الاثنين، 27 يوليو 2026

🔴 في ظل أزمة إغلاق مضيق هرمز، أمام النفط الخليجي، اتجهت الإمارات إلى توسيع قدرتها على تخزين، بعيدا عن منطقة الصراع، عبر استئجار وتطوير مساحات تخزين على سواحل مصر المطلة على البحرين الأحمر والمتوسط، في خطوة تستهدف تأمين مسارات تصدير النفط وتقليل الاعتماد على المضيق.

الرابط

🔴 في ظل أزمة إغلاق مضيق هرمز، أمام النفط الخليجي، اتجهت الإمارات إلى توسيع قدرتها على تخزين، بعيدا عن منطقة الصراع، عبر استئجار وتطوير مساحات تخزين على سواحل مصر المطلة على البحرين الأحمر والمتوسط، في خطوة تستهدف تأمين مسارات تصدير النفط وتقليل الاعتماد على المضيق.

◾ ويأتي هذا التحرك بعدما أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران إلى إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا وخُمس صادرات الغاز الطبيعي المسال عالميًا، ما دفع أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ يوليو 2022.

◾ وفرضت الحرب سباق للبحث عن بدائل لنقل الطاقة بعيدًا عن هذا الممر الاستراتيجي. وبينما اتجهت بعض الدول إلى التخطيط لإنشاء خطوط أنابيب برية تحتاج سنوات للتنفيذ، اختارت الإمارات حلًا أسرع يتمثل في تعزيز قدراتها التخزينية خارج منطقة الخطر.

في التقرير التالي، يرصد "صحيح مصر" كيف تحوّلت البنية التحتية المصرية للموانئ إلى ورقة استراتيجية في يد أبوظبي لتفادي مخاطر هرمز والحفاظ على انسيابية صادراتها وتجارتها النفطية وقت الأزمات.

🔴 البداية من المتوسط: اتفاقيات الفجيرة والعلمين

◾ في أكتوبر 2025، أي قبل أشهر من ذروة الحرب، وقّعت مصر وإمارة الفجيرة ثلاث اتفاقيات طاقة موقّعة في الفجيرة بحضور وزير البترول المصري كريم بدوي ومدير ديوان عهد الفجيرة محمد سعيد الظنحاني. 

◾ نصّت الاتفاقية الأولى على تأسيس شركة مساهمة مصرية لتطوير منطقة لوجستية لتخزين وتجارة النفط الخام والمنتجات البترولية على ساحل البحر المتوسط في العلمين الجديدة، فيما خصّصت الثانية لتخزين الخام في مرافق ميناء الحمراء البترولي، بينما تضمّنت الثالثة عقداً تجارياً لتوريد المنتجات البترولية مباشرة للهيئة المصرية العامة للبترول.

◾ المشروع، الذي تنفذه شركة "ويبكو" المصرية المملوكة للدولة بالشراكة مع مؤسسة الفجيرة للنفط والغاز، يستهدف رفع الطاقة التخزينية لميناء الحمراء من نحو 2.5 - 2.8 مليون برميل حالياً إلى 5.3 مليون برميل، ثم إلى 20 مليون برميل بحلول عام 2030.

◾ كما يهدف المشروع لإضافة طاقة تخزينية للمنتجات البترولية تصل إلى 400 ألف طن، عبر استثمارات تقدَّر بنحو 457 مليون دولار في المرحلة الحالية وحدها، ضمن مشروع أوسع تقوده الفجيرة بقيمة تصل إلى 3 مليارات دولار لبناء منطقة لوجستية نفطية متكاملة في العلمين، بحسب منصة "إنتربرايز".

◾ ووصف وزير البترول المصري ميناء الحمراء بأنه "أحد الركائز الاستراتيجية للبنية التحتية البترولية المصرية"، مؤكداً أن تطويره يتم بالاستفادة من خبرات ميناء الفجيرة الإماراتي ونظمه التشغيلية.

◾ بهذا المعنى، أصبحت مصر تستنسخ على ساحلها المتوسطي نموذج ميناء الفجيرة نفسه، الذي يقع خارج مضيق هرمز على خليج عُمان ويُستخدم أصلاً كمنفذ إماراتي للتحايل على الاختناق الجغرافي للخليج. [1]

🔴 البحر الأحمر: عروض متتالية على مخازن عين سخنة ورأس بدران

◾ مع تصاعد الأزمة في الخليج مطلع 2026، بدأت مصر تسويق فائض طاقتها التخزينية على البحر الأحمر، والمقدر بنحو 29 مليون برميل موزعة على عشرة مرافق تخزين في مينائي عين سخنة ورأس بدران، لشركات التداول والنقل والتخزين الدولية، في وقت لجأت فيه شركة أرامكو السعودية بالفعل إلى تحويل مؤقت لبعض شحناتها إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر لضمان استمرار الإمداد.

◾ وسرعان ما كانت مجموعة موانئ أبوظبي "AD Ports" أول الوافدين على هذا العرض؛ إذ كشفت التقارير في أبريل الماضي عن مفاوضات متقدمة بين الشركة الإماراتية والحكومة المصرية لاستئجار مخازن النفط الخام والمشتقات على ساحل البحر الأحمر، مع توقعات بإبرام اتفاق نهائي قبل نهاية الربع الثاني من العام، فيما كانت المحادثات لا تزال تتناول عدد الخزانات ومواقعها ومدة الإيجار وما إذا كانت ستكون شهرية أو سنوية.

◾ وجاء هذا العرض استكمالاً لمذكرة تفاهم كانت موانئ أبوظبي قد وقّعتها في يوليو 2025 مع وزارة البترول المصرية وشركة "TCM" الإماراتية لاستكشاف التشغيل والتطوير المشترك لشبكة التخزين النفطي الاستراتيجية في مصر، التي وصفتها الشركة بأنها "بنية تحتية حرجة ضمن سلسلة القيمة الوطنية للطاقة".

◾ ولم يمضِ وقت طويل حتى دخلت مؤسسة الفجيرة للنفط والغاز على خط البحر الأحمر أيضاً؛ إذ كشفت تقرير لـ"إنتربرايز" عن دخول المؤسسة في محادثات مع الهيئة المصرية العامة للبترول لاستئجار مخازن للخام والمنتجات البترولية على الساحل ذاته، في منتصف يوليو الجاري.

◾ وبذلك، أصبحت ثاني جهة إماراتية خلال أشهر تسعى للحصول على مخازن مصرية على البحر الأحمر بعد موانئ أبوظبي، ولتضع الفجيرة قدماً لها على الساحلين المصريين معاً بعد أن كانت حاضرة أصلاً على المتوسط عبر مشروع العلمين. [2]

🔴 نمط أوسع من التمدد الإماراتي في الموانئ المصرية

◾ اتسع الحضور الإماراتي في قطاع الموانئ المصري بصورة متسارعة منذ عام 2022 عبر مجموعة موانئ أبوظبي، التي بنت محفظة استثمارات تشمل تشغيل الموانئ، ومحطات الحاويات، والخدمات البحرية واللوجستية. 

◾ فإلى جانب استحواذها على شركتي ترانسمار للنقل البحري وتي سي آي لتشغيل الموانئ في عام 2022، حصلت المجموعة في عام 2023 على امتياز لمدة 30 عامًا لتطوير وتشغيل محطة متعددة الأغراض في ميناء سفاجا على البحر الأحمر باستثمارات تُقدر بنحو 200 مليون دولار.

◾ كما نالت امتيازات طويلة الأجل لتطوير وتشغيل محطات سفن الركاب السياحية في موانئ سفاجا والغردقة وشرم الشيخ، ووقعت اتفاقات مبدئية لتطوير وتشغيل محطة للرحلات البحرية ومحطة للرورو (Roll-on/Roll-off) في ميناء العين السخنة.

◾ وفي عامي 2025 و2026، واصلت المجموعة توسعها بتوقيع اتفاقية حق انتفاع لمدة 50 عامًا لتطوير وتشغيل منطقة "كيزاد شرق بورسعيد" الصناعية واللوجستية على مساحة 20 كيلومترًا مربعًا عند المدخل الشمالي لقناة السويس، إلى جانب توقيع مذكرة تفاهم لدراسة إنشاء منطقة لوجستية متكاملة في الإسكندرية. 

◾ وفي نوفمبر 2025 استحوذت على حصة 19.3% في شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع، أحد أكبر مشغلي محطات الحاويات في البلاد، قبل أن تحاول لاحقًا التقدم بعرض للاستحواذ على حصة إضافية تمنحها السيطرة على الشركة.

◾ ويأتي هذا التمدد في سياق استراتيجية إماراتية أوسع لتقليص الاعتماد على مضيق هرمز؛ فأبوظبي تعتمد أصلاً على خط أنابيب حبشان - الفجيرة الذي ينقل حتى 1.8 مليون برميل يومياً عبر 403 كيلومترات برّية إلى خارج الخليج مباشرة. 

◾ وقد وجّه ولي عهد أبوظبي، خالد بن محمد بن زايد، بتسريع إنجاز خط أنابيب جديد (الشرق - الغرب) لمضاعفة طاقة التصدير عبر الفجيرة بحلول عام 2027، إلى جانب تأمين موطئ قدم إماراتي عند الطرف الشمالي للبحر الأحمر عبر اتفاق موانئ أبوظبي في فبراير 2026 لتشغيل ميناء العقبة الأردني بحصة ملكية 70%.

