لست الديمقراطية رجسا من أعمال الشيطان كما يروج الطغاة. بل هى عبق الحياة الكريمة التى بدونها تتحول الى استعباد واسترقاق. والحاكم الى فرعون. وحكومته الى سجان. وحاشيته الى زبانية. والمواطنين الى اصفار عليهم السمع والطاعة. والا حق عليهم القصاص.
الأربعاء، 1 يوليو 2026
هذه المرأة لديها شجاعة أكبر من الكثير من الرجال البالغين. أمسكت باللص بأظافرها في حين احجم وتردد العديد من الرجال.!!!
أحمد حسّون مفتي سوريا خلال نظام حكم الديكتاتور المخلوع بشار الأسد ... حين يُحاكم الخطاب الديني الرسمي للحكام الطغاة في الدول العسكرية والاستبدادية
العربي الجديد
أحمد حسّون مفتي سوريا خلال نظام حكم الديكتاتور المخلوع بشار الأسد ... حين يُحاكم الخطاب الديني الرسمي للحكام الطغاة في الدول العسكرية والاستبدادية
ليست صورة الشيخ أحمد حسّون في قاعة محكمة الجنايات في دمشق، الخميس الماضي (25/6/2026)، مجرّد مشهد قضائي عابر. فللمرّة الأولى منذ تأسيس منصب المفتي العام للجمهورية السورية، يجلس من شغل هذا الموقع أمام قاضٍ جنائي، لا ليُسأل عن فتوى أصدرها أو اجتهاد فقهي تبنّاه، بل عن الدور الذي أداه في واحدة من أكثر مراحل سورية دموية.
في قضية أحمد حسّون، لا يمثل عالم دين أمام القضاء فحسب، بل يُختبر أيضاً الدور الذي أدّته المؤسسة الدينية الرسمية في إضفاء الشرعية على السلطة خلال سنوات الحرب. في تلك اللحظة، لم يكن هذا الرجل يمثل نفسه وحده. كان يمثل سؤالاً ظل مؤجلاً طوال سنوات النزاع: أين تنتهي وظيفة رجل الدين الرسمي، وأين تبدأ مسؤوليته القانونية عندما يصبح جزءاً من خطاب السلطة في زمن الحرب؟ هذا هو السؤال الحقيقي الذي تمنح محاكمة أحمد بدر الدين حسّون فرادتها. فالمتهم ليس قائداً عسكرياً أصدر أوامر بالقتال، ولا مسؤولاً أمنياً ارتبط اسمه بمراكز الاحتجاز، ولا وزيراً وقّع قرارات تنفيذية. إنه رجل لم تكن أداته البندقية، بل المنبر. غير أن السلطة لا تُبنى بالقوة وحدها، كما أن الحروب لا تُدار بالسلاح وحده. فكل نظام يواجه أزمة وجود يبحث، في الوقت نفسه، عمّن يحميه، وعمّن يدير مؤسّساته، وعمن يمنح أفعاله شرعية أخلاقية أو قانونية أو دينية.
ومن هذه الزاوية، يصعب فهم موقع أحمد حسّون بمعزل عن طبيعة المنصب الذي شغله، فمنذ تعيينه مفتياً عاماً للجمهورية عام 2005، لم يكن مجرّد فقيه يؤدّي وظيفة دينية، بل أصبح جزءاً من المؤسّسة الرسمية للدولة. ومع اندلاع الاحتجاجات الشعبية عام 2011، لم يختر موقع الوسيط أو الداعي إلى التهدئة، وإنما انخرط بصورة كاملة في خطاب السلطة، مدافعاً عن روايتها للصراع، ومهاجماً خصومها، وداعياً إلى الالتفاف حول الجيش، ومطلقاً تصريحات أثارت جدلاً واسعاً داخل سورية وخارجها، أبرزها تهديده العلني بأن أي تدخل عسكري ضد سورية قد يفضي إلى عمليات انتحارية في أوروبا والولايات المتحدة.
ولم يقف الأمر عند حدود الخطاب الموجّه إلى الداخل أو إلى الغرب، فقد امتد إلى الإشادة العلنية بقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، بوصفه داعماً للدولة السورية، رغم أن اسم هذا الشخص ارتبط، في تقارير أممية وحقوقية، بالدور الذي لعبته التشكيلات المسلحة المدعومة من إيران في النزاع السوري. ولا تكمن أهمية هذه الوقائع في بعدها السياسي وحده، وإنما في احتمال أن ترى النيابة العامة فيها، إذا أثبتت صلتها بالوقائع محل الاتهام، واحداً من العناصر التي تستند إليها في بناء تصوّرها لدور المتهم.
ليست خصوصية أحمد حسّون في انتمائه المذهبي، بل في الوظيفة التي شغلها، فالقضية لا تتعلق بأنه شيخ دين سني، وإنما بأنه المرجعية الدينية الرسمية للدولة
لكن أهمية قضية أحمد حسّون لا تنبع من مضمون تصريحاته وحدها، بل من الموقع الذي صدرت عنه، فالرجل لم يكن إمام مسجد يعبر عن رأيه الشخصي، ولا داعية مستقلاً يخاطب جمهوراً محدوداً، وإنما كان المفتي العام للجمهورية، أي أعلى مرجعية دينية رسمية في الدولة. وهذه ليست مجرد صفة بروتوكولية، بل موقع يمنح صاحبه سلطة رمزية ومعنوية تجعل أثر كلمته مختلفاً عن أثر أي خطاب ديني آخر. وربما هنا تكمن إحدى أكثر مفارقات هذه القضية دلالة.
فالسلطة السورية، التي اعتمدت في بقائها على مؤسّساتها الأمنية والعسكرية، كانت تدرك، في الوقت نفسه، أن القوة وحدها لا تكفي لإنتاج الشرعية، فهي تحتاج رواية تبرّر خياراتها، وأصواتاً تمنحها غطاءً أخلاقياً أو دينياً أمام الرأي العام.
