضغط الدولي، والذي توّج في سبتمبر 2024 بخسارة السعودية في سباق عضوية مجلس حقوق الإنسان الذي يعد أعلى هيئة حقوقية دولية، وقع الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد محمد بن سلمان على تنفيذ حكم القتل بحق 345 شخصًا، في ظل غياب كامل لضمانات العدالة، ومع استمرار الانتهاكات التي تشوب المحاكمات. هذا التصاعد المقلق، كشف بشكل جلي زيف الوعود التي أُطلقت في السنوات الأخيرة، خاصة على لسان بن سلمان، وبيّن المسار الذي تتخذه السعودية فيما يتعلق بحقوق الإنسان، وبالتحديد في ما يتعلق بعقوبة الإعدام.
وفي الوقت الذي كانت فيه السعودية تحتفل باستضافة أكبر الفعاليات العالمية وتستقبل الشخصيات من مختلف أنحاء العالم، كان شبح الإعدام يخيّم على سجونها، ليعيش السجناء في حالة من الخوف المستمر من القتل المفاجئ، دون إشعار مسبق.
ومع بداية العام الجديد، لا تزال السعودية تهدد عشرات الأفراد بالإعدام، بينهم قاصرين، متظاهرين، ورجال دين، ما يعكس استمرار النهج القمعي الذي يتبعه النظام، ويكشف عن الوجه الآخر لما تحاول المملكة إظهاره للعالم.
تسعى المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان في تقريرها السنوي لعام 2024 إلى تسليط الضوء على الأرقام والإحصائيات المتعلقة بهذه الإعدامات، وتحليل ممارسات القضاء السعودي، بما في ذلك الانتهاكات الجسيمة في العدالة الجنائية، وغياب الشفافية في المحاكمات، والمسارات التي ساهمت في توسع استخدام هذه العقوبة.
الأرقام والإحصائيات:
كسرت السعودية أرقامها القياسية السابقة، وسجلت 345 إعداما خلال عام 2024، بارتفاع نسبته 100% مقارنة بعام 2023 الذي شهد 172 حكما، وهو رقم تاريخي دموي ومرعب. في الأرقام تفاصيل تشير إلى أن الارتفاع هو انعكاس لنهج وإصرار على المضي في عمليات القتل.
أنواع الإعدامات:
تزعم السعودية أنها تستند إلى الشريعة الإسلامية في الأحكام القضائية التي تصدر فيها، فيما تشير التحاليل للقوانين والأحكام الصادرة عنها إلى أنها تختار التفاسير المنتقاة الأكثر تطرفا للنصوص الدينية.
التعزير:
التعزير هو عقوبة على جرم أو معصية لا حد فيه ولا كفارة أي أنها غير مقدرة شرعًا، تُترك لتقدير الحاكم بناءً على طبيعة الجريمة وظروفها. ويهدف التعزير نظريا إلى تحقيق الردع والإصلاح. تجتهد السعودية في استخدام التعزير لمعاقبة الأفراد على التهم التي لا نص شرعي فيها، والتي لا تعد من الأشد خطورة في القانون الدولي، بما في ذلك تهم سياسية وتهم التعبير عن الرأي وتهم المخدرات.
في 2024، تم تنفيذ 141 حكمًا تعزيريًا، وهو ما يمثل 40% من الإجمالي، مقارنةً بعام 2023، الذي شهد 54 حالة بنسبة 36.49%، ما يبين الزيادة الكبيرة في العدد مع زيادة ملحوظة في النسبة المئوية.
غير مذكور (تعزير):
في 2024، رصدت المنظمة الأوروبية السعودية 39 عملية قتل لم يذكر بيان وزارة الداخلية نوع الحكم فيها، مثل ذلك، ما نسبته 8.7% من مجمل الإعدامات. إخفاء نوع الحكم يعد نهجا مستجدا، لم يتم رصده في الإعدامات الفردية في السابق، وهو يأتي ضمن محاولات الحكومة السعودية التلاعب ببيانات ملف الإعدام. معظم هذه الأحكام صدرت عن المحكمة الجزائية المتخصصة بالإرهاب، وواجه المحكومون فيها تهما تراوحت بين التستر وتأييد نهج إرهابي وإطلاق نار، وهي تهم عادة ما يصدر فيها أحكام قتل تعزيرية.