◾ في هذا الإطار، تمثل مخازن النفط المصرية على البحرين المتوسط والأحمر حلقة تكميلية ضمن شبكة أوسع تسعى الإمارات من خلالها إلى ضمان استمرارية صادراتها وتجارتها النفطية بمعزل عن أي إغلاق أو تعطيل لممر هرمز. [3]

🔴 مكاسب مصرية مقابل مخاطر تبعية

◾ من زاوية مصرية، يحقق هذا التوجه الإماراتي مكاسب مباشرة؛ إذ يعزز موقع مصر كمركز إقليمي لتجارة النفط الخام والمشتقات البترولية، ويجلب تدفقات استثمارية وعائدات إيجار لخزانة الدولة، ويدعم موقعها في التنافس شرق المتوسط -بين تركيا وإسرائيل وإيطاليا واليونان وقبرص- على أدوار مراكز الطاقة الإقليمية والخدمات اللوجستية. 

◾ كما تملك مصر بالفعل بنية تحتية واسعة تؤهلها لهذا الدور، تضم 19 ميناءً تجارياً (14 منها قيد التطوير) ونحو 79 منشأة تخزين بترولي تم إنشاؤها أو تطويرها في السنوات الأخيرة، بحسب "إنتربرايز". 

◾ غير أن هذه المكاسب، بحسب ما تخلص إليه سلسلة من الأبحاث الصادرة عن مركز كارنيجي للشرق الأوسط، ترتبط بمخاطر بنيوية تتجاوز مجرد التساؤل حول الشفافية إلى صميم بنية القرار الاقتصادي المصري. 

◾ في دراسة مشتركة صدرت عن الباحثة حفصة حلاوة بعنوان "استثمار الخليج في مصر: توازن الحاجة المتبادلة"، توضح أن هذا القطاع بالكامل يقع خارج نطاق "سياسة ملكية الدولة" التي أقرتها الحكومة كإطار تنظيمي للخصخصة، أي إنه محرر عملياً من أي رقابة أو شفافية مؤسسية معلنة. 

◾ وتشير الدراسة إلى أن أجهزة أمنية مصرية عبّرت بشكل خاص عن "توتر" حيال مفاوضات الإمارات لاستحواذ على مرافق في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تحديداً، في عام 2023. "بالنسبة للإمارات يمكن للاستثمارات في الموانئ والخدمات اللوجستية المصرية أن تحقق مكاسب سياسية وأمنية، فضلاً عن المكاسب المالية"، حسبما تشير الدراسة.

◾ الدراسة نفسها رصدت أن مفاوضات موازية لبيع حصة في شركة "المصرية للاتصالات" للإمارات انهارت لاحقاً وسط "مخاوف من التفريط في أصول استراتيجية"، بحسب تعبير الدراسة، فيما ظل صندوق مصر السيادي -الأداة الرسمية المفترضة لإدارة هذه الاستثمارات- أقل نفوذاً من قنوات التفاوض الثنائية المباشرة بين الرئاستين المصرية والإماراتية، وهو ما يفتح الباب أمام صفقات، بحسب وصف الدراسة، "أكثر تسييساً" من أن تخضع لمعايير تجارية بحتة.

◾ أما أحدث الأوراق البحثية الصادرة عن المركز ذاته، بعنوان "اقتصاد الإيجار العسكري في مصر وحدوده" والمنشورة في يوليو 2026 للباحث يزيد صايغ، فتقدم تشخيصاً أوسع لطبيعة هذه الاستثمارات؛ فالمشروعات العملاقة الممولة خليجياً على الساحلين المصريين -وعلى رأسها مشروع "رأس الحكمة" الإماراتي باستثمار 35 مليار دولار ومشروع "علم الروم" القطري الموازي بقيمة 29.7 مليار دولار- تدار من قبل جهات عسكرية تعمل خلف "جدار معلوماتي" يحول دون أي تدقيق مستقل في جدواها المالية أو في تبعاتها البيئية والاجتماعية، بذريعة الأمن القومي. 

◾ الخلاصة التي تطرحها الورقة هي أن هذا النموذج، القائم على تحويل الأراضي والبنية التحتية إلى "أصول إيجارية" تُموَّل عبر ضخ رأسمال أجنبي متواصل، يُبقي مصر "رهينة" لاستمرار تدفقات هذا الرأسمال أكثر من كونه مساراً لتوليد فائض اقتصادي محلي مستدام. [4]

🔴 الموانئ كأداة سياسة خارجية إماراتية

◾ تشير دراسة "سياسة العُقَد الإماراتية وأثرها على إسرائيل والمحيط" الصادرة عن معهد "ميتفيم" الإسرائيلي للباحثة موران زغة، إلى أن الإمارات تنتهج في أربع ساحات جغرافية محددة -مصر والأردن وإسرائيل وقطاع غزة- ما تصفه بـ"تفهّم العُقَد"، أي استراتيجية جيوسياسية تقوم على السيطرة الفعلية على أصول مادية خارج حدودها -موانئ ومحطات طاقة وبنية تحتية حرجة أخرى- لخلق "مواطئ قدم" اقتصادية وأمنية دائمة. 

◾ وتذكر الدراسة أن مصر تحديداً، إلى جانب الأردن، تستقبل من الإمارات استثمارات بمليارات الدولارات سنوياً، ما يجعلها أكبر ساحة لتطبيق هذه الاستراتيجية عالمياً. 

◾ وتلفت إلى أن السيطرة على أصول استراتيجية من هذا النوع تمنح أبوظبي "نفوذاً مباشراً على تدفق البضائع والطاقة" وتوفر لها "أوراق مساومة قوية تؤثر على صناعة القرار في الدول المضيفة"، بما يمكّنها من لعب دور محوري في تحديد النظام الاقتصادي والأمني الإقليمي والتأثير على أنماط تصرف دول عديدة في المنظومة الإقليمية الأوسع.

◾ أما دراسة "الموانئ والقوة: أمننة سياسة الموانئ" الصادرة عن معهد "كلينجنديل" الهولندي لمؤلفَيها فيليم فان دن بيرج ويوس ميستر، والتي تركز على الاستثمارات الخليجية في موانئ منطقة القرن الأفريقي، المجاورة لمصر، فهي تخلص إلى أن هذه الاستثمارات غالباً ما "تعقبها" إقامة قواعد عسكرية، مستشهدة بحالة ميناء بربرة الصومالي.

◾ في 2016 فازت "موانئ دبي العالمية" بامتياز إدارة الميناء، وأعقب ذلك مباشرة إعلان أبوظبي عن نيتها بناء قاعدة عسكرية فيه، باستثمار أعلنته الشركة الإماراتية بلغ 442 مليون دولار. وترصد الدراسة أن توقيع اتفاق بربرة تزامن مع إقالة وزير الخارجية الصومالي المعارض للصفقة واستبداله بمسؤول مؤيد لها، إضافة إلى اتهامات لاحقة طالت برلمانيين صوماليين ورئيسين سابقين للصومال وأرض الصومال بتلقي رشى مقابل الموافقة على الاتفاق. 

◾ وتقول الدراسة إن "موانئ دبي العالمية"، رغم تأكيدها استقلاليتها التجارية، "غالباً ما تُعتبر أداة" للسياسة الخارجية الإماراتية، وأن الدافع الخليجي للاستثمار في هذه الموانئ لا يقتصر على العائد الاقتصادي، بل يشمل هدفاً سياسياً هو الحيلولة دون رسوخ نفوذ إيراني على خطوط إمداد الخليج الرئيسية.

◾ أما دراسة "نقطة الاختناق: تنافس القوى الكبرى على البنية التحتية في البحر الأحمر" للباحث تومر ديكل، المنشورة في مجلة "Strategic Assessment" الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، فتصف النمط الإماراتي بأنه "نسخة من استراتيجية عقد اللؤلؤ"، أي شبكة من الموانئ إلى جانب سلسلة من "القواعد العسكرية المرنة" التي تُقام بسرعة وتُطوى حين تتغير الحاجة. [5]

◾ وتوضح أن مصر، إلى جانب جيبوتي، "مثالان بارزان" على دولة مضيفة تملك فيها عدة قوى كبرى موطئ قدم في البنية التحتية في آن واحد. إذ ترصد وجود استثمارات صينية موازية في قناة السويس وميناء العين السخنة وبورسعيد والإسكندرية، واستثمارات تركية بقيمة 7 مليارات دولار في منطقة صناعية ولوجستية عند ميناء جرجوب شمالي مصر، إلى جانب علاقات روسية متنامية شملت السماح لروسيا باستخدام قواعد وموانئ مصرية. 

◾ هذا التزاحم يطرح، بحسب الباحث، سؤالاً مفتوحاً حول ما قد يحدث في لحظة صراع إقليمي فعلي: هل تُجبر الدولة المضيفة على الاصطفاف مع طرف وطرد الآخر -كما طالبت الإمارات والسعودية عدة دول في القرن الأفريقي بقطع علاقاتها مع تركيا وقطر إبان أزمة 2017- أم أن التواجد المزدوج لعدة قوى كبرى يمنع تفوق أي طرف بما يحول دون التصعيد أصلاً؟

📌 خلال بيانها التي أصدرته يوم الأربعاء 22 يوليو 2026، للاعتراض على إقالة مدير مستشفى قنا العام، تساءلت نقابة الأطباء "هل مدير المستشفى هو المسؤول عن نقص المستلزمات الطبية؟ وهل هو المسؤول عن عجز الأطباء والتمريض؟ وهل يملك سلطة تحديد ميزانية الصحة أو توفير الاعتمادات المالية أو استكمال مشروعات الإحلال والتجديد؟" مؤكدة أن تحميل مدير المستشفى وحده مسؤولية أزمات ممتدة يمثل اختزالًا غير منصف لمشكلات المنظومة الصحية، بحسب تعبيرها.