وفي الحالة السورية، اكتسب هذا البعد أهمية خاصة. فالمسلمون السنة يشكلون غالبية السكان، كما أن معظم المناطق التي خرجت منها الاحتجاجات الأولى، ثم تعرضت لاحقاً للحصار والقصف والتهجير والنزوح، تنتمي إلى هذه البيئة الاجتماعية. ولذلك لم تكن السلطة بحاجة إلى رجل دين لأنه ينتمي إلى هذه الغالبية، بل لأنها كانت بحاجة إلى مؤسسة دينية رسمية تستطيع مخاطبة المجتمع الذي كانت الحرب تتمدد في قلبه، وأن تضفي على خياراتها السياسية والعسكرية قدراً من الشرعية الأخلاقية والدينية لا تستطيع المؤسسة الأمنية ولا العسكرية إنتاجه.
ومن هنا، ليست خصوصية أحمد حسّون في انتمائه المذهبي، بل في الوظيفة التي شغلها، فالقضية لا تتعلق بأنه شيخ دين سني، وإنما بأنه المرجعية الدينية الرسمية للدولة، التي اختارت، طوال سنوات النزاع، أن تتبنّى خطاب السلطة وتدافع عنه. ولذلك ما تنظر فيه المحكمة اليوم ليس هوية المتهم، بل طبيعة الدور الذي أدّاه من داخل مؤسّسة عامة، وما إذا كان هذا الدور قد تجاوز حدود التأييد السياسي أو الديني إلى ما يمكن أن يرتب مسؤولية جنائية، وهو أمر يبقى الفصل فيه رهناً بما ستثبته النيابة العامة أمام القضاء.
ولعل هذا ما يفسّر أيضاً اختلاف محاكمة أحمد حسّون عن محاكمات شخصيات أخرى من أركان النظام السابق. فإذا كانت محاكمة عاطف نجيب تعيد فتح ملف القبضة الأمنية التي واجهت الاحتجاجات في بداياتها، ومحاكمة وسيم الأسد تلامس اقتصاد الحرب وشبكات النفوذ التي ازدهرت في ظلها، فإن محاكمة أحمد حسّون تمس ركناً ثالثاً لا يقل أهمية: الخطاب الذي سعى إلى إضفاء شرعية سياسية ودينية على خيارات السلطة. وهكذا، لا تبدو هذه المحاكمات مجرّد مساءلة لثلاثة أشخاص، بقدر ما تبدو، في رمزيتها، مساءلة لثلاث وظائف مختلفة أدتها مؤسسات الدولة خلال سنوات النزاع: الأمن، والنفوذ، والشرعية. غير أن كل هذه الرمزية، على أهميتها، لا تصلح بذاتها أساساً للإدانة. فالقانون لا يحاكم الرموز، بل الأشخاص. ولا يفصل في التاريخ، بل في الوقائع. وهذه هي النقطة التي ينبغي ألا تغيب عن النقاش العام، مهما بلغت حساسية القضية أو حجم الانقسام الذي ما زالت تثيره شخصية أحمد حسون.
ولعل أكثر ما يكشف هذا الخلط هو اللقب الذي التصق به في الذاكرة السورية: "مفتي البراميل". فهذا الوصف، مهما كانت دلالته السياسية والأخلاقية، لا يشكل دليلاً قضائياً، فالألقاب التي يصنعها الرأي العام تعبّر عن ذاكرة جمعية، لكنها لا تغني المحكمة عن واجب الإثبات. وهنا يظهر الفارق الجوهري بين المسؤوليتين، الأخلاقية والجنائية.
فقد يحمل المجتمع شخصاً مسؤولية أخلاقية عن خطاب تبنّاه أو موقف دافع عنه، لكن المحكمة لا تصدر أحكامها على أساس الضمير العام أو القناعة السياسية، وإنما على أساس أفعالٍ يجرّمها القانون، تثبت بأدلة تخضع للمناقشة العلنية. ولهذا، ليس السؤال الذي يواجه القضاء اليوم ما إذا كان أحمد حسّون وقف إلى جانب السلطة، فهذا لم ينكره هو نفسه، وإنما ما إذا كان هذا الموقف قد تجسّد، في ظروف محدّدة، في أفعال أو تصريحات ترتب مسؤولية جنائية فردية. وهذا التمييز ليس ترفاً قانونياً، بل هو ما يميز العدالة عن الانتقام.
لا تبني قضية حسون على توصيف سياسي، بل على نصوص في قانون العقوبات السوري، تنسب إلى المتهم، من بين أمور أخرى، التحريض والتدخل في جرائم القتل، وإثارة النعرات الطائفية
لقد عرف السوريون، عقوداً طويلة، قضاءً كانت الأحكام فيه تسبق المحاكمات، وكانت الإجراءات تأتي لتبرير نتائج حُسمت سلفاً. وإذا كان من معنى لأي تحول قانوني اليوم، فإنه يبدأ من رفض إعادة إنتاج هذا النموذج، حتى عندما يتعلق الأمر بشخصيات ارتبطت أسماؤها بواحدة من أكثر المراحل إيلاماً في تاريخ البلاد.
ولهذا، فإن المحكمة لا تملك أن تبدأ من صورة أحمد حسون في الوعي العام، ولا من حجم الغضب الذي يثيره اسمه لدى كثير من السوريين. إنها مطالبة بأن تبدأ من مكان واحد فقط: ملف الدعوى. ومن هنا، تكتسب لائحة الاتهام أهميتها. فهي لا تبني القضية على توصيف سياسي، بل على نصوص في قانون العقوبات السوري، تنسب إلى المتهم، من بين أمور أخرى، التحريض والتدخل في جرائم القتل، وإثارة النعرات الطائفية، والمساهمة في أفعال ترى النيابة العامة أنها تدخل في نطاق الجرائم التي يعاقب عليها القانون الوطني. كما تضفي على بعض الوقائع وصفاً مستنداً إلى قواعد القانون الدولي الإنساني، باعتبارها قد ترقى، إذا ثبتت عناصرها، إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، وهي أوصافٌ شدّد قرار الاتهام على أنها لا تسقط بالتقادم ولا يشملها العفو. غير أن إدراج هذه الأوصاف لا يعفي الادّعاء من عبء الإثبات، بل يضاعفه، فالنيابة العامة لا يكفيها أن تعرض تسجيلاتٍ لخطب أحمد حسّون، أو أن تثبت دفاعه عن الجيش، أو إشادته بشخصيات عسكرية أو سياسية ارتبطت بالنزاع. قد يكون هذا كله جزءاً من السياق، لكنه لا يكفي وحده لقيام المسؤولية الجنائية. المطلوب إثبات الصلة القانونية بين أقوال محدّدة ووقائع محدّدة، بحيث تقنع المحكمة بأن هذه الأقوال لم تكن مجرّد تعبير عن موقف سياسي، وإنما أسهمت، على النحو الذي يحدّده القانون، في ارتكاب الجرائم المنسوبة إليه.