بالتالي، بحسب تتبع المنظمة وصلت أحكام القتل التعزيرية ما بين المعلن عنها والمخفي نوعها إلى 48.7%، وهو ما يشكل ارتفاعا بأكثر من 11% عن العام 2023. يظهر ارتفاع رقم الإعدامات التعزيرية، أي الأحكام غير المنصوص عليها شرعا، استخدام السعودية لعقوبة القتل بشكل واسع.
القصاص:
القصاص هو مبدأ المعاقبة بالمثل وهو من العقوبات الشرعية المقدرة وهو حق واجب لأهل القتيل تُطبق لتحقيق العدل بين الجاني والمجني عليه في الجرائم التي تُزهق فيها الأرواح أو تُسبب أذى بدنيًا. ، بحيث يُجازى الجاني بمثل ما فعل، مثل القتل بالقتل أو قطع الطرف بالطرف. ويتم تطبيق القصاص بشرط توفر الأدلة القطعية ورضا ولي الدم.
في 2024، بلغت أحكام القصاص 128 حالة من إجمالي 345 حكمًا، أي بنسبة 37%. مقارنةً بعام 2023، الذي شهد تسجيل 66 حكمًا بنسبة 44.59% من الإجمالي.
الحد:
الحد هو عقوبة مقدرة شرعًا تُطبق على جرائم معينة لأجل حق الله تعالى . سجلت أحكام الحد 37 حكما في عام 2024 ما نسبته 10% من مجمل الأحكام، وكان عام 2023، قد شهد 50 عملية إعدام حدا، ما نسبته 29% من مجمل الأحكام.
إعدام الأجانب:
قتلت السعودية في 2024، 207 سعوديا، و138، أجنبيا. بالتالي شكل الأجانب ما نسبته 31% من مجمل الإعدامات، فيما كانت قد أعدمت 38 شخصا من جنسيات أجنبية في 2023، ما نسبته 22% من مجمل الإعدامات. توزعت الجنسيات على الشكل التالي: المصرية: 17، السورية: 16، اليمنية: 27، الأثيوبية: 8، السودانية: 3، النيجيرية: 14، الهندية: 3، الباكستانية: 25، السريلانكية: 1، الأردنية: 17، الأفغانية: 3، الفيليبينية: 1، البنغلادشية: 1، الإريترية: 1، الكينية:1.
ارتفاع عدد الأجانب الذين تم إعدامهم يأتي في ظل ازدياد المخاوف من كون العمال الأجانب في السعودية، عرضة لانتهاكات شنيعة بما في ذلك الاتجار بالبشر. ومع استعداد السعودية لاستضافة كأس العالم، ترتفع مخاوف من أن هذه الانتهاكات قد تتفاقم.
وفيما تنعدم الشفافية في تعامل الحكومة السعودية في ملف الإعدامات، فإن تتبع بعض القضايا لأجانب بينهم مصريون وأردنيون، أكد انتهاكات مشتركة تعرض لها العديد من المحكومين، من بين ذلك انعدام أي دور للقنصليات أو السفارات ، وعدم حصول المتهمين على حقهم في الدفاع الكافي عن النفس، وعدم تعيين محامٍ لهم، وعدم التعامل بجدية مع مرافعاتهم أمام المحكمة، إضافة إلى تعرضهم للتعذيب وسوء المعاملة.
وفيما تستخدم السعودية الأحداث الرياضية الكبرى، مثل استضافة كأس العالم والألعاب الأولمبية الشتوية وغيرها لتعزيز صورتها الدولية، محاولةً تقديم نفسها كدولة تقدمية ومنفتحة، كان الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) قد أعلن عن فوز السعودية باستضافة كأس العالم 2034 رسميا. وفيما تتبنى الفيفا معايير حقوق الإنسان كجزء من عملية اختيار الدول المضيفة، فإن اختيار السعودية يبرز تناقضاً واضحاً بين الالتزامات المعلنة والواقع الفعلي.
يأتي ذلك فيما حقوق العمال المهاجرين تعد من أبرز الملفات إثارة للقلق مع تجاهل الانتهاكات التي تطالهم، والمخاوف من انتهاكات إضافية خلال فترة التحضير للبنية التحتية اللازمة لاستضافة كأس العالم. وتشير التقديرات إلى أن العمال المهاجرين يشكلون أكثر من 30% من السكان في السعودية، وهم يعملون في قطاعات حيوية مثل البناء والخدمات.
إعدام النساء:
في 2024 أعدمت السعودية 9 نساء، وهو الرقم الأعلى في تاريخ الإعدامات للنساء في السعودية، وشكل زيادة بنسبة 50% مقارنة بعام 2023 الذي شهد إعدام 6 نساء.
