الرابط
فايننشال تايمزحرب بلا منتصرين .. بعد 100 يوم من الحرب .. لا واشنطن حققت أهدافها ولا طهران تراجعت
قبل نحو أسبوع من اندلاع الحرب الأمريكية على إيران، تعهد دونالد ترامب بأنه لن يكون هناك اتفاق مع طهران إلا على أساس “الاستسلام غير المشروط”.
لكن بعد أكثر من مئة يوم، يحتفي الرئيس الأمريكي باتفاق يرى مراقبون أنه لا يعكس فقط قدرة الجمهورية الإسلامية على الصمود أمام القصف الأمريكي والإسرائيلي، بل يكشف أيضاً عن النفوذ الذي اكتسبته من خلال تعطيل حركة الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز.
ويقول مسؤولون أمريكيون إن الاتفاق لن يقتصر على إعادة فتح المضيق، بل يشكل أيضاً مساراً لتفكيك البرنامج النووي الإيراني، وهو أحد المطالب الرئيسية لترامب منذ سنوات. لكن منتقدين يرون أن الاتفاق، رغم أهميته في وقف الحرب، يؤجل القضايا الجوهرية إلى مرحلة لاحقة، ويعكس المعضلة التي واجهها ترامب بعد أكثر من مئة يوم من الصراع.
وقال دان شابيرو، المسؤول الأمريكي السابق:
“إنه اتفاق ضعيف جداً بالنسبة للولايات المتحدة إذا ما قورن بالأهداف التي أعلنتها في بداية الحرب. فهو يركز أساساً على إعادة فتح مضيق هرمز، الذي أصبح القضية الأكثر إلحاحاً. لكن هذا يوضح حجم النفوذ الذي امتلكته إيران لإقناع ترامب بأن إنهاء الحرب، حتى بشروط ضعيفة، أفضل من استمرارها.”
خيارات صعبة أمام واشنطن
في النهاية، كان الطرفان يريدان اتفاقاً، لكن ترامب وجد نفسه أمام خيارات متزايدة الصعوبة لإنجازه، بعدما شجعه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على خوض الحرب، بحسب محللين.
فإذا صعّدت الولايات المتحدة ضرباتها كما هدد ترامب، فإن النظام الإيراني، رغم الأضرار التي لحقت به، كان سيواصل الرد على حلفاء واشنطن في الخليج، ما كان سيعمق أزمة الطاقة العالمية. وإذا استمر الوضع القائم، فإن الاقتصاد العالمي كان سيتلقى مزيداً من الضربات.
وقال علي واعظ من مجموعة الأزمات الدولية:
“كنا أمام معادلة خاسرة للجميع، ولو استمرت الحرب لكان البديل أسوأ للطرفين.”
ما الذي ينص عليه الاتفاق؟
تنص مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران على تمديد وقف إطلاق النار الهش، الذي بدأ في الثامن من أبريل، لمدة ستين يوماً إضافية.
وخلال هذه الفترة ستعيد إيران فتح مضيق هرمز تدريجياً، مع إزالة الألغام البحرية، ومن دون فرض رسوم عبور على السفن.
ويمثل ذلك استجابة لأحد أكثر هواجس ترامب إلحاحاً، وهو احتواء أزمة الطاقة العالمية التي أشعلتها الحرب. فقد ارتفعت أسعار الوقود في الولايات المتحدة إلى أكثر من أربعة دولارات للغالون، قبل أشهر من انتخابات التجديد النصفي التي يواجه فيها الحزب الجمهوري اختباراً سياسياً مهماً.
وقال دبلوماسي مطلع على المفاوضات:
“كل طرف يحصل على شيء ما. الاتفاق يمدد وقف إطلاق النار، ويعيد فتح المضيق، ويضع الأساس لمفاوضات نووية في ظل ضغوط أقل على إيران.”
وأضاف:
“الخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن هذا هو الاتفاق النهائي.”
وأشار إلى أن فكرة “الاستسلام الكامل” لم تكن واقعية أبداً، وأن واشنطن تدرك ذلك.
وأضاف:
“الأمريكيون يعتقدون أنهم قادرون على العمل مع الحكومة الحالية في إيران. أما السعي إلى استسلام كامل فسيدفع المتشددين إلى الواجهة ويؤدي إلى وضع أسوأ. هذا اتفاق يهدف إلى استقرار طويل الأمد.”
الملف النووي مؤجل
بموجب الاتفاق، تؤكد إيران مجدداً أنها لن تطور أو تمتلك أسلحة نووية.
كما اتفقت طهران وواشنطن على وضع آلية لمعالجة مخزون اليورانيوم المخصب الإيراني.
وبحسب شخص مطلع على المفاوضات، فإن الحد الأدنى من الالتزامات يقضي بتخفيف تخصيب جميع الكميات الموجودة داخل إيران تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وتملك إيران أكثر من تسعة آلاف كيلوغرام من اليورانيوم المخصب، معظمها بمستويات منخفضة، لكن نحو 440 كيلوغراماً مخصب بدرجات تقترب من المستوى المستخدم في تصنيع الأسلحة النووية، وهو ما يصفه ترامب بـ”الغبار النووي”.
ورغم أن ترامب شدد مراراً على ضرورة التخلص من هذا المخزون، فإن المفاوضات الجوهرية بشأن الملف النووي لن تبدأ فعلياً إلا بعد توقيع مذكرة التفاهم رسمياً يوم الجمعة، فيما تشتهر إيران بإطالة أمد المفاوضات في الملفات الحساسة.
تخفيف العقوبات مقابل التقدم في المفاوضات
أي تخفيف للعقوبات، بما في ذلك الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، سيكون تدريجياً ومشروطاً بالتقدم في المحادثات النووية.