وليس هذا الشرط استثناءً سورياً، بل هو من المبادئ الراسخة في القضاء الجنائي الدولي، ففي القضية المعروفة الخاصة بوسائل الإعلام في رواندا، لم تُدن المحكمة مسؤولين إعلاميين لأن خطابهم كان متطرّفاً أو صادماً، وإنما لأنها خلصت، بعد فحص دقيق للأدلة، إلى أن ذلك الخطاب تحوّل إلى أداة مباشرة للتحريض على الإبادة الجماعية. وفي المقابل، أكّدت أحكام أخرى أن التعبير، مهما كان قاسياً أو منحازاً، لا يكفي وحده لقيام الجريمة ما لم تثبت العلاقة القانونية بين الكلمة والنتيجة.
ولهذا، لا تقدّم المقارنة مع تلك السوابق جواباً جاهزاً على قضية أحمد حسّون، لكنها تضع معياراً واضحاً: لا يكفي أن يكون الخطاب مستهجناً، بل يجب أن يثبت القضاء أنه تجاوز حدود الرأي إلى حدود الفعل.
وفي المقابل، لا يجوز أن تتحوّل ضمانات المحاكمة العادلة إلى ذريعة لتعطيل المساءلة. فحقوق الدفاع ليست امتيازاً يمنح للمتهم، وإنما هي ضمانة لحماية الحكم نفسه. كما أن قرينة البراءة لا تعني التقليل من خطورة الوقائع المنسوبة إليه، بل تعني أن المحكمة لا تبني قناعتها إلا على ما يثبت أمامها، لا على ما استقر في الذاكرة العامة.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في أولى جلسات المحاكمة أن حسّون حاول، منذ اللحظة الأولى، إعادة تأطير علاقته بالسلطة باللغة التي أتقن استخدامها سنوات. فعندما شبّه موقعه من بشار الأسد بموقع موسى من فرعون، لم يكن يقدّم دفاعاً قانونياً بقدر ما كان يقدّم رواية أخلاقية عن دوره. لكن المحكمة لا تفصل في الاستعارات، ولا تحاكم البلاغة. ما يعنيها سؤال واحد: هل تؤيد الأدلة الرواية التي تقدمها النيابة، أم الرواية التي يقدّمها المتهم؟
ومن هذه الزاوية، لا تختبر محاكمة أحمد حسّون الرجل وحده، بل تختبر القضاء الذي ينظر في قضيته، فالدول الخارجة من النزاعات لا تُقاس قدرتها على المحاسبة بعدد المتهمين الذين يمثلون أمام المحاكم، بل بقدرتها على إخضاعهم جميعاً، أياً كانت مواقعهم السابقة، للمعايير القانونية نفسها. فالقضاء لا يثبت استقلاله عندما يصدر أحكاماً قاسية، وإنما عندما يقاوم، في الوقت ذاته، ضغط السياسة، وضغط الرأي العام، وضغط الذاكرة الجماعية.
ولهذا، لن تُقاس القيمة الحقيقية لهذه المحاكمة بما إذا انتهت إلى إدانة أحمد حسّون أو إلى تبرئته، بل بالطريق الذي سيسلكه القضاء للوصول إلى أي من النتيجتين. فإذا استند الحكم إلى أدلة خضعت للمناقشة العلنية، واحترم حقوق الدفاع، وطبق القانون بمعيار واحد، فإنه سيكتسب شرعية تتجاوز هذه القضية نفسها. أما إذا غلبت الرمزية على الإثبات، أو بدا أن التاريخ سبق المحكمة إلى إصدار حكمه، لن تكون سورية قد غادرت تماماً الإرث الذي تحاول تجاوزه، بل ستكون قد استبدلت استثناءً بآخر.
الخلط بين المحاكمة الجنائية والعدالة الانتقالية قد يحمّل هذه القضايا أكثر مما تحتمل. فالمحاكمات، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع وحدها أن تحمل أعباء العدالة الانتقالية بأكملها
ولعل هذا هو المعنى الأعمق لمحاكمة أحمد حسّون. فهي لا تدور، في جوهرها، حول رجل دين شغل منصب المفتي العام للجمهورية، بقدر ما تدور حول العلاقة بين السلطة والشرعية والمسؤولية، فالدولة التي اعتمدت، سنوات، على السلاح لإدارة الصراع، احتاجت أيضاً إلى خطابٍ يبرّر خياراتها ويمنحها شرعية أمام المجتمع. وما تنظر فيه المحكمة اليوم ليس الدين، ولا المؤسّسة الدينية، ولا انتماء المتهم، بل حدود المسؤولية القانونية لمن شغل أعلى موقع ديني رسمي، عندما اختار أن يصبح جزءاً من هذا الخطاب.
وقد تثبت المحكمة، بعد استكمال المحاكمة، أن أحمد حسّون تجاوز بأقواله وأفعاله الحدود التي يرسمها القانون، وقد تنتهي إلى غير هذا. ولكن أياً تكن النتيجة، ستبقى القضية محطة مفصلية في تاريخ القضاء السوري؛ لأنها تطرح، للمرّة الأولى بهذا الوضوح، سؤالاً لم يعد يتعلق بأحمد حسّون وحده، بل بكل من شغل موقعاً عاماً خلال سنوات النزاع: أين تنتهي الحماية التي يوفرها المنصب، وأين تبدأ المسؤولية التي يفرضها القانون؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تحدّد مصير متهم واحد، بل ستسهم في رسم ملامح العدالة التي يريدها السوريون لبلدهم بعد سنوات الحرب؛ عدالة لا تُبنى على الذاكرة وحدها، ولا على الرغبة في الانتقام، وإنما على مبدأ بسيط، لكنه كان غائباً طويلاً: أن لا أحد، مهما علا منصبه أو اشتدت رمزيته، يكون فوق القانون، وأن لا أحد، مهما كانت التهم الموجّهة إليه، يُدان إلا بما يثبت عليه أمام قضاء مستقل وعادل.