وبحسب المعطيات انقسمت إعدامات النساء على الشكل التالي، 3 من الجنسية السعودية، 4 من الجنسية النيجيرية، و1 أثيوبية، و1 كينية. واجهت النساء النيجيريات الأربع تهما تتعلق بالمخدرات. وفي ظل استمرار انعدام الشفافية من الصعب معرفة عدد النساء اللواتي يواجهن عقوبة القتل حاليا.
في السياق، كانت لجنة مناهضة التمييز ضد النساء قد أشارت خلال دورتها الأخيرة في أكتوبر 2024، التي استعرضت فيها التزامات السعودية إلى أن هناك مخاوف بشأن عدالة المحاكمات وخاصة التي تخضع لها النساء المهاجرات، اللواتي يُستثنين صراحةً من الحماية بموجب نظام العمل.
توزيع المناطق:
تنشر وزارة الداخلية في بياناتها حول الإعدامات المنفذة أماكن تنفيذ الحكم. بحسب البيانات الرسمية نفذت معظم الإعدامات في الرياض، حيث شهدت 74 حكما، ، تلاها مكة المكرمة 68، والجوف: 39، وعسير: 38، والمنطقة الشرقية:35، وتبوك: 31، والمدينة المنور: 16، وجازان: 16، ونجران: 9، والحدود الشمالية:7، وحائل: 5، والقصيم: 4، والباحة: 2، والحدود الشرقية: 1.
التهم
تكرر السعودية في المحافل الدولية أن الإعدام فيها يقتصر على الجرائم الأشد خطورة، كما قبلت في 2024 توصيات تتعلق بالحد من استخدام هذه العقوبة. مقابل هذه الادعاءات، شهدت 2024 توسعا في التهم التي طالتها الإعدامات، فإلى جانب تضاعف أرقام إعدامات المخدرات، برزت إعدامات بتهم مثل التستر فقط، كما نفذت عشرات الإعدامات بتهم الخيانة الغامضة. هذا التوسع يعد أبرز مؤشرات مضي السعودية في تجاهل التزاماتها الدولية وفي استخدامات هذه العقوبة.
المخدرات:
نفذت السعودية في 2024، 122 حكم إعدام أشخاص أدينوا بجرائم تتعلق بالمخدرات، مقابل إعدامي مخدرات في 2023 ما ظهر كتصفية للسجناء بهذه التهم
شكلت قضايا المخدرات 35% من مجمل الأحكام التي نفذت في 2024 من بين هؤلاء، كان 30 من الجنسية السعودية، والبقية من جنسيات أجنبية، مشكلة 77% من العدد الكلي، توزعت كالتالي: سوريا:16، اثيوبيا: 2، أفغانستان:3، الأردن: 17، السودان: 1، اليمن: 10، باكستان: 17، مصر: 12، نيجيريا: 14.
كانت السعودية قد عادت إلى تنفيذ أحكام قتل في قضايا المخدرات في 11 مايو 2024، بعد 9 أشهر من التوقف. ويعدّ ملف إعدامات المخدرات من أبرز الملفات التي تؤكد عشوائية وتخبط السعودية وانعدام الثقة في الوعود الرسمية السعودية، والإصلاحات التي تم الترويج لها في السنوات الأخيرة. ففي يناير 2021، نشرت هيئة حقوق الإنسان الرسمية السعودية بيانا قالت فيه أن وقف تنفيذ أحكام القتل في قضايا مخدرات، الذي بدأ في يناير 2020، يهدف إلى إعطاء المعتقلين المتهمين بقضايا غير عنيفة فرصة ثانية. إضافة إلى ذلك، كان ولي العهد محمد بن سلمان قد أكد في مارس 2022 أن عقوبة الإعدام، باتت تقتصر على جرائم القتل.
على الرغم من ذلك، في 10 نوفمبر 2022، عادت السعودية إلى تنفيذ أحكام قتل في قضايا مخدرات بعد توقف لمدة سنة و11 شهر، ونفذت خلال شهر واحد 20 حكما. وفيما لا يمكن معرفة عدد الأفراد في طوابير الموت المحكومين بقضايا مخدرات في السعودية بسبب انعدام الشفافية، فمن المرجح أن هناك المئات الذين لم يتم تتبع قضاياهم، وخاصة من جنسيات أجنبية.