 

الرابط

📌  خلال بيانها التي أصدرته يوم الأربعاء 22 يوليو 2026، للاعتراض على إقالة مدير مستشفى قنا العام، تساءلت نقابة الأطباء "هل مدير المستشفى هو المسؤول عن نقص المستلزمات الطبية؟ وهل هو المسؤول عن عجز الأطباء والتمريض؟ وهل يملك سلطة تحديد ميزانية الصحة أو توفير الاعتمادات المالية أو استكمال مشروعات الإحلال والتجديد؟" مؤكدة أن تحميل مدير المستشفى وحده مسؤولية أزمات ممتدة يمثل اختزالًا غير منصف لمشكلات المنظومة الصحية، بحسب تعبيرها.

➖  تفسر البيانات الرسمية أسباب تساؤلات النقابة؛ إذ توضح نشرة الخدمات الصحية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، كيف تراجعت أهم مؤشرات الخدمات الصحية خلال الفترة بين عامي 2014 و2024، بحسب أحدث بيانات متاحة:⬇️⬇️

⭕  خلال 10 سنوات.. الأسِرَّة الحكومية تنخفض بنسبة 13.9%

◾ توضح "النشرة" أنه على الرغم من زيادة عدد المستشفيات الحكومية بعدد 18 مستشفى خلال السنوات العشر الماضية، من 659 مستشفى في عام 2014 إلى 677 في عام 2024.

◾ إلا أن عدد الأسِرَّة في القطاع الحكومي انخفض بنسبة 13.9%، من 97 ألف و826 سرير في عام 2024، إلى 84 ألف و225 سرير.

◾ على الجانب الآخر زاد عدد المستشفيات الخاصة من 941 في عام 2014، إلى 1153 في عام 2024، بنسبة ارتفاع 22.5%، وهي الزيادة التي صاحبها ارتفاع في عدد الأسِرَّة أيضًا، من 24 ألف و647 سرير إلى 36 ألف و14 سرير، بنسبة زيادة 46.1%.

◾ ولم تُعوض زيادة عدد الأسِرَّة في القطاع الخاص الانخفاض الذي حدث في القطاع الحكومي فقد انخفضت عدد الأسرة بشكل إجمالي، من 123 ألفًا و353 سرير في 2014 إلى 120 ألفًا و239 في 2024.

◾ تنقسم الأسِرَّة الحكومية إلى جزء تابع لوزارة الصحة وآخر تابع للجهات الحكومية الأخرى مثل وزارة التعليم العالي والداخلية وهيئة "السكك الحديدية"، وجاء الانخفاض الأكبر في أسِرَّة وزارة الصحة، التي  بلغ عددها 52 ألف و664 سرير في عام 2024، انخفاضًا بنسبة 25.2% عن عام 2014 الذي بلغت فيه عدد الأسِرَّة 65 ألفًا و953 سرير.

◾ وبلغ  معدل  الأسِرَّة في مصر 1.1 لكل ألف مواطن في 2024  انخفاضًا من 1.24 في عام 2014، وهو أقل بنسبة 66.6% من المتوسط العالمي البالغ 3.3 سرير لكل ألف مواطن، بحسب بيانات منظمة الصحة العالمية، في عام 2021.

⭕  معدل الأطباء ينخفض

◾ بلغ عدد الأطباء البشريين في 2024، 155 ألف و618 بينما كان 133 ألف و731، في عام 2014، بنسبة زيادة 16.3%.

◾  لكن انخفض معدل الأطباء لكل 10 آلاف مواطن من 15.4 طبيبًا لكل 10 آلاف نسمة في 2014 إلى 14.8 في عام 2024، في حين سجل المعدل العالمي بين عامي 2016 و2024، 18.3 طبيبًا لكل 10 آلاف نسمة بحسب آخر تحديث لمنظمة الصحة العالمية في 11 مارس 2026.

◾ ولا تعني زيادة عدد الأطباء أن جميعهم يعملون في مصر بالضرورة؛ سبق وأشارت دراسة لنقابة الأطباء إلى أن عدد الأطباء الحاصلين على رخصة بمزاولة مهنة الطب حتى نهاية عام 2018، بلغ 212 ألف و835 طبيبًا لكن 82 ألفًا فقط وقتها الذين يعملون بمصر بنسبة 38%، بينما الباقي هاجر.

◾ ويواجه الأطباء في مصر ظروف عمل سيئة تدفع الكثير منهم إلى الهجرة، وحددها عضو مجلس نقابة الأطباء إبراهيم الزيات في تصريحات لموقع "بلومبرج الشرق"، في بيئة العمل الصعبة التي يتعرضون فيها إلى اعتداءات، وغياب الأمان، وضعف المقابل المادي.

⭕ الوحدات الصحية تنخفض

◾ الانخفاض في أعداد المنشآت العلاجية لم يشمل المستشفيات فقط؛ لكن انخفضت أيضًا أعداد الوحدات الصحية، التي تخدم مختلف المناطق والقرى والنجوع في البلاد.

◾ انخفض عدد مكاتب الصحة ووحدات الرعاية الصحية من 5314 في عام 2014 إلى 5206 في عام 2024،  وتبع ذلك انخفاض عدد مراكز طب الأسرة والعيادات الفرعية والنقاط الطبية في الريف من 4301 في 2014 إلى 4221 في 2024.

⭕ من التفاخر بارتفاع المخصصات إلى الاعتراف بالحاجة إلى المزيد

◾ في مارس الماضي خلال كلمة له في منتدى حزب الجبهة الوطنية، تفاخر وزير الصحة خالد عبد الغفار بزيادة موازنة الصحة خلال الأعوام الماضية، قائلًا "لو اتكلمنا من 2014 موازنة وزارة الصحة كانت 42 مليار جنيه، موازنة وزارة الصحة في العام المالي 2026/2025، 406 مليار جنيه، بنتكلم على 9 أضعاف، دا يدل بالأرقام على أن هناك اهتمام كبير جدًا من القيادة السياسية".

◾ أرقام عبد الغفار لم تكن دقيقة؛ إذ بلغت ميزانية قطاع الصحة في العام المالي 2015/2014، 37.2 مليار جنيه، وارتفعت إلى 246.2 مليار جنيه في موازنة العام المالي الماضي 2026/2025.

◾ ورغم هذه الزيادة الرقمية فإن نسبتها من الناتج المحلي انخفضت على مدار السنوات الماضية ولم تحقق في أي عام النسبة الدستورية المنصوص عليها وهي 3% من الناتج القومي الإجمالي، كما أن قيمة مخصصات "الصحة" بالدولار انخفضت.

◾ وبلغت قيمة مخصصات قطاع الصحة في موازنة العام الحالي 2026/2027، 301.9 مليار جنيه، ما يمثل 1.23% من الناتج الإجمالي المتوقع البالغ قيمته 24.5 تريليون جنيه.

◾ بعد أقل من شهر على تصريحاته، أشار عبد الغفار إلى ضعف المخصصات الموجهة إلى "الصحة"، قائلًا في جلسة بمجلس النواب لمناقشة ملف تطوير المستشفيات وتوزيع الخدمات الصحية بالمحافظات، "ادوني تريليون جنيه واعمل لكل واحد اللي عاوزه في محافظته"

25 مليون متر مربع في يد رجل واحد.. كيف أصبح العبار شريك مصر في أرضها؟

25 مليون متر مربع في يد رجل واحد.. كيف أصبح العبار شريك مصر في أرضها؟

من مراسي الساحل إلى قلب القاهرة… رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، يمتلك أكثر من 25 مليون متر مربع من أرض مصر.

حصل على أراضٍ بمئات الأفدنة بأسعار رمزية، دخل في نزاعات قانونية انتهت جميعها بالتصالح، وتحوّلت مشروعاته من البحر الأحمر إلى المقطم بخطاب "التطوير".

شراكات غامضة، وصفقات بمليارات بلا منافسة علنية.

هل ما يحدث استثمار… أم استحواذ ناعم على الجغرافيا المصرية؟


يثير رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار حالة من الجدل في مصر، بسبب توسع استثماراته خلال السنوات الماضية، وتنوع خريطتها الجغرافية بين القاهرة الكبرى ومدن ساحلية، فضلًا عن حديثه الأخير، بشأن رغبته في الاستحواذ على أراض ومباني بمنطقة وسط القاهرة التاريخية، التي تطرحها الحكومة أمام الاستثمار الحر بهدف التطوير، بعد نقل المباني الحكومية والمقرات الإدارية إلى العاصمة الإدارية الجديدة.

العبار الذي بدأ مشوار الاستثمار في مصر منذ عام 2005، وارتبط اسمه بمشروعات كبرى في السوق العقاري، تنامت بشكل ملحوظ بعد عام 2016 إثر التعثر المالي الذي واجهته البلاد، وفتح الباب واسعًا أمام الاستثمارات الخليجية، أثار جدلًا واسعًا، منذ سبتمبر الماضي، بعدما أعلن عن رغبته في الاستثمار بمنطقة وسط البلد التاريخية، في توقيت تشير العديد من التقارير إلى علاقات العبار مع تل أبيب، الأمر الذي أثار حفيظة المصريين بشكل كبير، وربما دفع الحكومة إلى توضيح الأمر في وقت لاحق.

في الثامن من سبتمبر الماضي، وفور توقيعه على عقد استثمار “مراسي البحر الأحمر” أعلن العبار عن شغفه بمدينة القاهرة ورغبته في الاستثمار في وسط البلد، وقال: نبحث عن فرص أخرى للاستثمار في مصر، أنا أريد وسط البلد، حبي لهذه المنطقة لأنها تدل على عظمة القاهرة، ليس حبًا في الاستثمار فقط، ولكن حبًا في القاهرة نفسها”، وأن عيونه على ” وسط البلد”، ما أثار جدلًا واسعًا ومخاوف من أن تتحول المنطقة العريقة إلى مشروع عقاري فاخر قد يهدد هوية المكان وسكانه الأصليين. إذ يرى خبراء في التراث المعماري- أن القاهرة تحمل إرثًا معماريًا وتاريخيًا غنيًا، يجعل أي مشروع تطوير يحتاج إلى مراعاة الطابع التراثي والحفاظ على الأصالة، مع استلهام نماذج مدن تاريخية نجحت في الجمع بين التجديد والحفاظ على التراث.