لكن الولايات المتحدة ستمنح إيران استثناءً يسمح لها ببيع النفط طوال فترة التمديد البالغة ستين يوماً، بحسب مصادر مطلعة.
ويعد الحصول على عوائد اقتصادية أمراً حيوياً بالنسبة لطهران، التي تحتاج إلى موارد مالية ضخمة لإصلاح الأضرار الهائلة التي خلفتها الضربات الأمريكية والإسرائيلية.
إيران: أضرار كبيرة لكن النظام باقٍ
تعرضت إيران خلال العام الماضي لضربات قاسية.
ففي الحرب الإسرائيلية التي استمرت اثني عشر يوماً عام 2025 تعرضت منشآتها النووية الرئيسية لقصف أمريكي.
ثم جاءت الحرب الحالية التي بدأت في 28 فبراير بعد الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك.
وفي الأيام الأولى للحرب، أدت الضربات الإسرائيلية إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي حكم إيران قرابة أربعة عقود، إلى جانب عدد من كبار القادة العسكريين والأمنيين.
كما تضررت قدرات إيران الصاروخية والطائرات المسيّرة بشكل كبير، وتعرضت مصانع الصلب والبتروكيماويات، التي تمثل مصدراً مهماً للعائدات غير النفطية، لخسائر واسعة.
ومع ذلك، بقي النظام قائماً، وتولى مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى، فيما تعزز نفوذ الحرس الثوري الذي قاد الرد العسكري الإيراني خلال الحرب.
ورقة هرمز
بعد سنوات من التهديدات، أثبتت طهران قدرتها على تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس النفط والغاز المتداول عالمياً.
كما أثبتت قدرتها على توجيه ضربات دقيقة لدول الخليج والقواعد الأمريكية في المنطقة.
ويرى شابيرو أن ذلك يمنح إيران أوراق قوة مهمة قبل الدخول في المفاوضات النووية.
وأضاف:
“ستدخل إيران المحادثات وهي تملك نفوذاً كبيراً في ما يتعلق بمصير اليورانيوم عالي التخصيب، وستواصل، كما فعلت دائماً، إطالة أمد التفاوض.”
وأشار إلى أن واشنطن ستحاول الاحتفاظ بأوراق ضغط مضادة عبر إبقاء العقوبات قائمة حتى تحصل على ما تريده في الملف النووي، لكنه حذر من أن الحفاظ على هذا الموقف سيكون صعباً.
وأضاف:
“من غير الواقعي الاعتقاد بأن ترامب سيعود بعد ستين يوماً فقط، وقبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي، إلى عمليات عسكرية واسعة.”
الصواريخ والوكلاء خارج الاتفاق
لا يتوقع أن تتناول مذكرة التفاهم الترسانة الإيرانية من الصواريخ والطائرات المسيّرة، ولا دعم طهران لحلفائها ووكلائها في المنطقة.
وهذه القضايا كانت على الدوام مصدر القلق الأكبر لإسرائيل، وكذلك لدول عربية حذرت ترامب من الحرب ودعمت الجهود الرامية إلى إنهائها.
كما تخشى هذه الدول أن تجد نفسها أمام نظام إيراني جريح لكنه أكثر تشدداً بعد انتهاء الصراع.
ورغم أن ترامب تعهد في بداية الحرب بـ”تدمير الصناعة الصاروخية الإيرانية”، فإن إيران واصلت استهداف خصومها طوال فترة النزاع.
هل يصمد الاتفاق؟
يشكك بعض المحللين في قدرة الاتفاق على الانتقال إلى مرحلته التالية، مستشهدين بخطة ترامب لإنهاء الحرب في غزة، والتي بقيت عالقة في مرحلتها الأولى منذ الإعلان عنها قبل أشهر.
وقالت سانام وكيل من المعهد الملكي للشؤون الدولية:
“الولايات المتحدة وإيران تحتجزان بعضهما البعض كرهائن؛ واشنطن تستخدم العقوبات والتهديد العسكري، وإيران تستخدم مضيق هرمز. لذلك فالأزمة لم تنتهِ فعلياً.”
وأضافت:
“لكن إذا عرفنا شيئاً عن ترامب، فهو أنه قد يبقي هذا الوضع المؤقت قائماً لفترة أطول من الستين يوماً، وهو أمر ينطوي على مخاطر.”
إسرائيل بين القلق والواقع
يرى خبراء أن إسرائيل، التي تعتمد بشكل كبير على منظومات الدفاع الأمريكية، ستجد صعوبة في مواصلة العمليات العسكرية ضد إيران إذا فقدت دعم واشنطن.
كما أن نتنياهو، الذي يواجه انتخابات لاحقاً هذا العام، لن يرغب في الدخول في مواجهة علنية جديدة مع رئيس أمريكي.
وقالت شيرا إفرون من مؤسسة راند:
“كانت إسرائيل تفضل استمرار الضغط الاقتصادي على إيران على الأقل، لكننا لا نعرف إن كان ذلك سيؤتي ثماره.”
وأضافت:
“الافتراض القائل إن إيران ستستسلم تحت الضغط العسكري انفجر في وجه إسرائيل. وسيكون من الصعب جداً تسويق ما حدث داخل إسرائيل باعتباره نجاحاً.”
كما يشمل الاتفاق وقفاً دائماً للحرب على جبهات متعددة، بينها لبنان، لكن محللين يحذرون من أن أي تصعيد جديد بين إسرائيل وحزب الله قد يهدد الاتفاق برمته.
وختم علي واعظ بالقول:
“الاتفاق سيوقف النزيف، لكنه لن يشفي الجرح.”