إضافة إلى ذلك، رصدت المنظمة إعدامات طالت 15 شخصا، بتهم تتعلق بمادة الحشيش فقط، فيما واجه 2 منهم تهمة ترويج هذه المادة فقط، أي بيعها في الداخل. بحسب تتبع المنظمة، لم يتم تسجيل إعدامات على تهمة ترويج الحشيش فقط في السابق، ما يبدو على أنه توسع إضافي في عمليات القتل في قضايا المخدرات. فإضافة إلى كون هذه التهم ليست من الأشد خطورة في القانون الدولي، فإن إضافة مواد جديدة على المواد التي كانت في السابق تستوجب القتل، وعدم استخدام عقوبات بديلة، إلى جانب ارتفاع الأرقام يؤكد انعدام الثقة في نظام العدالة في السعودية، والإصرار على عقوبة القتل بدون بديل عنها.
فيما لا يمكن التنبؤ بعدد المحكومين الذين يواجهون حاليا خطر القتل بتهم مخدرات، فإن المتوقع أن يكون الرقم كبيرا، ففي مايو 2023 كانت السعودية قد أطلقت، حملة واسعة ضد المخدرات، ووصلت إلى المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان معلومات أشارت إلى عشوائية في الاعتقالات وانتهاكات جسيمة تطال المتهمين بالتعاطي والترويج للمخدرات، بما في ذلك أوضاع مزرية في أماكن الاحتجاز وحرمان من الحقوق الأساسية في التواصل مع العالم الخارجي وفي الدفاع عن النفس وغيرها.
إضافة إلى ذلك، تابعت المنظمة في 2024، أخبار معتقلين في سجن تبوك عن حالة هلع يعيشها أكثر من 29 محكوما من الجنسية المصرية، بعد أن تم إعدام 10 من الجنسية المصرية خلال خمسة أشهر فقط. المقررون الخاصون التابعون للأمم المتحدة كانوا قد أصدروا بيانا في 4 ديسمبر 2024، أعربوا فيه عن قلقهم إزاء التطبيق التمييزي الواضح لعقوبة الإعدام ضد الرعايا الأجانب، الذين يشكلون حتى الآن 75 في المائة من جميع عمليات الإعدام لجرائم المخدرات في عام 2024، كما أشاروا إلى قضايا ثلاثة مواطنين مصريين تم إعدامهم، ودعوا الحكومة السعودية إلى وقف الإعدام الوشيك لثلاثة آخرين من الجنسيتين المصرية والأردنية على الفور.
قضايا سياسية:
نفذت السعودية 50 حكم قتل بتهم سياسية، تراوحت التهم بين التستر على إرهابيين والتواصل معهم، واعتناق نهج إرهابي، والتعاطف مع موقوفين في قضايا إرهابية، والتخابر، وصولا إلى الاشتراك في عمليات أدت إلى إطلاق النار وقتل رجال أمن. بحسب بيانات وزارة الداخلية، فإن 31 من القضايا كانت التهم فيها خيانة، و18 إرهاب، فيما قتل شخص بتهم التستر على إرهابي فقط.
صدرت أحكام القتل بتهمة الخيانة في 2024 من المحكمة الجزائية المتخصصة. وقد شهد عام 2023 إعدام شخصين بتهمة الخيانة في محاكمات عسكرية أحدهما ضابط برتبة عقيد والآخر رقيب أول، فيما لم تُسجل أي إعدامات بتهمة الخيانة في عامي 2020 و 2022. وفي عام 2021، أُعدم ثلاثة أشخاص بتهمة الخيانة بأحكام تعزيرية من المحكمة الجزائية المتخصصة.من بين الذين أعدموا في هذه القضايا 2 من الجنسية اليمنية والبقية من الجنسية السعودية. تشكل أحكام القتل في هذه القضايا 14% من مجمل إعدامات 2024.
هذا التصاعد المقلق في استخدام تهمة الخيانة يضاف الى العديد من المؤشرات والتساؤلات حول شرعية هذه المحاكمات وظروفها. تُعد تهمة الخيانة من التهم السياسية الغامضة التي تفتقر إلى الشفافية والمراقبة الحقوقية، مما يجعلها أداة محتملة للتمادي في القمع والقتل.