غير أن توصيف ما يجري في دمشق لا يقل أهمية عن تقييمه. فإسباغ وصف "العدالة الانتقالية" على المحاكمات الجارية ينطوي على قدر من التسرّع، ليس انتقاصاً من أهميتها، بل حرصاً على الدقة القانونية والمفهومية، فالعدالة الانتقالية، في الأدبيات القانونية والتجارب المقارنة، ليست مرادفاً للمحاكمات الجنائية، وإنما هي منظومة متكاملة تتجاوز القضاء إلى كشف الحقيقة، وجبر ضرر الضحايا، وإصلاح المؤسّسات التي مكّنت الانتهاكات، ووضع ضمانات قانونية ومؤسّسية تحول دون تكرارها. وهذه الأركان، مجتمعة، لم تتبلور في الحالة السورية بعد، وما زال معظمها في طور التأسيس.
وقد يكون من الأدق، في المرحلة الراهنة، التمييز بين المحاسبة والعدالة الانتقالية. فالمحاسبة قد تبدأ بالمحاكمات، أما العدالة الانتقالية فلا تبدأ بها وحدها، ولا تنتهي عندها. ومن هذا المنظور، تبدو المحاكمات الجارية أقرب إلى مسار للمساءلة الجنائية لعدد من رموز النظام السابق، يقوده القضاء السوري ويستند، في أساسه، إلى أحكام القانون السوري، مع الاستئناس بقواعد القانون الدولي في توصيف بعض جرائم منسوبة إلى المتهمين. ويجري هذا المسار في سياق سياسي وقانوني خاص، يتصل بإعلان السلطات الجديدة عزمها على ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة خلال المرحلة السابقة، كما يستجيب، في الوقت نفسه، لمطلب شعبي واسع بمحاسبة من يُشتبه في مسؤوليتهم عنها. ولا ينتقص هذا السياق من القيمة القانونية للمحاكمات، ما دامت المحكمة تظل ملزمة بالفصل في الوقائع والأدلة وفق القانون، بعيداً عن ضغط السياسة أو الرأي العام.
ومن هنا، فإن الخلط بين المحاكمة الجنائية والعدالة الانتقالية قد يحمّل هذه القضايا أكثر مما تحتمل. فالمحاكمات، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع وحدها أن تحمل أعباء العدالة الانتقالية بأكملها، كما أن نجاح العدالة الانتقالية لا يُقاس بعدد الإدانات أو قسوة الأحكام، بل بقدرتها على معالجة جذور الانتهاكات، وجبر ضرر الضحايا، وإصلاح المؤسسات، وترسيخ ضمانات عدم التكرار. ولذلك، فإن المعيار الحقيقي للحكم على هذه المحاكمات لا يكمن في النتائج التي ستنتهي إليها فحسب، وإنما في مدى التزامها بأصول المحاكمة العادلة، واحترامها لحقوق الدفاع، وقدرتها على تطبيق القانون بمعيار واحد على جميع المتهمين. فإذا نجحت في ذلك، أمكن النظر إليها بوصفها خطوة تأسيسية في مسار أوسع للمحاسبة وسيادة القانون، لا بديلاً عن العدالة الانتقالية بمفهومها الشامل، بل إحدى لبناتها الضرورية.
الرابط
مصر تتوصل إلى اتفاق مبدئي مع صندوق النقد الدولي للحصول على تمويل جديد بقيمة 1.64 مليار دولار
ميدل إيست مونيتور
مصر تتوصل إلى اتفاق مبدئي مع صندوق النقد الدولي للحصول على تمويل جديد بقيمة 1.64 مليار دولار
أعلنت الحكومة المصرية يوم الثلاثاء أنها توصلت إلى اتفاق مبدئي مع صندوق النقد الدولي من شأنه أن يتيح تمويلاً جديداً بقيمة 1.64 مليار دولار تقريباً، وذلك رهناً بموافقة المجلس التنفيذي للصندوق.
أعلن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في بيان له أن الحكومة وبعثة من صندوق النقد الدولي توصلتا إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعة السابعة لبرنامج صندوق التمويل الممدد لمصر، بالإضافة إلى المراجعة الثانية في إطار برنامج تعزيز القدرة على الصمود والاستدامة. ولم يُحدد موعد لقرار المجلس التنفيذي.
يُعد برنامج التمويل الاقتصادي أحد برامج الإقراض الرئيسية لصندوق النقد الدولي، وهو مصمم لدعم البلدان التي تواجه مشاكل هيكلية طويلة الأجل في ميزان المدفوعات مقابل الإصلاحات الاقتصادية التي تهدف إلى تعزيز الاستقرار والنمو المستدام.
وافق صندوق النقد الدولي على ترتيب صندوق التمويل الموسع لمصر في ديسمبر 2022، على أن يتم صرف التمويل على مراحل بعد أن تؤكد المراجعات الدورية امتثال البلاد لالتزامات الإصلاح المتفق عليها.
برنامج RSF هو برنامج تمويل أحدث تابع لصندوق النقد الدولي يدعم البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط في معالجة التحديات طويلة الأجل مثل تغير المناخ والتأهب للأوبئة من خلال تمويل ميسر طويل الأجل مقابل تنفيذ إصلاحات تعزز القدرة على الصمود والاستدامة.
وافق صندوق النقد الدولي على مشاركة مصر في آلية الدعم السريع في 10 مارس 2025 وأكمل المراجعة الأولى للبرنامج في 25 فبراير 2026.
بإرادة حديدية وقوة أسطورية..
حصانٌ من السلالات الثقيلة يزن أكثر من 1100 كجم يُبهر الحضور في سلوفاكيا، مُظهراً بأسه في انتزاع جذع شجرة يزن 4 أطنان من وحلٍ متمسك.
يُظهر مقطع فيديو مروع أعمال شغب داخل السجن بعد تفاقم الإحباطات بشأن الوصول إلى النزلاء.