وليست هذه المرة الأولى التي يتحدث فيها العبار حول طموحه بشأن منطقة وسط العاصمة، ذات الأهمية الاستراتيجية والأمنية والتاريخية، ففي فبراير الماضي نقلت مواقع اقتصادية ما وصفته بأنه “رؤية العبار لتطوير قلب العاصمة المصرية”، والتي جاءت أقرب إلى “داون تاون دبي”.

الحكومة المصرية، من جهتها، أوضحت في فبراير الماضي، أن ” الصندوق السيادي المصري مُكلف بوضع رؤية متكاملة لتطوير منطقة وسط البلد، وطرح الوحدات والمنشآت المملوكة للدولة التي تم إخلاؤها بعد الانتقال إلى العاصمة الإدارية الجديدة، بما يسهم في تعظيم العوائد الاقتصادية من هذه الأصول.

وقال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، خلال مؤتمر صحفي، آنذاك، إن ” الصندوق السيادي، باعتباره الجهة المالكة لهذه الأصول، يعمل حاليًا على إعداد مخطط شامل بالتنسيق مع الجهات المعنية، بهدف طرح المشروعات الاستثمارية في وسط البلد وفق رؤية تنموية تحقق أقصى استفادة اقتصادية، لافتًا إلى أن ” العديد من الكيانات الاستثمارية، سواء المحلية أو الدولية، أبدت اهتمامًا كبيرًا بالمشاركة في تنمية هذه المنطقة إضافة إلى تطوير مناطق الساحل الشمالي، والبحر الأحمر باعتبارها من أهم المناطق الواعدة لطرح وحدات ومشروعات استثمارية، سواء في القطاع السياحي والعقاري.

وفي أغسطس الماضي، أكد رئيس الوزراء أن أعمال التطوير بمناطق “القاهرة الخديوية” و”وسط البلد” تستهدف الحفاظ على الطابع المعماري والعمراني لهذه المنطقة التاريخية، دون تغيير في تركيبتهما الحضارية. مشددًا على أهمية متابعة مشروعات إعادة الإحياء بـ “القاهرة الخديوية” ووسط البلد، خاصة أن هذه المناطق تمثل جزءًا هامًا من تاريخ مصر، بما يُسهم في تحقيق الاستفادة الممكنة من الثروة العقارية الكبيرة التي تمتلكها الدولة في هذه المواقع.

كيف ومتى بدأ العبار نشاطه في مصر؟

 بدأ العبار استثماراته في مصر منذ عام 2005، عبر شركة إعمار مصر للتنمية، في عهد حكومة أحمد نظيف إبان عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وبحلول نهاية 2021، امتلكت الشركة نحو 2,600 فدان في القاهرة (حوالي 10.92 مليون متر مربع) تتمثل في مشروعات أب “تاون كايرو” بالمقطم و”ميفيدا” بالقاهرة الجديدة  و”كايرو جيت” بالشيخ زايد، بالإضافة إلى مشروعات في الساحل الشمالي مثل مراسي على مساحة 1,600 فدان (حوالي 6.5 مليون متر مربع).

وفق إحصاء تم إعداده في ضوء هذا التحقيق، وصل إجمالي المساحات التي يمتلكها العبار في مصر بحلول 2025 إلى نحو 4300 فدان ( ما يعادل أكثر من 17 مليون متر مربع)، إلى جانب 2900 فدانًا بما يعادل أكثر من 12 مليون متربع مربع يعمل على تطويرها بجانب شركاء.

وبالعودة إلى عهد مبارك، يرى مراقبون أنه جرى  تشكيل بنية الاقتصاد المصري وفق منطق السوق والانفتاح، حيث تراجع الدور الاجتماعي للدولة لصالح رأس المال الخاص الذي صعد ليحتل موقعًا مهيمنًا داخل قطاعات العقارات والسياحة والخدمات. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، ومع تطبيق برامج الخصخصة والتكيف الهيكلي المدعومة من صندوق النقد الدولي، تحولت الأرض العامة من مورد سيادي إلى سلعة تُباع تحت شعار “التنمية”.

وجاء قانون ضمانات وحوافز الاستثمار رقم 8 لسنة 1997 ليمنح امتيازات واسعة للمستثمرين، سواء كانوا أجانب أو مصريين، شملت إعفاءات ضريبية طويلة الأجل، وتيسيرات في تخصيص الأراضي، وضمانات ضد التأميم أو المصادرة أو فرض الحراسة. ومع مرور الوقت، لم تعد التنمية تُقاس بتحسين الخدمات العامة أو دعم القطاعات الإنتاجية، بل بقدرة الحكومة على “جذب الاستثمارات”. ما أعاد  تعريف الحقوق الاجتماعية باعتبارها امتيازات مشروطة وفقًا لأولويات رأس المال.

في ضوء هذا القانون، تعرضت أراضي وأملاك الدولة لاعتداءات واسعة، جرت بالمخالفة الصريحة للقانون والدستور، وبمشاركة مسؤولين سابقين استغلوا مناصبهم لتحقيق مكاسب غير مشروعة عبر تخصيص الأراضي بطرق ملتوية، وفقًا لتقرير صادر عن ديوان العمران بعنوان “أثر سياسات التخصيص على أراضي الدولة في عهد مبارك”.

إذ وثّق التقرير أنماطًا متشابكة من الفساد الإداري والمالي، امتدت لتشمل الأراضي المملوكة للدولة نفسها، مشروعات كبرى مثل مدينتي وبالم هيلز وكايرو فستيفال سيتي لم تكن مجرد استثمارات عقارية، بل تحوّلت إلى رمز لطريقة إدارة الدولة لأراضيها في العقد الأخير من حكم مبارك.

التقرير وثق أيضًا، توقيع عقود بيع تلك الأراضي بالأمر المباشر، دون منافسة علنية أو شفافية، وبأسعار تقل كثيرًا عن قيمتها الحقيقية في السوق. وكشفت أحكام القضاء الإداري اللاحقة حجم المخالفات التي شابت تلك الصفقات، إذ قضت ببطلان عدد منها لمخالفتها قانون المناقصات والمزايدات، مؤكدة أن هيئة المجتمعات العمرانية تصرفت في أملاك الدولة وكأنها ملكية خاصة. ورغم وضوح المخالفات، لم يتغير جوهر المنظومة، فقد استمر العمل بسياسات التسهيلات الخاصة، وهو ما سيتم استعراضه خلال السطور القادمة.

ماذا وراء “إعمار” مصر المملوكة للعبار؟

جاء العبار، المعروف عالميًا بمشروعات مثل برج خليفة في دبي، إلى مصر حاملاً طموحًا لا يقل ضخامة عن الأراضي التي حصلت عليها شركته حديثة التأسيس، إعمار مصر للتنمية، منذ ذلك العام، وقّع العبار عقودًا جعلته أحد أكبر اللاعبين في السوق العقاري المصري، بعد أن استحوذت شركته على أراضٍ مترامية في الساحل الشمالي، المقطم، والقاهرة الجديدة.

مشروعات مثل (أب تاون كايرو) في المقطم ومراسي في الساحل الشمالي وُلدت على يد شركة إعمار مصر للتنمية، لتصبح أيقونات للإسكان الفاخر ونمط الحياة المغلق الذي يعيد رسم الخريطة العمرانية لصالح طبقة ضيقة من القادرين. فمن منتجع (ميفيدا) في القاهرة الجديدة، إلى مشروع (كايرو جيت) على طريق مصر الإسكندرية الصحراوي، مرورًا بمخطط إعمار في الشيخ زايد، تمددت استثمارات محمد العبار في عدة مواقع استراتيجية داخل العاصمة ومحيطها، لتغطي آلاف الأفدنة التي انتقلت من ملكية الدولة إلى شركة خاصة خلال أقل من عقدين.

تأسست “إعمار مصر” كشركة مساهمة مصرية بموجب شراكة بين إعمار العقارية دبي بنسبة 40%، ورجل الأعمال المصري شفيق جبر بنسبة 60%، وفقًا لقانون الشركات رقم 159 لسنة 1981 وقانون ضمانات وحوافز الاستثمار رقم 8 لسنة 1997. وقد وفرت هذه القوانين إعفاءات واسعة للمستثمرين الأجانب، خاصة في قطاعات السياحة والتطوير العقاري.

لم تدم شراكة العبار مع شفيق جبر طويلًا؛ إذ انتهت بخلافات، أدت إلى خروج جبر مقابل تعويض مالي، فيما توسعت سيطرة إعمار العقارية على “إعمار مصر” خلال عام 2007. منذ ذلك الحين، أصبحت إعمار مصر شركة تابعة شبه مملوكة بالكامل لإعمار العقارية المدرجة في بورصة دبي، حيث تمتلك الأخيرة نحو 89٪ من أسهمها.