ممارسات مستجدة:
برزت بعض الممارسات المستجدة من قبل السعودية في 2024، في القضايا التي واجه فيها المعتقلون تهما تتعلق بالإرهاب أو القضايا السياسية، من بين ذلك إخفاء نوع الحكم من بيان وزارة الداخلية. فعلى مدى سنوات تتبع المنظمة الأوروبية السعودية لقضايا الإعدام لم تلحظ إخفاء وزارة الداخلية في بياناتها الرسمية لنوع الحكم، وهو ما مارسته هذا العام، حيث أخفت نوع الحكم في 36 قضية. معظم هذه الأحكام صدرت عن المحكمة الجزائية المتخصصة وواجه المحكومين فيها تهما تراوحت بين التستر وتأييد نهج إرهابي وإطلاق نار، وهي تهم عادة ما يصدر فيها أحكام قتل تعزيرية. وكانت السعودية قد أطلقت عدة وعود بالحد من الإعدامات بأحكام تعزير، حيث أنها أحكام تعتمد على تقدير القاضي للعقوبة من دون سند شرعي لها.
إضافة إلى إخفاء نوع الحكم، رصدت المنظمة 15 حكم قتل في قضايا سياسية وقضايا إرهاب، ذكر البيان الرسمي أن الحكم صادر عن المحكمة المختصة، من دون ذكر نوع المحكمة، على الرغم من أن المعتاد صدور هذه الأحكام عن المحكمة الجزائية المتخصصة ، وذكر ذلك في البيانات الرسمية.
توزعت الإعدامات في القضايا السياسية على 5 مناطق، هي الجوف، الرياض، عسير، مكة المكرمة والمنطقة الشرقية. فيما رصدت المنظمة إعداما جمع بين متهمين بقضايا إرهاب وخيانة من منطقتين طائفتين مختلفتين، وبالتالي واجه المحكومان محاكمات منفصلة، وهو ممارسة لم يتم رصدها سابقا إلا في الإعدامات الجماعية.
منذ العام 2016، تنفّذ السعوديّة أحكام قتل صادرة عن المحكمة الجزائية المتخصّصة وهي محكمة مختصة بقضايا الإرهاب، لكنّها شملت، بعشوائيّة لا تستند إلى معايير، قضايا متعلّقة بالتعبير عن الرأي والمشاركة في مظاهرات وتجرّمها على أنّها إرهاب.
وكانت المنظمة الأوروبية السعودية قد تتبّعت 229 إعدام نفّذته السعوديّة منذ بداية يناير 2016 حتى نهاية فبراير 2024، بأحكام صادرة عن المحكمة المتخصصة وفي الإعدامات الجماعية، وأجرت دراسة إحصائيّة بناء على المعلومات المتوفّرة. أظهر تحليل المعلومات أن 93 إعداماً أي ما نسبته 40% من مجمل الإعدامات، طال أفرادًا من القطيف، على خلفيّة الأحداث التي شهدتها المحافظة منذ عام 2011 ونفذت الإعدامات من بداية يناير 2016 حتى نهاية فبراير 2024.
في يونيو 2024، نفذت السعودية حكم قتل بحد الحرابة بحق عبد الله بن علي المحيشي. بحسب البيان الرسمي، تطابق التهم التي واجهها المحيشي مع التهم في عشرات القضايا لشبان تم إعدامهم في السعودية على خلفية نشاطهم في الحراك الذي شهدته البلاد، تم تنفيذ حكم بحق الحرابة بحقه على عكس الآخرين الذين تم تنفيذ أحكام تعزيرية بحقهم. تنفيذ أول حكم بحد الحرابة بحق معتقل من معتقلي أحداث القطيف أتى في سياق التضليل والتلاعب بعد الوعود بالحد من أحكام القتل التي لا تنص عليها الشريعة الإسلامية، والانتقادات لأحكام القتل التعزيرية التي تستند إلى تقدير القاضي للعقوبة.
إضافة إلى القتل بحد الحرابة في هذه القضية، رصدت المنظمة تزييف وتلفيق من قبل الحكومة السعودية في قضية عبد المجيد النمر. فبحسب بيان الداخلية، التهم التي واجهها النمر تتعلق بانضمامه لخلية تابعة لتنظيم القاعدة الإرهاب، بالرغم انه ينتمي للطائفة الشيعية. تشير لائحة التهم في صك الحكم إلى أن التهم التي واجهها تتشابه إلى حد كبير مع التهم التي دأبت النيابة العامة على توجيهها إلى المتهمين الذين تم الحكم عليهم على خلفية الأحداث الذي شهدته محافظة القطيف، ولا تظهر تهمة الانتماء لتنظيم القاعدة التي أوردها بيان وزارة الداخلية، وهذا ما يعتبر تزييفا واضحا للحقيقة.