يُظهر مقطع فيديو مروع أعمال شغب داخل السجن بعد تفاقم الإحباطات بشأن الوصول إلى النزلاء.
يقول المدير بالنيابة تيموثي وير إن نقص الموظفين أجبر على فرض قيود على الحركة، مما أدى إلى اندلاع الاضطرابات في فبراير في مركز العدالة بمقاطعة سانت لويس.
أصدر المسؤولون في ولاية ميسوري مقطع فيديو وتقريراً من 100 صفحة يوثق أعمال شغب وقعت في فبراير داخل سجن محلي، حيث سيطر 34 سجيناً لفترة وجيزة على وحدة سكنية وألحقوا أضراراً بالممتلكات بعد مشاكل في الاتصال بالهاتف وشبكة الواي فاي.
رصدت كاميرات المراقبة حادثة 7 فبراير، والتي بدأت عندما أعرب نزلاء مركز العدالة في مقاطعة سانت لويس عن غضبهم من الوصول إلى الهاتف، واتصالات الواي فاي، والوقت المخصص لهم خارج زنازينهم، ورفضوا العودة إليها، حسبما أفادت قناة فوكس 2 ناو .
بدأ الحادث برفض جماعي سلمي من قبل السجناء العودة إلى زنازينهم قبل أن يصبحوا أكثر إثارة للاضطرابات الجسدية، وفقًا للتقرير. وألقى المسؤولون باللوم مباشرة على النقص الحاد في عدد الموظفين في حدوث الاضطرابات.
قال الكابتن تيم وير، القائم بأعمال مدير إدارة خدمات العدالة في مقاطعة سانت لويس: "تُظهر هذه الحادثة مدى عدم استقرار الأوضاع داخل السجن، وأهمية دور ضباط الإصلاح. إن استياء النزلاء الذي أدى إلى هذه الحادثة يعود بالكامل إلى نقص عدد ضباط الإصلاح، الأمر الذي استدعى فرض قيود على تحركات النزلاء".
وبينما كان ضباط الإصلاح يحاولون تهدئة الموقف، قام السجناء بإغلاق مدخل وحدة السكن بأثاث المناطق المشتركة.
وقال وير: "لقد حاولوا تهدئة الوضع مع السكان، لكن ذلك لم ينجح؛ قام السكان بنقل بعض الأثاث وإغلاق الباب".
في إحدى المرات، استخدم أحد السجناء كرة سلة لإسقاط كاميرا مراقبة مثبتة. كما قام السجناء بتكسير أجهزة تلفزيون وكشك لبيع المواد الغذائية وأجزاء من السقف، وفقًا لما ذكرته شبكة سبكتروم نيوز.
وبلغ إجمالي الأضرار أكثر من 30800 دولار، وفقًا لسجلات مقاطعة سانت لويس.
استخدمت السلطات في نهاية المطاف مواد كيميائية لتأمين المنطقة. وأشار وير إلى أنه من بين 34 سجينًا متورطًا، تم تحويل التهم الجنائية الموجهة لأربعة من "الفاعلين الرئيسيين" إلى قسم شرطة كلايتون والمدعي العام للمقاطعة للمراجعة.
استجابةً للحادث، وافق قادة المقاطعة على تخصيص 3 ملايين دولار كتمويل طارئ للخدمات الطبية من أجل تقديم دعم أفضل لما يقرب من 1200 سجين موجودين في المنشأة.
بالإضافة إلى ذلك، يسعى المسؤولون بنشاط إلى شغل ما يقرب من 80 وظيفة شاغرة لضباط الإصلاح .
لمنع حدوث اضطرابات مستقبلية، يُغيّر السجن نهجه التشغيلي. وقال وير: "لقد بدأنا تدريبات إضافية... تمارين نظرية وتمارين بدنية... حتى يكون الضباط مستعدين لاتخاذ القرارات عند حدوث شيء مماثل"
اصطدمت حافلة كانت تقل 15 من طاقم رحلة الخطوط الجوية الملكية الأردنية رقم RJ8261 بسيارات أخرى على طريق لونغ آيلاند السريع (LIE) في كوينز بنيويورك أثناء نقلهم من مطار جون إف كينيدي الدولي (JFK) إلى الفندق فجر امس الثلاثاء بتوقيت الولايات المتحدة.
أدى التصادم إلى انقلاب الحافلة مما أسفر عن:
الوفيات: مقتل أحد أفراد الطاقم الجوي للملكية الأردنية وسائق الحافلة.
الإصابات: نقل نحو 20 شخصاً -بينهم طاقم الطائرة وسائقو السيارات الأخرى- إلى مستشفيات المنطقة، حيث وُصف أحدهم بالحرجة، بينما استقرت الحالة الصحية لباقي أفراد الطاقم.
أعربت الشركة عن بالغ حزنها وتتابع التحقيقات بالتنسيق مع السلطات المعنية، حيث تعمل إدارة شرطة نيويورك (NYPD) والمجلس الوطني لسلامة النقل (NTSB) على التحقيق في ملابسات الحادث.
خسر ترامب في قضية الجنسية بالولادة، لكنه يربح حروب الهجرة.
منصة "ذا بولوارك" - "ذا بولوارك" (The Bulwark) هي منصة إعلامية وإخبارية أمريكية أُطلقت عام ٢٠١٨ وتُعنى بالسياسة، والآراء، والمعايير الدستورية.
خسر ترامب في قضية الجنسية بالولادة، لكنه يربح حروب الهجرة.
رفضت المحكمة العليا مناورته الدستورية الجريئة، لكنها مهدت الطريق لأكبر عملية إلغاء محتملة لوضع الهجرة القانوني في التاريخ الأمريكي.
وجهت المحكمة العليا الأمريكية ضربة قوية لبرنامج الترحيل الجماعي الذي أطلقه دونالد ترامب صباح الثلاثاء في قضية ترامب ضد باربرا، وذلك بقرار بأغلبية 6-3 أبطل أمره التنفيذي الذي زعم أنه ينهي حق المواطنة بالولادة.