وفقًا لنموذج تقرير الإفصاح عن مجلس إدارة شركة إعمار مصر للتنمية للربع الرابع من عام 2021، بات، منذ ذلك الحين، هيكل ملكية الشركة موزعًا كالتالي: تمتلك إعمار العقارية (ش.م.ع) نسبة 88.74% من أسهم الشركة، وتشمل هذه الحصة ملكية (تلال الإمارات المرحلة الأولى- شركة ذات مسؤولية محدودة). فيما تشمل ملكيات المؤسسات العالمية: صندوق التقاعد الحكومي العالمي للأسهم (صندوق النرويج السيادي- بنك النرويج) بنسبة 0.84%، (Schroder (Investment Management Limited بنسبة 0.14%، ومجموعة (فانجارد) بنسبة 0.07%. أما التداول الحر في البورصة المصرية فمثل 10.21% من الأسهم.

لماذا تثير استحوذ العبار للأراضي المخاوف والجدل؟

استثمارات العبار في ما  تتجاوز مساحته 17 مليون متربع من الأراضي المصرية، وما يعادل 35 مليار دولار، وفق تصريحاته، تأتي ضمن إطار الاستثمارات الخليجية في مصر، وخصوصًا القادمة من الإمارات والسعودية، والتي توسعت بشكل كبير خلال العقدين الأخيرين. بحسب تقرير صادر عن شركة نايت فرانك البريطانية المتخصصة في الاستشارات العقارية، فإن أكثر من 94٪ من المستثمرين الخليجيين ذوي الأصول المالية العالية يستهدفون السوق العقارية المصرية.

ويرى مراقبون أن الاستثمارات لم تقتصر على ضخّ رؤوس الأموال في مشروعات عقارية أو سياحية، بينما امتدت لتشكّل شبكة نفوذ اقتصادية وسياسية داخل قطاعات استراتيجية، تراوحت بين العقارات، واللوجستيات، والطاقة.

تنطلق هذه الاستثمارات وفقًا لتحليل نُشر في مجلة “مصر والعالم العربي” الصادرة عن المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS)، من ثلاثة محاور أساسية:”أولًا، تحقيق عوائد مالية مرتفعة في سوق عقارية واعدة تتوسع على أطراف العاصمة والمدن الساحلية؛ ثانيًا، توسيع النفوذ الجيو-استراتيجي في دولة تمثل ثقلاً محورياً في الشرق الأوسط؛ وثالثًا، النفاذ إلى السوق المحلية ومؤسساتها عبر شراكات وتسهيلات تمنحها الدولة المصرية تحت شعار “جذب الاستثمار”.

كذلك تشير الدراسة  إلى أن “القوة الخليجية سيطرت فعليًا على المشروعات العقارية الكبرى في القاهرة الكبرى”، معتبرة أن دور الدولة المصرية “تحوّل من منتج مباشر إلى شريك أو وسيط في هذه المشروعات”. فيما رأت أن المشروعات العقارية الكبرى (مثل مشروعات إعمار وغيرها) نموذجًا لتحول القاهرة إلى مختبر مفتوح لرأس المال الخليجي.

في السياق ذاته، يلفت  تقرير للكاتب ديفيد بتر نشر “المعهد الملكي للشؤون الدولية”، (معهد مستقل مقره لندن) بعنوان”مصر والخليج”، إلى أن الاستثمارات الخليجية في مصر لا يمكن  اعتبارها مجرد تدفقات رأسمالية تبحث عن الربح، بل هي أداة نفوذ اقتصادي وسياسي أسهمت في إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمستثمرين المحليين والدوليين. كذلك يشير التقرير إلى أن هذه الاستثمارات كثيرًا ما ارتبطت بتفاهمات سياسية تتجاوز المنطق الاقتصادي البحت، ما يجعلها جزءًا من شبكة النفوذ الإقليمي التي تعيد رسم موازين القوى داخل الاقتصاد المصري، وتطرح أسئلة جوهرية حول من يملك القرار الاقتصادي ومن يجني فعليًا ثمار تلك الشراكات.

وعلى مدى العقدين التاليين، تراكمت استثمارات العبار لتتحول إلى أحد أكبر حيازات الأراضي الخاصة في مصر، وبحلول نهاية عام 2021، امتلكت إعمار مصر للتنمية نحو 2,600 فدانًا في القاهرة (~10.92 مليون متر مربع)، بينما وصل إجمالي مساحات الأراضي التي يمتلكها العبار أو يساهم في تطويرها، في مصر بحلول 2025 إلى أكثر من 17.2 مليون متر مربع في القاهرة الكبرى، الساحل الشمالي، إلى جانب مشروع التطوير في مراسي البحر الأحمر بالشركة مع شركتا سكاي تاور للتطوير العقاري وجولدن كوست المملوكة لشركة سيتي ستارز السعودية والذي يقع على مساحة 2.400 فدان ويحيطه الكثير من الغموض وعدم الشفافية.

هل حصل العبار على تسهيلات حكومية؟

تعتمد إعمار في مشاريعها الكبرى في مصر على وسيلتين، إما عن طريق تملك الأرض بشكل مباشر (مثل أب تاون كايرو، ومراسي، وميفيدا التجمع) أو الدخول في شراكات استراتيجية (مثل ميفيدا جاردنز المستقبل ومراسي البحر الأحمر) حيث تدفع مقدمات مالية كبيرة وتكون مسؤولة عن التطوير والبيع.

سجّلت “إعمار مصر” دخولها العملي إلى سوق العقارات المصري عام 2006، بإطلاق مشروع “أب تاون كايرو“ المقام على مساحة تقارب 1200 فدان ( ما يعادل 5 ملايين متر مربع) بهضبة المقطم والذي تم اعتماد المخطط العام له بقرار محافظ القاهرة رقم 501 لسنة 2008 نشر بتاريخ 1 مارس عام 2008 في الوقائع المصرية العدد 50، لتقدّم من خلاله أحد أوائل المجتمعات السكنية المسوّرة الموجهة للفئات الأكثر ثراءً في مصر.

وفي 2007 فازت إعمار مصر، بمزاد تطوير منطقة سيدي عبد الرحمن بالساحل الشمالي، بمساحة تُقدّر بنحو 1600 فدان (ما يعادل 6 ملايين متر مربع).  بلغت قيمة الصفقة نحو 1.004 مليار جنيه مصري بسعر 160.5 جنيه للمتر، بعد قرار من الجمعية العامة للشركة القابضة للسياحة برئاسة وزير الاستثمار الأسبق محمود محيي الدين ببيع الأرض كقطعة واحدة لمستثمر استراتيجي.  لاحقًا، أثارت الصفقة جدلًا واسعًا بسبب حصر المنافسة في عدد محدود من التحالفات الاستثمارية، قبل أن تنتهي بترسية الأرض على تحالف يقوده العبار وشفيق جبر.

وعقب هذا المشروع وفي المدة الزمنية نفسها، أبرمت الشركة عقدًا جديدًا مع هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة للحصول على أراضٍ في القاهرة الجديدة لتطوير مشروع (ميفيدا) على مساحة تقارب 890 فدان (ما يعادل 3.8 مليون متر مربع). في عام 2008، حصلت شركة إعمار مصر للتنمية على قطعة أرض مميزة تقع على امتداد مدينة الشيخ زايد، تبلغ مساحتها نحو 133 فدانًا ( ما يعادل 558,310 متر مربع)، بهدف إنشاء مشروع سكني متكامل أُطلق عليه لاحقًا اسم “كايرو جيت”. جرى التخصيص في واحدة من أكثر المناطق الحيوية غرب القاهرة، بسعر لا يتجاوز 200 جنيه للمتر المربع آنذاك، في وقتٍ تتجاوز فيه سعر المتر التجاري في مناطق مماثلة في للشيخ زايد 50 ألف جنيه.

في عام 2021، أُطلق مشروع (بيل في) في مدينة الشيخ زايد ضمن موجة التوسع العمراني الفاخر غرب القاهرة، ليكون أحدث مشروعات شركة إعمار مصر للتنمية التابعة لرجل الأعمال الإماراتي محمد العبار. يمتد المشروع على مساحة تقارب 500 فدان (بما يعادل 2.1 مليون متر مربع) في موقع استراتيجي بالقرب من محور 26 يوليو وطريق القاهرة – الإسكندرية الصحراوي، بموجب عقد تخصيص مباشر تم توقيعه مع هيئة المجتمعات العمرانية.

وفي 2025، أعلنت شركة إعمار مصر للتنمية عن توقيع عقد شراكة مع شركة ميدار للاستثمار والتنمية العمرانية، لتنفيذ مشروع سكني متكامل، (ميفيدا الجديد بالقاهرة الجديدة). يقع المشروع  بموقع استراتيجي على طريق القاهرة-السويس على مساحة نحو 2 مليون متر مربع (500 فدان). وتساهم “إعمار مصر” كشريك في إطار المطور العقاري دون تملك للأراضي، فيما لم تعلن تفاصيل حول التعاقد الذي تم بين ميدار والحكومة المصرية فيما يخص تملك الشركة للأرض.

 محمد رمضان، – الباحث الاقتصادي بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية-، يرى في حديثه لــ”زاوية ثالثة” أن السؤال الأساسي حول الاستثمارات العقارية الأجنبية في مصر لا يتعلق بحجم الأراضي، بل بالنمط التنموي لهذه الاستثمارات. موضحًا أن معظم الاستثمارات الإماراتية والسعودية في القطاع العقاري تتمثل في شراء أراضٍ وبناء وحدات فاخرة مرتبطة بالدولار بسبب الحاجة لتحويل تلك الأرباح للخارج، ما يؤدي لارتفاع أسعار الوحدات العقارية في القطاع ككل وكذلك يؤثر تحويل الأرباح خارج البلاد على المدى الطويل سلبًا على ميزان المدفوعات المصري، ويزيد من الضغوط على العملة المحلية.

ويشير رمضان إلى أن القطاع العقاري له ارتباطات خلفية جيدة ببعض الصناعات مثل الحديد والأسمنت، لكنه لا يساهم بشكل كبير في تشغيل الاقتصاد أ تحقيق التنمية المستدامة مقارنة بالمشروعات الإنتاجية، نتيجة لضعف الارتباطات الأمامية للعقارات ككل.