العدالة الجنائية:
مسار المحاكمات:
إلى جانب أرقام الإعدامات المرتفعة، فإن متابعة مسار المحاكمات، يبين انطوائها على انتهاكات غاية في الجور، في ظل انعدام الثقة في الإجراءات القضائية. مع عدم إمكانية رصد المحاكمات بشكل كاف، تتبع بعض القضايا يشير إلى الانتهاكات تبدأ مع الاعتقال ولا تنتهي إلى تنفيذ الحكم:
التعذيب وسوء المعاملة: لم تتجاوب السعودية بشكل كاف مع المعلومات التي أكدت تعرض المعتقلين المهددين بالقتل فيها إلى التعذيب. معلومات أكدت تعرض العديد من الأفراد الذين تم اعتقالهم للتعذيب، من بينهم المصريين المهددين بالقتل في سجن تبوك بتهم مخدرات. المعلومات التي وصلت إلى المنظمة الأوروبية السعودية أشارت إلى تعرضهم للسجن الانفرادي والضرب بهدف انتزاع اعترافات. أكد عدد منهم ذلك أمام القضاة، إلا انه لم يتم التحقيق في أي من المزاعم، وتم إعدام اثنين منهم، ولا زال العشرات ينتظرون تنفيذ الحكم في أي لحظة.
في أغسطس 2024، أعدمت السعودية عبد المجيد النمر. صك الحكم بين أن النمر أكد خلال المحاكمة تعرضه للتعذيب ما أدى إلى نقله إلى المستشفى، كما طلب التقارير الطبية التي تؤكد ذلك. على الرغم من تقديم التقارير إلى المحكمة وإثبات حالته الصحية بسبب التعذيب، لم يتم محاسبة المسؤولين عنه، واستندت المحكمة إلى إقرارات منتزعة تحت التعذيب.
الحرمان من الحق في الدفاع القانوني الكافي : تكرر االسعودية أنها تؤمن محام للمعتقلين على عاتق الدولة، إلا أن المعلومات أكدت انتهاك الحق في الدفاع الكافي عن النفس في العديد من القضايا. فبحسب تتبع المنظمة يحرم الأفراد الذين يحاكمون أمام المحكمة الجزائية المتخصصة من الحصول على محام إلا بعد أول جلسة أمام المحكمة، وبالتالي لا يوجد أي دور للمحامي خلال فترة التحقيق. إضافة إلى ذلك، أشار العديد من المعتقلين أنهم دافعوا عن أنفسهم فيما هم يجهلون بالقوانين والحقوق، كما أكدت عائلة المعتقل المصري المحكوم بالقتل في قضية مخدرات جمال محمد سليمان أن المحامي الذي عينته الدولة لم يقم بأي دور ما اضطرهم إلى بيع ممتلكاتهم في مصر حتى يعينوا له محام في السعودية.
إضافة إلى ذلك، رصدت المنظمة مؤشرا خطرا في قضية عبد المجيد النمر، فبحسب أوراق المحكمة لم تطالب النيابة العامة بالإعدام في لائحة الدعوى التي قدمتها، وأصدرت المحكمة الجزائية المتخصصة حكما ضده بالسجن 9 سنوات ومنعه من السفر، إلا أن محكمة الاستئناف غيرت الحكم إلى القتل. يظهر ذلك استخفافا تاما بالحق في الحياة، ويدفع المحكومين إلى التخلي عن حقهم بطلب الاستئناف والدفاع عن أنفسهم بسبب انعدام العدالة.
الحق في التواصل مع العائلة والعالم الخارجي: تشير تقارير إلى أن العديد من المعتقلين وخاصة الأجانب، يعانون من أجل التواصل مع عائلاتهم أو العالم الخارجي. تصل مدة الحبس الانفرادي إلى أشهر يحرم خلالها المعتقلون من التواصل مع العالم الخارجي بشكل كامل، كما يُحرم بعض المعتقلين من الزيارة المنتظمة من قبل ذويهم أو من تلقي الرسائل والاتصالات، فيما يستخدم المنع من الزيارة كوسيلة ضغط وتهديد.
الحق في الوداع: تستمر السعودية في منع عائلات المحكومين بالإعدام من حقهم في الوداع، فبحسب رصد المنظمة عرفت عائلة عون أبو عبد الله وعبد المجيد النمر بإعدامهم من الإعلام من دون أن يتم إبلاغهم بشكل رسمي. إضافة إلى ذلك حرموا من حقهم في إقامة مراسم عزاء وفي الدفن.