لكن ما مدى قوة هذه الضربة حقاً؟
لقد ظللتُ أفكر في هذا السؤال منذ صدور الحكم صباح الثلاثاء. ومن خلال حواراتي المتعددة مع فقهاء القانون والمدافعين عن حقوق المهاجرين، اتضح لي أن المخاوف التي انتابتهم قبل يوم النطق بالحكم لم تتبدد إلا جزئياً.
نعم، لقد أيد قرار المحكمة العليا أن الأطفال المولودين في الولايات المتحدة لآباء موجودين بشكل غير قانوني أو مؤقت "يخضعون لولاية" الولايات المتحدة و"يعتبرون مواطنين عند الولادة بموجب بند المواطنة في التعديل الرابع عشر".
نعم، قال رئيس المحكمة العليا جون روبرتس، الذي كتب رأي الأغلبية: "إن المواطنة، آنذاك والآن، هي الحق في التمتع بالحقوق - في المشاركة بحرية في مجتمعنا السياسي. وقد وسّع واضعو التعديل الرابع عشر هذا الوعد ليشمل "كل شخص يولد حراً في هذه الأرض". ... ونحن نفي بهذا الوعد اليوم".
لكن دعونا نتجاوز الأسلوب الأدبي ونتأمل الغاية. لم يكن روبرتس يوجه حجته للعامة فحسب، بل كان يوجهها لزملائه أيضاً.
عارض القضاة كلارنس توماس، وصموئيل أليتو، ونيل غورسوش الحكم. (أيد القاضي بريت كافانو الحكم، لكنه عارضه جزئيًا ولم ينضم إلى رأي الأغلبية الذي كتبه روبرتس). بعبارة أخرى، كان أربعة قضاة في المحكمة العليا على استعداد للتصريح بأنهم لا يعتقدون أن حق المواطنة بالولادة مكفول في الدستور - وهي حقيقة كانت ستصدم معظم فقهاء القانون قبل فترة ليست ببعيدة.
نعم، إن رفض المحكمة لأمر ترامب يكشف عن حدود رؤيته المتوسعة، والتي غالباً ما تكون غير قانونية، للسلطة التنفيذية، والتي تمتد إلى تعديل الدستور عبر مثل هذه الأوامر. ونعم، إن أكثر من 250 ألف طفل يولدون في الولايات المتحدة سنوياً، والذين كان من الممكن أن يتأثروا لو تم تأييد الأمر التنفيذي، لم يتأثروا.
لكن معارضي الأمر التنفيذي لترامب ما زالوا يخشون التطورات المستقبلية. فالباب لا يزال مفتوحاً أمام الكونغرس المستقبلي لتقييد حق المواطنة بالولادة عبر التشريعات، ويكفي تغيير رأي قاضٍ واحد لتحقيق هذا الهدف.
أصبحت هذه القضية مادة دسمة لعناوين رئيسية ضخمة عندما وقع ترامب، من بين العديد من الأوامر التنفيذية التي وافق عليها في الساعات التي تلت أدائه اليمين الدستورية لولايته الثانية، أمراً يحاول إلغاء حق المواطنة بالولادة.
تم التصديق على التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي عام 1868 لمنح الجنسية للأمريكيين السود الذين كانوا مستعبدين سابقًا، وهو يجعل المولودين على الأراضي الأمريكية مواطنين كاملين يتمتعون بجميع الحقوق والامتيازات المرتبطة بها، ويضمن "المساواة أمام القانون، بغض النظر عن العرق أو الأصل أو النسب"، كما يقول المجلس الأمريكي للهجرة . وقد ألغى هذا التعديل قرار المحكمة العليا الصادر عام 1857 في قضية دريد سكوت ، والذي نص على أن السود "غير مشمولين، ولم يكن المقصود إدراجهم، ضمن مصطلح "المواطنين" في الدستور".
أو كما قال جون بينغهام، مؤلف التعديل، ذات مرة ، كان الغرض منه هو إنهاء "التجديف الفظيع ... بأن هذه حكومة من الرجال البيض".
لكن هذا التوجه وُوجه بالطعن في بعض مراحل التاريخ. وكما أوضحت لي ماي نغاي، المؤرخة المتخصصة في شؤون الهجرة بجامعة كولومبيا، فإن الصراع على حق المواطنة بالولادة، وإن كان بالغ الأهمية، إلا أنه ليس بجديد. وأضافت أن الصراع الدائر اليوم حول هذه القضية يُشابه أحداثًا سابقة، كتلك التي تحدّى فيها فريدريك دوغلاس المواقف العنصرية والقومية في محاضرته الشهيرة عام 1867 بعنوان " أمتنا المركبة ". في ذلك الوقت، كان دوغلاس يُعارض محاولات تقييد الهجرة والتجنيس الصينيين، مُؤكدًا على ضرورة أن تشمل الديمقراطية الأمريكية بعد الحرب الأهلية جميع الأعراق.
كانت هذه هي الهوية الأمريكية الفريدة التي سعت إدارة ترامب إلى تدميرها.
وأشار نغاي إلى أنه "كما قال محامي إدارة ترامب: نحن نعيش في عالم مختلف اليوم. وقال [رئيس المحكمة العليا] جون روبرتس [خلال المرافعة الشفوية في أبريل]: "نعم، إنه عالم مختلف، لكن الدستور هو نفسه".
وهذا يثير سببًا آخر لعدم احتفاء نشطاء حقوق المهاجرين بقرار المحكمة الصادر يوم الثلاثاء على نطاق واسع. ببساطة، كان الضرر الذي لحق بمجالات أخرى كبيرًا جدًا بحيث لا يمكن الاحتفال بتأكيد ضعيف للدستور.
أشار نغاي إلى أن هذا يُعدّ بالتأكيد توبيخًا لإدارة ترامب، ولكنه يأتي وسط العديد من حالات التخلي السياسي والقانوني واسعة النطاق. وأضاف: "إذا نظرنا إلى حق المواطنة بالولادة كعنصر أساسي في أجندة ترامب ضد الملونين، فإنهم [أنصار ترامب] حصلوا على كل شيء آخر - عمليات ترحيل جماعية، وبناء الجدار، وحرمانهم من اللجوء، حتى أن حاملي البطاقات الخضراء معرضون للخطر - لكنهم خسروا خسارة فادحة في حق المواطنة بالولادة".