كذلك يوضح الباحث الاقتصادي أن هذا النمط الاستثماري، إذا كان هو الشكل الوحيد لجذب الاستثمارات الأجنبية، لا يخدم النمو الاقتصادي الشامل ولا يخفف من حدة البطالة، كما أنه يعزز الاعتماد على تحويلات الأرباح وليس على استثمارات إنتاجية مستدامة. ولفت إلى أن دور الدولة في تسعير الأراضي ورفع أسعارها، خاصة في مناطق المجتمعات الجديدة، ساهم بشكل كبير في إزاحة السوق ككل نحو الاسعار المرتفعة حتى في الوحدات الموجهة للطبقة الوسطي في مصر.

 العبار من النزاع إلى التصالح

بتتبع المسار الزمني لاستثمارات محمد العبار في مصر، يتضح أن توسّعه لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج خطة تراكمية بدأت في منتصف العقد الأول من الألفية، مع صعود رأس المال الخليجي في أواخر عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، واستمرت في ظل سياسة جذب الاستثمارات الخليجية بعد عام 2014.

لكن خلف هذه الخريطة، تكمن سلسلة من الأزمات القانونية والنزاعات الإدارية التي رافقت كل مرحلة من مراحل التوسع، لكن جميعها انتهت بالتصالح لصالح شركة إعمار مصر.

ففي عام 2009،  أقدمت هيئة المجتمعات العمرانية، على سحب ما يقارب 50% من مساحة الأرض المخصصة لمشروع كايرو جيب بالشيخ زايد.  جاء القرار نتيجة عدم التزام شركة إعمار مصر بسداد رسوم تحويل النشاط من زراعي إلى عمراني متكامل، رغم حصولها على الأرض منذ عام 2008 بسعر رمزي يقارب 200 جنيه للمتر.  وأوضحت الهيئة حينها  أن المدن الأخرى، مثل السادس من أكتوبر، توفر خيارين للمستثمرين: السداد العيني (التنازل عن حصة من الأرض) أو السداد النقدي دون استقطاع الأرض، وهو مالم يتوفر في الشيخ زايد لعدم وجود مساحات إضافية لتلبية احتياجات المرافق الأساسية.

في نوفمبر 2019، توصلت شركة “إعمار مصر للتنمية” إلى اتفاق تسوية مع هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة بشأن أراضيها في امتداد مدينة الشيخ زايد، إذ تقدمت الشركة بطلب رسمي لتغيير نشاط الأرض من زراعي إلى سكني، مقابل حصول الهيئة على ما يعادل 50% من مساحة الأرض الإجمالية، قبل أن تعود الشركة وتشتري حصة الهيئة البالغة 52.4 فدانًا. كذلك، شمل الاتفاق المساحات المتنازل عنها من قبل الشركة لتنفيذ الطرق الخارجية، ليصبح إجمالي مساحة الأرض نحو 120.9 فدان، مع التزام الهيئة بتوصيل المرافق والموافقة على تغيير النشاط، ما يمكّن الشركة من إقامة مشروع “كايرو جيت” السكني المتكامل، باستثمارات تصل إلى 11.5 مليار جنيه. كما وقع الطرفان اتفاقًا آخر لتخصيص قطعة أرض مساحتها 500 فدان لإقامة مشروع سكني متكامل الخدمات، باستثمارات تقدّر بنحو 37.8 مليار جنيه.

في محطة أخرى للنزاع تتعلق بمشروع (آب تاون كايرو)، أقامت شركة النصر للإسكان والتعمير، وهي مؤسسة مملوكة للدولة، قامت ببيع الأرض لإعمار  دعوى تحكيم ضد الأخيرة عام 2017،، متهمة إياها بمخالفة شروط التعاقد لعدم استكمال التطوير خلال المدة الزمنية المتفق عليها، إضافة إلى استحواذها على نحو 47 فدانًا زيادة عن المساحة الواردة في العقد.  استمر النزاع لأكثر من عامين قبل أن تتم تسويته في أكتوبر 2019، وذلك بسداد إعمار مصر 100 مليون جنيه مقابل المساحة الزائدة التي استحوذت عليها الشركة.

الجدير بالذكر أنه في أبريل 2019، وقبل أشهر قليلة من انتهاء النزاع القانوني، أعلن محمد العبار عن  التبرع بمبلغ 878 مليون جنيه لتطوير المناطق العشوائية في مصر ضمن مشروع الإسكان بيوت الخير بالتعاون مع مؤسسة مصر الخير الخيرية.  وعقب التسوية بأشهر قليلة تبرع العبار مالك شركة إعمار مصر  إلى الحكومة المصرية بـ 10 ملايين جنيه لصالح صندوق تحيا مصر والقطاع الطبي، بالإضافة إلى تبرعه لصالح مؤسسة مصر الخير بمبلغ 40 مليون جنيه، وذلك فى إطار بروتوكول التعاون المبرم مع مؤسسة مصر الخير ووزارة التضامن الاجتماعى. ومن ذلك التاريخ استمرت تبرعات إعمار مصر لصندوق تحيا مصر.

ومن أزمة (كايرو جيت) إلى مراسي  سيدي عبد الرحمن بمرسى مطروح، حيث ظهرت دعاوى قضائية وادعاءات ملكية عام 2019، من أطراف مصرية تطالب بالحصول على جزء من الأرض أو بعوائد عن حقوق سابقة قبل تحويل ملكية الأرض إلى إعمار مصر، أبرزها دعوى رجل الأعمال وحيد رأفت المسجلة برقم 481 لعام 2019 أمام محكمة جنوب القاهرة، حيث ادعى ملكيته لأكثر من 400 فدان من أرض المشروع.

في المقابل، نفت شركة “إعمار مصر” هذه المطالبات واعتبرتها “غير سليمة” وذكرت الشركة في بيان لها أنها فازت في أغسطس 2006، بمزاد أرض سيدي عبد الرحمن السياحي بالساحل الشمالي بمصر مقابل مليار و4 ملايين و569 ألف جنيه مصري بسعر المتر 160,5 جنيهاً مصرياً. وفي يناير 2020، اعتذر القاضي عن نظر القضية، ما دفع محامي المدعي، خالد أبو بكر، للإعلان عن اتخاذ إجراءات قانونية لحماية حقوق موكله، وحتى الآن لم يصدر حكم نهائي في القضية.

 تجدر الإشارة إلى أنه خلال الفترة من عام 2016 وحتى عام 2020 وهي الفترة نفسها التي شهدت نزاعات متعددة لإعمار مصر، تبرعت الشركة بنحو ( 155 مليون جنيه مصري) لمجموعة من المشروعات القومية، وصندوق “تحيا مصر”، بالإضافة إلى عدد من الجمعيات الخيرية مثل “مصر الخير”، وعدد من المستشفيات من بينها مستشفى الشيخ زايد، وغيرها من المؤسسات الاجتماعية والخدمية- وفقًا لما جاء في تقارير القوائم المالية للشركة في الفترة من 2016 حتى 2020- وهو فقط ما استطعنا الحصول عليه.

مشروع سيدي عبد الرحمن ومخاطره البيئية

في سبتمبر الجاري، قدمت مجموعة من ملاك وحدات مشروع “مراسي” في الساحل الشمالي، ممثلة في 22 مالكًا ووكلائهم القانونيين برئاسة الدكتور حسام لطفي، دعوى قضائية أمام محكمة جنوب القاهرة ضد شركة “إعمار مصر للتنمية”، طالبوا فيها بإلزام الشركة بتنفيذ التزاماتها الواردة في عقود بيع الوحدات، وتعويضهم عن الأضرار المادية والأدبية والاستثنائية، إضافة إلى الفوائد القانونية بواقع 5% من تاريخ الاستحقاق.

وطالب الملاك بتعويض قدره 100 مليون جنيه، موزعة بواقع 50 مليونًا عن الأضرار المادية، و30 مليونًا عن الأضرار الأدبية، و20 مليونًا عن الأضرار الاستثنائية، إلى جانب إلزام الشركة بدفع فوائد قانونية بنسبة 5% من تاريخ الاستحقاق وحتى تمام السداد. كما تضمنت الدعوى فرض غرامة قدرها 100 ألف جنيه عن كل يوم تأخير في التنفيذ.

وجاء في الدعوى أن الشركة تعاقدت بتاريخ 27 يناير 2007 على شراء قطعة أرض مساحتها تتجاوز 6.2 مليون متر مربع بمنطقة سيدي عبد الرحمن بغرض إنشاء مشروع التنمية السياحية “مراسي الساحل الشمالي” إلا أن الشركة وفق ما ورد في عريضة الدعوى أخلّت بعدد من الالتزامات التعاقدية، ما دفع الملاك للمطالبة بالتنفيذ العيني لبنود العقود المبرمة معهم. ومن المقرر أن تنظر الدائرة المدنية بمحكمة جنوب القاهرة الدعوى يوم 20 أكتوبر المقبل.

فضلًا عن ذلك أثارت عملية إنشاء ميناء مراسي لليخوت في سيدي عبد الرحمن بالساحل الشمالي، التي نفذتها شركة “إعمار مصر للتنمية”، أزمة بيئية تمثلت في تآكل الشواطئ المجاورة للمشروع. وفقًا لتحقيق نشرته “زاوية ثالثة”، بدأت الشكاوى الجماعية من سكان قرى الساحل الشمالي في شتاء 2020، حيث أشاروا إلى حدوث تآكل في الشواطئ وظهور طبقة صخرية في بعض القرى السياحية الواقعة إلى الشرق من الميناء.