المحكمة الجزائية المتخصصة:
من ضمن الممارسات التي وثقتها المنظمة في 2024، إخفاء نوع المحكمة في قضايا تتعلق بالإرهاب وقضايا سياسية في بيانات وزارة الداخلية. التهم تؤكد أن الأحكام صادرة عن المحكمة الجزائية المتخصصة. يأتي إخفاء المعلومات في بيانات وزارة الداخلية ضمن أدوات التلاعب التي تتخذها الحكومة السعودية والتي برزت هذا العام.
أكدت بيانات وزارة الداخلية أن 32 حكما صدر عن المحكمة الجزائية المتخصصة، فيما تم إخفاء نوعها في 15 خبر إعدام. ترى المنظمة أن استمرار إصدار وتنفيذ أحكام القتل الصادرة عن هذه المحكمة وعدم مراجعتها، هو استخفاف بالآراء القانونية الدولية التي أشارت إلى الانتهاكات التي تنطوي عليها هذه المحكمة، وسوء استخدام قانون مكافحة الإرهاب.
احتجاز الجثامين:
استمرت السعودية في عام 2024، بسياسة احتجاز جثامين الأفراد الذين تنفذ بحقهم أحكام بالقتل، فيما تتجاهل مسائلة المقررين الخاصين التابعين للأمم المتحدة لها حول هذا الملف. وبحسب تتبع المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان تحتجز السعودية 155 جثمانا على الأقل، معظمهم قتلوا على خلفية الأحداث التي شهدتها محافظة القطيف بأحكام جائرة أو خارج نطاق القضاء. طالبت العديد من العائلات بحقها في الحصول على الجثمان والدفن، إلا أن السلطات واجهتها بالتجاهل أو التهديد، حيث منعت العائلات من إقامة مراسم العزاء.
إضافة إلى ذلك، فإن تتبع المنظمة لقضايا العديد من الأجانب الذين تم إعدامهم يؤكد عدم إعادة جثامينهم إلى بلدانهم من دون أسباب، ما يشكل انتهاكا لحق العائلات في الوداع.
الوضع الحالي:
لا زالت المعلومات عن عقوبة الإعدام في السعودية شحيحة، يكتنفها الغموض ويغلب عليها انعدام الشفافية. وفي ظل قمع المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان، يصبح من الصعب جدا تتبع المحاكمات ومسارها وعدالتها، إلى جانب أرقام المحكومين في مختلف درجات التقاضي. يضاف ذلك إلى عدم تجاوب الحكومة السعودية مع طلبات الدول والسفارات، وتقصير الأخيرة في كثير من الأحيان عن القيام بدورها بشكل فاعل في تتبع قضايا مواطنيها الذين يواجهون عقوبة القتل.
تمكنت المنظمة الأوروبية السعودية من رصد عدد من القضايا للأفراد الذين يواجهون عقوبة الإعدام حاليا. بحسب رصد المنظمة يواجه 65 شخصا عقوبة الإعدام في محاكمات تجري أمام المحكمة الجزائية المتخصصة.
من بين الذين يواجهون حاليا عقوبة القتل، 8 قاصرين، أكد الفريق العامل المعني بالاعتقال التعسفي أن محاكمتهم انتهاك للقانون الدولي والالتزامات السعودية. وهم عبد الله الدرازي، جلال الباد، يوسف المناسف، علي المبييوق، حسن زكي الفرج، علي حسن السبيتي، جواد قريرص، ومهدي المحسن. وكان الفريق العامل المعني بالاعتقال التعسفي قد أصدر رأيا أكد فيه أن اعتقال الشبان تعسفي والحكم عليهم باطل، ودعا للإفراج عنهم، كما راسل الخبراء الحقوقيين السعودية أكثر من مرة وأكدوا أن ردودها غير كافية وتنكر كون المعتقلين قاصرين على الرغم من أن تواريخ ولادتهم والتهم الموجهة ضدهم تؤكد ذلك.