وصف لي تود شولت، رئيس منظمة FWD.us، وهي جماعة مؤيدة للهجرة نشأت في وادي السيليكون، كيف مثّل قرار إلغاء حق المواطنة بالولادة "درعًا واقيًا" للإدارة، مما ساعدها على رفض أوامر قضائية على مستوى البلاد وصرف انتباه وسائل الإعلام عن عشرات السياسات الأخرى التي أضرت بآلاف الأشخاص. وحذّر شولت من أن انقسام المحكمة حول مسألة إعادة كتابة الدستور يجب أن "يثير قلقًا بالغًا".
وأضاف قائلاً: "الفوز أفضل من الخسارة..."، ثم صمت.
قال شولت لي: "كان فريق ترامب يعلم أن الجميع سيصرخون بشدة لأن الأمر غير قانوني بشكل واضح"، لكن "جهودهم لإعادة كتابة الدستور كما يحلو لهم - حتى لو انتهت بـ'خسارة' اليوم - قد حققت أهدافهم بشكل كبير. يجب أن نكون واضحين بشأن أين سيواصلون سلب الجنسية من ملايين الأشخاص".
شهدت النائبة أناليليا ميخيا (من نيوجيرسي الشمالية) عن كثب آلة الترحيل الجماعي التي تتبعها الإدارة في مركز احتجاز ديلاني هول في نيوارك، نيوجيرسي. ورغم أنها ترى بوضوح مدى وحشية سياسات الإدارة في هذا المجال، إلا أنها لا تزال ترى أهمية بالغة في توبيخ المحكمة لترامب وستيفن ميلر.
وقالت: "إن التعديلات الثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة هي ثمرة التأسيس الثاني لهذه الأمة".
صراعٌ متأصلٌ فينا منذ نشأتنا، بلغ ذروته في حربٍ أهلية. أدرك دعاة إلغاء العبودية، من السود والبيض على حدٍ سواء، أننا لا نحتاج فقط إلى إلغاء العبودية، وهي من أبشع ما ارتكبته البشرية، بل علينا أيضًا ترسيخ جوانب الحرية إلى الأبد، مع اعتبار المواطنة بالولادة حجر الزاوية. لأن العبيد المحررين أدركوا أن لا أحد يولد بحقوقٍ أقل من الآخر، وهو أحد أهم جوانب دستورنا - دستور التأسيس الثاني - وأنا أشعر بالاشمئزاز من استعداد هذه الإدارة لتحديه.
اتفق الديمقراطيون والناشطون في مجال الهجرة بشكل عام على أنه في حين أن هجوم الإدارة على حق المواطنة بالولادة كان خطيرًا - ولا يزال كذلك، كما ذكر أعلاه - فإن دفعها المناهض لحق المواطنة بالولادة كان من المرجح دائمًا أن يفشل في أعلى محكمة في البلاد.
على الرغم من هذا التخفيف الذي طرأ على مئات الآلاف من الأمريكيين الجدد سنوياً، والذين كانت جنسيتهم مهددة بسبب الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب، فقد ذكر بعض قادة الهجرة الذين تحدثت معهم أن أهم قرار صدر مؤخراً، والذي له تداعيات فورية على المهاجرين، هو الضربة القاضية التي وجهتها المحكمة على الأرجح إلى برنامج الحماية المؤقتة في أواخر الأسبوع الماضي. ويواجه الآن مئات الآلاف من اللاجئين الهايتيين خطر الترحيل، على الرغم من أن البرنامج الذي منحهم هذا الوضع قد صُمم خصيصاً لمنع الإدارات الجديدة من إلغائه بشكل تعسفي.
أخبرني شولت أنه "سمع الناس يقولون إن برنامج الحماية المؤقتة لم يكن القرار الرئيسي" - ولكنه كان كذلك من نواحٍ عديدة.
"أكبر حملة لإلغاء القوانين في التاريخ"
أثناء انتظاري لقرار المحكمة في قضية ترامب ضد باربرا ، كنت أعلم أنه إذا ألغت المحكمة الأمر التنفيذي، فسيرى الكثيرون ذلك انتصاراً للديمقراطية وتوبيخاً لترامب - وكلاهما صحيح، كما أكد ميخيا وآخرون تحدثت معهم.
لكنّ المزاج العام بين الديمقراطيين والمدافعين عن حقوق المهاجرين لا يزال قاتماً وهم ينظرون إلى محنة أكثر من مليون شخص يعيشون في البلاد بشكل قانوني بموجب وضع الحماية المؤقتة. يمنح هذا الوضع وزارة الأمن الداخلي سلطة تحديد ما إذا كان بإمكان مواطني دول معينة البقاء والعمل في الولايات المتحدة إذا لم يتمكنوا من "العودة بأمان إلى بلادهم"، سواء كان ذلك بسبب كارثة طبيعية أو عنف أو أي ظرف طارئ آخر مؤقت.
في حكمها الصادر الأسبوع الماضي في قضية مولين ضد دو، مهدت المحكمة الطريق أمام إدارة ترامب لإلغاء وضع الحماية المؤقتة للهايتيين والسوريين. ومثل قرار يوم الثلاثاء بشأن حق المواطنة بالولادة، صدر هذا القرار أيضاً بأغلبية 6 أصوات مقابل 3.
وصف منتقدو قرار مولين القرار بأنه بمثابة سحب للبساط بالنسبة للمتضررين: فقد مُنحت إدارة ترامب ترخيصاً لتحديد من يحق له أن يكون مهاجراً في أي وقت، مع احتفاظها لنفسها بالحق في سحب الوضع القانوني في لحظة من شخص اتبع القواعد للوصول إلى هنا.
إن القرار خبيث، وحجم عواقبه المحتملة هائل.
أخبرني شولت أن هناك 1.3 مليون شخص يعيشون في الولايات المتحدة بموجب وضع الحماية المؤقتة (TPS). 1 وبحلول أوائل عام 2025، كان لدى حوالي 100 ألف شخص من حاملي وضع الحماية المؤقتة أزواج وأطفال يحملون الجنسية الأمريكية، كما أن حوالي 390 ألف طفل من المواطنين الأمريكيين لديهم آباء يحملون وضع الحماية المؤقتة.