وأظهرت القياسات الجغرافية أن الشواطئ في المنطقة الواقعة إلى الشرق من ميناء مراسي تعرضت لتآكل بمسافات تتراوح بين 8 و11 مترًا، وفقًا لخرائط غوغل إيرث. هذا التآكل يتعارض مع المادة 91 من قانون وزارة الموارد المائية والري رقم 147، التي تحظر تعديل المسار الطبيعي للشاطئ دون موافقة الوزارة.

في يوليو 2022، أعلنت وزارة البيئة عن إيقاف أعمال التكريك بميناء مراسي وتشكيل لجنة لبحث الآثار السلبية للمشروع. ورغم ذلك، استمرت شركة إعمار في تنفيذ المشروع، مما دفع السكان إلى وضع أكياس رملية على الشواطئ كإجراء مؤقت للحد من تأثير التآكل.

مراسي البحر الأحمر تواجد جديد للعبار بدعوى التطوير

يمثل الساحل المصري للبحر الأحمر موقعًا استراتيجيًا في استثمارات محمد العبار من خلال شركة إعمار مصر للتنمية. من أبرز هذه الاستثمارات مشروع “مراسي البحر الأحمر” في منطقة خليج سومة جنوب الغردقة، على مساحة تقارب 2,426 فدانًا بما يعادل أكثر من 10 مليون متربع مربع.  وكانت شركة إعمار مصر للتنمية، قد وقعت في الأسبوع الأول من سبتمبر، اتفاقًا ضخمًا لتطوير “مراسي البحر الأحمر” بمشاركة كل من سكاي تاور للتطوير العقاري، التي تمتلك إعمار مصر حصة فيها، وجولدن كوست المملوكة لمجموعة سيتي ستارز السعودية. جاء هذا الاتفاق بعد أن أنهت  الحكومة المصرية تسوية قانونية أتاحت تمديد فترة الانتفاع بالأرض، وسمحت بدخول إعمار كمطور عقاري رئيسي للمشروع.

 الجدير بالذكر أنه من غير المعلن حتى الآن عن حجم الحصة التي تمتلكها شركة إعمار في سكاي تاور، كما لم يتم الإعلان عن شكل الشراكة بين إعمار والشركتين السعوديتين في منطقة البحر الأحمر.

وتٌعَدّ منطقة  البحر الأحمر أحد أكثر المواقع الاستراتيجية لاستثمارات محمد العبار في مصر، نظرًا لقربه من مطار الغردقة الدولي وسهولة الوصول إليه من الأسواق السياحية العالمية، إلى جانب تمتعه بواجهة بحرية مباشرة تمنح مشروعاته قيمة عقارية عالية.

وسط غياب المعلومات الرسمية حول تفاصيل الشراكة بين شركة إعمار مصر والشركتين السعوديتين في مشروع البحر الأحمر، يؤكد مصدر مسؤول لموقع زاوية ثالثة أن دور إعمار يقتصر على التطوير العقاري فقط، ولا تمتلك أي جزء من الأرض بشكل مباشر. يوضح المصدر أن اختيار إعمار لهذا الدور جاء بناءً على نجاحاتها السابقة في مشاريع عقارية أخرى، مما جعلها الشريك الموثوق لإدارة التطوير والتسويق في المشروع. دون الإشارة إلى حصة إعمار في شركة (سكاي تور).

من جهته يرى عبد المنعم إمام، النائب في البرلمان ورئيس حزب العدل،  أن أي استثمار أجنبي، وخاصة بالدولار، يُعد أمرًا إيجابيًا، لكنه يحذّر في حديثه لـ “زاوية ثالثة” من الاعتماد على نوع واحد فقط من الاستثمارات. ويشير إلى أن الاستثمار العقاري بلا شك مهم، لأنه يشغل نحو 16 مهنة مرتبطة به ويخلق منافسة اقتصادية، إلا أن المشكلة الأساسية في مصر تكمن في جذب الاستثمارات الكبرى ذات الطابع الإنتاجي وتوطين الصناعات.

ويضيف إمام أن الأراضي غير المستغلة في مصر غالبًا تبقى بلا قيمة مضافة إذا لم يكن هناك استثمار شفاف ومعلن. معتبرًا أن المعيار الأساسي لأي استثمار أجنبي يجب أن يكون الشفافية في الطرح العام والمنافسة العادلة، بحيث يتم اختيار أفضل عرض متاح. ويشير إلى أن التجربة التاريخية مع الأجهزة الحكومية منذ 1952 تظهر أن أي مشروع يظل “ميتًا” دون استثمار فعلي أو قيمة مضافة، بينما الاستثمارات التي تفتح فرص عمل، مثل المطاعم والشاليهات، تعتبر مرحب بها لأنها تحرك الاقتصاد المحلي.

ومع ذلك، يحذّر إمام من أن يكون الاستثمار العقاري أو السياحي هو النوع الوحيد الجاذب للاستثمار الأجنبي، لأنه حينها لن يتحقق التوازن المطلوب في الاقتصاد، ولن يُنشأ قطاع إنتاجي مستدام قادر على توظيف القوى العاملة وتوطين الصناعات. ويؤكد أن انتقاد أي صفقة معينة—مثل صفقة رأس الحكمة—يتمحور حول مسألة الشفافية وليس معارضة الاستثمار ذاته، حيث يمكن أن تكون أي جهة، بما في ذلك الإمارات، الفائز في العطاء إذا كان العرض جيدًا وشفافًا.

دعم العبار لتل أبيب.. علامة استفهام كبرى

يعتبر رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار من أكبر المستثمرين في مصر منذ العام 2005 حتى الآن، وخلال السنوات العشر الأخيرة أثارت علاقة العبار بالكيان الصهيوني الكثير من الجدل، وفي الوقت الذي تتمدد مشروعات العبار داخل الأراضي المصرية والتي تأتي عن طريق شراء الأراضي لإقامة المنتجعات السياحية والترفيهية وكذلك السكنية، جاءت علاقة العبار بإسرائيل لتثير الكثير من الشكوك والتخوفات.

ففي ديسمبر من عام 2020، دعا العبار إلى توطيد العلاقات الاجتماعية بين الشعبين الإسرائيلي والإماراتي وذلك خلال مشاركته في المؤتمر الاقتصادي الإماراتي–الإسرائيلي المشترك، المنعقد على هامش فعاليات معرض “جيتكس” بدبي، حيث  ألقى رجل الأعمال محمد العبار، رئيس مجلس إدارة شركة إعمار العقارية.

واعتبر العبار في كلمته أن التعاون الاقتصادي بين الطرفين لا يمكن أن يترسخ إلا عبر بناء جسور اجتماعية وإنسانية متينة. وأوضح العبار أن “الأعمال مع إسرائيل ستحدث حتمًا”، لكنه شدد على أهمية الزيارات العائلية والتواصل المباشر بين الأجيال الجديدة في البلدين، وهو ما اعتبره ناشطون خطوة تطبيعية خطيرة تتجاوز حدود الاقتصاد إلى شرعنة الاحتلال على المستوى الشعبي.

وفي أغسطس عام 2021، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن قيام رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار بتقديم تبرعات وُصفت بـ”السخية” لصالح أحد مشاريع الاحتلال في الأراضي الفلسطينية، من خلال دعم آلاف الأسر الإسرائيلية التي تعاني الفقر والجوع.

وبحسب ما أورده الموقع الاقتصادي الإسرائيلي كلكالست (Calcalist)، فقد أعلن مؤتمر المبادرة الوطنية للأمن الغذائي في تل أبيب للمرة الأولى عن هوية خمسة مانحين رئيسيين موّلوا مساعدات غذائية لآلاف العائلات المحتاجة، بقيمة بلغت نحو 550 مليون شيكل (أكثر من 170 مليون دولار). وأشار الموقع إلى أن هذه المساعدات قُدمت على مدار ثمانية عشر عامًا بشكل سري، قبل أن يُكشف عنها أخيرًا، موضحًا أن آلاف الأسر الإسرائيلية كانت المستفيد الأساسي من هذا الدعم.

وفي 2005، التقى رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، رئيس مجلس إدارة شركة إعمار العقارية ومدير دائرة التنمية الاقتصادية في دبي، كلًا من رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أرييل شارون ونائبه شمعون بيريز، ليصبح ذلك أول لقاء معلن بين مسؤولين من الجانبين رغم غياب العلاقات الدبلوماسية بين الإمارات وإسرائيل حينها.

وخلال الاجتماع، طرح العبار مبادرة لشراء المنازل التي سيتركها المستوطنون الإسرائيليون بعد خطة الانسحاب من قطاع غزة عام 2005، في خطوة وصفتها وسائل إعلام إسرائيلية بأنها محاولة لإيجاد تسوية تحافظ على البنية التحتية للمستوطنات. وهو اللقاء الذي نفاه العبار في فبراير 2005، مؤكدًا على أن زيارته إلى الأراضي الفلسطينية كانت “شخصية” وتهدف إلى الاطلاع على أوضاع الفلسطينيين وتقديم المساعدات الإنسانية، دون أي نية للتطبيع أو التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي، بخلف ما نشرته مواقع صحفية عبرية.

في السياق، يؤكد  طلعت خليل، النائب السابق والمنسق العام للحركة المدنية الديمقراطية، في حديثه لزاوية ثالثة على أهمية الاستثمار الأجنبي في مصر، لكنه في الوقت نفسه أعرب  تخوفه من طبيعة الاستثمارات الإماراتية التي وصفها بأنها استحواذ على أراضٍ ومشروعات إستراتيجية، لا مجرد استثمار إنتاجي. وأشار خليل إلى أن محمد العبار يمتلك مشروعات وأراضي في مواقع ذات أهمية إستراتيجية للأمن القومي، مثل أراضي البحر الأحمر، مما يثير لديه علامات استفهام بشأن تأثير هذه الصفقات على الأمن القومي المصري.