إضافة إلى القاصرين، يواجه عشرات الشبان، أحكاما بالقتل على خلفية أحداث القطيف. تتبع القضايا أكد انتهاكات جسيمة في قضاياهم. من بين ذلك التعذيب وسوء المعاملة والحرمان من الحق في الدفاع عن النفس. من بينهم محمد الفرج الذي يواجه الإعدام بتهم بينها الإساءة إلى العائلة المالكة من خلال ترديد شعارات مسيئة خلال المظاهرات والتجمعات، و محمد لباد الذي حكم عليه بالقتل على الرغم من أنه سلم نفسه بعد وعود بالعفو لكونه لا يواجه تهما خطيرة. وكان الفريق العامل المعني بالاعتقال التعسفي قد حذر أيضا من نهج السعودية في الاعتقالات التعسفية وطالبها بالإفراج عن سعود الفرج لكون اعتقاله تعسفي.
تشير المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان إلى معلومات وصلتها تحدثت عن نقض أحكام وإعادة محاكمة لعدد من المعتقلين على خلفية أحداث القطيف، بينهم قاصرين. لا يمكن تتبع إعادة المحاكمات، كما أنه لا معلومات عن التحقيق في الانتهاكات التي كانت قد انطوت عليها المحاكمات السابقة، بما في ذلك التعذيب وسوء المعاملة، كما لا توجد لا معلومات عن التعامل مع القاصرين.
إضافة إلى ذلك، لا تزال قضية أفراد من قبيلة الحويطات، وهم شاذلي وإبراهيم وعطالله الحويطي أمام المحكمة العليا بعد تأييد أحكام القتل بحقهم من قبل محكمة الاستئناف الجزائية المتخصصة، فيما يتعلق برفضهم السلمي لعمليات الإخلاء القسري وتهجير السكان من أجل مشروع مدينة نيوم. وكانت المحكمة الجزائية المتخصصة في السعودية، قد أصدرت أحكاما بقتلهم بتهم غامضة بينها مواقفهم الرافضة للمشروع.
إلى جانب ذلك، تستمر السعودية بالمماطلة في قضايا رجال دين وباحثين، بينهم رجل الدين سلمان العودة والباحث حسن المالكي والدكتور علي العمري ورجل الدين عوض القرني الذين اعتقلوا عام 2017، وتطالب النيابة العامة بقتلهم منذ العام 2018. بحسب تتبع المنظمة لسير المحاكمات في السعودية، فإن هذه المدة المستغرقة في المحكمة الابتدائية طويلة جدا ولا تتوافق مع الفترة الزمنية المعتادة للمحاكمات. وتشكل المماطلة من دون سبب واضح انتهاك صارخ لشروط المحاكمة العادلة.
إلى جانب الأفراد أمام المحكمة المتخصصة، رصدت المنظمة 4 قضايا أمام المحاكم الجزائية، من بينهم القاصر عبدالله الحويطي. الجدير بالذكر أن هناك صعوبة في تتبع قضايا الأفراد الذين يواجهون أحكام قتل قصاصا بتهم قتل، إلا أنه في ظل أرقام الإعدامات المرتفعة من المتوقع أن الرقم بالمئات، حيث أنه تم إعدام 158 شخصا بتهم قتل في 2024، وهي النسبة الأعلى بين التهم.
وفيما يتعلق بتهم المخدرات، على الرغم من صعوبة تتبع القضايا والملاحقات التي تتعرض لها العائلات على خلفية الدفاع عن أبنائها، تتبعت المنظمة 30 قضية لأجانب يواجهون الإعدام بتهم مخدرات، معظمهم مصريين في سجن تبوك، يتعرضون لانتهاكات صارخة في ظل الخشية من تنفيذ الحكم بحقهم في أي لحظة.
الخاتمة:
ترى المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان أن 2024، كان عاما قاتما للعدالة، فإضافة إلى تضاعف أرقام القتل، اتسعت رقعة شرائح المجتمع التي تم استهدافها، في ظل استخفاف تام بحقوقهم وحياتهم
وفي ظل التخبط ما بين الواقع والوعود، فإن ممارسات السعودية لا تعكس استخفافا تاما بالحق في الحياة فقط، بل إنها تظهر انعدام الثقة في النظام القضائي، وإصرارا على النهج الدموي في القمع.
وعلى عكس حملات الترويج التي تحاول السعودية رسم صورتها الجديدة بها، ترى المنظمة أن القتل الذي مارسته هذا العام بشكل سافر وغير مسبوق، والاستخفاف بالانتقادات الدولية ونسف الوعود الرسمية، يؤكد أن الواقع يحكمه السيف، وأن العقوبة التي من المفترض أنها تطبقها في أضيق الحدود، هي أداتها الأساسية للعقاب والترهيب والقمع السياسي والاجتماعي.
الرابط