إنهم جيراننا - الأشخاص الذين يجلسون بجوارنا في ممرات متاجر البقالة أو في مقاعد الكنيسة. في أماكن مثل سبرينغفيلد، أوهايو ، يعملون في الصناعات التحويلية والخدمية؛ وفي أماكن مثل جنوب فلوريدا، يعملون بشكل أساسي في مجال الرعاية الصحية ورعاية كبار السن - جداتنا، كما كتب زميلي جوناثان كوهن بأسلوب مؤثر .
جميع هؤلاء الأشخاص معرضون الآن لخطر الترحيل. وأضاف شولت: "إذا اقتصرنا على حاملي وضع الحماية المؤقتة من السلفادور وهندوراس وهايتي، فسيظل هذا العدد ربع مليون شخص موجودين هنا منذ القرن الماضي".
إن التهديد الذي يواجهونه هائل. فعلى سبيل المثال، من المقرر أن تنتهي صلاحية الحماية المؤقتة (TPS) للأشخاص من السلفادور الذين أقاموا "إقامة متواصلة" في الولايات المتحدة منذ عام 2001 في 9 سبتمبر . فهل سيستمر ترامب في تصنيف دولة شريكه في الحكم القوي، نجيب بوكيلي، الذي يُصدّر السجون، كدولة غير آمنة، مما قد يُعيق عودة حاملي هذه الحماية المؤقتة؟ على الأرجح لا.
قال شولت: "لا يوجد سابقة لمستوى إلغاء وضع الهجرة هذا، وللأشخاص الذين تربطهم علاقات طويلة الأمد بالبلاد". وفي حالة من الإحباط، انتقد المحكمة بشدة لرفضها الحجة القائلة بأن تصريحات الإدارة كشفت عن دوافع عنصرية لإلغاء وضع الحماية المؤقتة (TPS) للهايتيين. وأضاف: "إذا لم يكن هناك عداء عنصري تجاه حاملي وضع الحماية المؤقتة من الهايتيين، فإن تلك الكلمات لا معنى لها".
قالت أندريا فلوريس، التي شغلت منصب مديرة إدارة الحدود في مجلس الأمن القومي خلال إدارة بايدن، إن قرار الحماية المؤقتة يمثل نقطة تحول في مدى جدية تعامل العالم مع سياساتنا المتعلقة بالهجرة.
"لم يعد لكلام الولايات المتحدة أي قيمة عندما يتعلق الأمر بالهجرة. لن يتمكن أي مهاجر من الوثوق بسياسة الحكومة الأمريكية عندما يعلم أن الرئيس القادم يمكنه إلغاء وضعهم القانوني بضربة قلم"، هكذا قالت لي.
ستتردد أصداء هذا القرار في جميع أنحاء العالم، لكنها ستكون أشد وطأة في أمريكا اللاتينية. ففي فنزويلا، يأتي قرار منح وضع الحماية المؤقتة، كما كتبت بريسيلا ألفاريز من شبكة CNN ، "في ظل زلزالين متزامنين... وهو نوع من الكوارث الطبيعية التي قد تدفع وزارة الأمن الداخلي إلى إعادة النظر في منح هذا الوضع". ومن المروع أن مئة فنزويلي تم ترحيلهم من الولايات المتحدة قبل ساعات فقط من وقوع الزلزالين كانوا يقيمون في فندق انهار بعد بدء الهزة. وهم الآن في عداد المفقودين.
ستستغرق الآثار على مجتمع الأعمال وعلى رعاية المسنين بعض الوقت لتظهر، لكنها ستكون عميقة أيضاً.
"نحن نعارض بشدة إنهاء وضع الحماية المؤقتة للمواطنين الهايتيين"، هذا ما قالته ريبيكا شي، الرئيسة التنفيذية للتحالف الأمريكي للهجرة التجارية، في مكالمة جماعية بعد صدور القرار. "إنه أمر مدمر اقتصادياً وخاطئ أخلاقياً".
قال مقدمو الرعاية لكبار السن الذين كانوا حاضرين في المكالمة إن القرار سيدمر حياة مليون أمريكي من كبار السن الذين سيفقدون مقدمي الرعاية المحبوبين الذين كانوا يستحمونهم ويطعمونهم ويؤنسونهم لسنوات. وأشاروا إلى أن العديد من كبار السن الضعفاء يعانون من مشاكل في الذاكرة، مما يجعل تغيير مقدمي الرعاية لهم أمراً ضاراً بشكل خاص.
وصف روب ليبريتش، الرئيس والمدير التنفيذي لمنظمة غودوين ليفينغ غير الربحية القائمة على القيم الدينية، شعوره بـ "الحزن لأن المزيد من كبار السن الذين يحتاجون إلى الدعم في السنوات القادمة لن يحصلوا على الرعاية التي يحتاجونها".
وقالت ريتا سيبينالر، وهي مقيمة مسنة في دار غودوين هاوس بيليز كروسرودز في ولاية فرجينيا، خلال المكالمة إنه كان يوماً "مروعاً".
وقالت: "ليست هذه هي الطريقة التي يجب أن يعامل بها المجتمع المدني كبار السن أو يعامل بها المهاجرين إلى بلادنا معاملة إنسانية"، وحثت الكونغرس على الضغط من أجل تمديد برنامج الحماية المؤقتة.
قالت ليندا كوتش، نائبة الرئيس الأولى لسياسات الإسكان في "ليدينج إيج"، وهي جمعية لمقدمي خدمات رعاية المسنين، إن الولايات المتحدة تواجه نقصًا حادًا في العاملين في مجال رعاية المسنين. وتشير تقديرات منظمة "بي إتش آي" المعنية بالدفاع عن حقوق المسنين إلى أن هذا النقص يقارب 10 ملايين عامل .
وقال كوتش إنه لا يوجد بدائل جاهزة لمقدمي الرعاية المهرة الذين أُجبروا على ترك العمل نتيجة لهذا القرار.
وقالت: "يمكن للناس أن يفقدوا وظائفهم بين عشية وضحاها، ولا توجد قوة عاملة جاهزة يمكنها أن تحل محل هؤلاء المهنيين".