وأضاف أن ما يقوم به رجل الأعمال الإماراتي يُثير الريبة والشك، خاصة في ظل علاقات محتملة مع الكيان الصهيوني، معتبراً أن فتح الباب على مصراعيه أمام هذه الاستثمارات دون تقييم دقيق يمثل خطراً محتملاً على الأمن القومي. وأكد خليل أن التركيز ينبغي أن يكون على الاستثمارات الإنتاجية التي تخلق فرص عمل وتساهم في التنمية الشاملة، وليس مجرد استحواذ على الأراضي والمشروعات القائمة.

من مراسي الساحل إلى قلب القاهرة، ومن البحر الأحمر إلى المقطم، نسج محمد العبار خريطة نفوذ اقتصادي فوق ملايين الأمتار من أرض مصر. غير أن خلف البنايات الشاهقة والواجهات البراقة، تظل الأسئلة قائمة حول العقود الاستثمارية الغامضة وغياب الشفافية، في وقت تؤكد المؤشرات أن هذا النوع من الاستثمار لم يكن طوق نجاة للاقتصاد المصري خلال العقد الأخير.

زاوية ثالثة

الرابط  

    https://storage.googleapis.com/qurium/zawia3.com/abbar.html 

تواصلت مظاهرات الشعب امس الأحد لإسقاط النظام

 

تواصلت مظاهرات الشعب امس الأحد لإسقاط النظام



د. رفيق عبد السلام. وزير خارجية تونس السابق. فى تغريدتة على منصة اكس مساء امس الاحد.

 

د. رفيق عبد السلام. وزير خارجية تونس السابق. فى تغريدتة على منصة اكس مساء امس الاحد.


المطر ينزل في تونس وجماعة السيسي يحملون المطريات، المسيرات تتحرك في شوارع تونس والنديب والعويل في القاهرة.

كل ذلك يؤكد أن الشارع العربي موحد في مشاعره ومشاكله وفي سلوكه السياسي،  وأن موجة التغيير  القادمة ستكون حتما خطا موصولا بين تونس والقاهرة.

ترامب قال على صفحته امس بان اتفاق اقامة الولايات المتحدة المفاعل النووى السعودى للاغراض السلمية مشروط  بانضمام السعودية للاتفاقيات الابراهيمية والتطبيع الكامل مع اسرائيل

ترامب قال على صفحته امس بان اتفاق اقامة الولايات المتحدة المفاعل النووى السعودى للاغراض السلمية مشروط  بانضمام السعودية للاتفاقيات الابراهيمية والتطبيع الكامل مع اسرائيل

الأحد، 26 يوليو 2026

المال مقابل "حرب القوارب".. صفقة أوروبية مصرية على حساب حقوق الإنسان

 

الرابط

عربى 21

المال مقابل "حرب القوارب".. صفقة أوروبية مصرية على حساب حقوق الإنسان


دفع تجاهل المسؤولين الأوروبيون ملف المعتقلين المصريين وغض الطرف عن الجرائم الأمنية والحقوقية التي ترتكبها السلطات المصرية بحق المصريين منذ العام 2013، وفي الوقت ذاته الإشادة الأوروبية بدور القاهرة في استقبال اللاجئين، للتساؤل حول مدى تضحية المشرعين الأوربيين بالقيم الغربية لأجل مصالح القارة العجوز المتمثلة في منع السلطات المصرية المهاجرين من الوصول لأراضيها.

وفي هذا السياق، أقرت المفوضية الأوروبية، الجمعة، تحويل 1.5 مليار يورو إلى الحكومة المصرية، في تمويل يعد القسط الثاني من الشريحة الثانية لحزمة دعم الاتحاد الأوروبي حكومة القاهرة، ضمن برنامج دعم بقيمة 5 مليارات يورو.

إقرار الاتحاد الأوروبي الدعم المالي الكبير لمصر، يأتي بعد زيارة وفد من اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان في البرلمان الأوروبي بقيادة الفرنسي منير ساتوري، للقاهرة لأول مرة منذ 5 سنوات في زيارة رسمية استمرت لمدة 3 أيام، التقى خلالها مع وزير الخارجية بدر عبدالعاطي الثلاثاء الماضي، ومسؤولين بالحكومة، والبرلمان، والمجلس القومي لحقوق الإنسان.

صدمة الإشادة وخسارة التفاؤل

ورغم لقاء الوفد مع حقوقيين مصريين غير حكوميين عرضوا عليه أزمة معتقلي الرأي وغياب الحريات وغلق المجال العام، إلا أن الوفد خرج ببيان يشيد فيه بجهود مصر في هذا المجال دون أي إدانة للملف الذي يمس أكثر من 60 ألف معتقل لأكثر من 13 عاما، والذي طالما وجه له البرلمان الأوروبي انتقادات لاذعة بالسنوات الماضية.

وخلال لقائه الوفد الأوروبي، أكد الحقوقي المصري بمركز "القاهرة لدراسات حقوق الإنسان" محمد زارع، على أزمة تصاعد انتهاكات حقوق الإنسان على مدار السنوات الماضية في البلاد، وغياب أي التزام جدي باحترام حقوق الإنسان في اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين مصر والاتحاد الأوروبي منذ عام 2024 وحتى الآن، بحسب موقع "فكر تاني".

لكنه كان لافتا، أن الوفد الأوروبي، ثمن الدور الكبير الذي تقوم به مصر في استضافة أعداد ضخمة من اللاجئين وتحمل أعباء ذلك، وناقش سبل التعاون المشترك لحماية اللاجئين ودعمهم، دون التطرق لأزمة المعتقلين المصريين، وفي تجاهل كذلك لانتقادات حقوقية عديدة وبينها سودانية لملف تعامل السلطات المصرية الأمنية والإدارية مع اللاجئين، وخاصة السودانيين، الذين جري ترحيل وتوقيف الكثيرين منهم.

وكانت قد سادت حالة من التفاؤل بين ناشطين وحقوقيين مصريين لرئاسة الفرنسي ساتوري، وفد البرلمان الأوروبي خاصة وأنه أحد الشخصيات الغربية التي أعلنت مرارا تضامنها مع نشطاء ومعتقلين مصريين، بينها موقفه في نيسان/أبريل الماضي، الرفض لتوقيف الناشط أحمد دومة مجددا، في موقف شاركته فيه مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحالة المدافعين عن حقوق الإنسان، ماري لولور.

مقابل التمويل

وتقوم الشراكة الاستراتيجية بين مصر والاتحاد الأوروبي الموقعة في آذار/مارس 2024، على احترام القانون وحقوق الإنسان، والتعاون في 6 محاور استراتيجية منها الهجرة والتنقل، والأمن، مقابل حزمة تمويلية بقيمة 7.4 مليار يورو بين عامي 2024 و2027، بينها 5 مليارات يورو كقروض ميسرة على 35 عاما ضمن حزمة أوروبية بقيمة 7.4 مليارات يورو.

تم صرف مليار يورو في كانون الأول/ديسمبر 2024، ثم مليار يورو في كانون الثاني/يناير الماضي، ثم 1.5 مليار الشهر الجاري ليتبقى القسط الأخير بقيمة 1.5 مليار يورو.

وفي ملف المهاجرين واللاجئين، تم اعتماد تمويل بقيمة 181 مليون يورو لصالح مصر، مع الإعلان عن تمويل إضافي بقيمة 200 مليون يورو للفترة (2024-2027)، وفي عام 2024، خصّص الاتحاد الأوروبي 9 ملايين يورو كمساعدات إنسانية لدعم اللاجئين وطالبي اللجوء الأكثر ضعفا في مصر.

المصالح تطغى على الحقوق

وفي إجابته على السؤال: كيف ضحى المشروعون الأوروبيون بالقيم الغربية حول الحريات وملف المعتقلين لأجل منع المهاجرين للقارة العجوز؟، تحدث الحقوقي المصري محمود جابر، لـ"عربي21".

وقال إن "المصالح السياسية دائما ما تطغى على حقوق الإنسان، وهذا هو الأصل في علاقات الدول، تقديم المكاسب السياسية والاقتصادية دائما على حقوق الإنسان خاصة في الشرق الأوسط بشكل عام، دائما ما تغض الدول الطرف عن الانتهاكات الإنسانية إذا ما تعارضت مع مصالحها".

مدير منظمة "عدالة لحقوق الإنسان"، أوضح أن "أوروبا تستخدم حقوق الإنسان لتحقيق غايات سياسية بعيدة أو قريبة، مع الأسف هذا واقع ملموس وملحوظ؛ لذلك لا نعول كحقوقيين على الهيئات السياسية، ونحن كمنظمات مجتمع مدني نعاني كثيرا معهم، لكننا لا نيأس ولا نقطع الأمل".

وأكد أن "البرلمان الأوروبي على مدار السنوات الماضية أصدر عدة قرارات تدين مصر حقوقيا، في مناسبات متفرقة، حول أوضاع حقوق الإنسان في مصر، حيث صدرت القرارات التالية: بتاريخ 17 تموز/يوليو 2014 بشأن حرية التعبير والتجمع، وفي 15 كانون الثاني/يناير 2015 بشأن الوضع الحقوقي، وخلال 10 آذار/مارس 2016 بشأن قضية الإيطالي جوليو ريجيني".

وأضاف: "وأصدر كذلك بتاريخ 8 شباط/فبراير 2018 قرارا بشأن الإعدامات في مصر، تبعه في 13 كانون الأول/ديسمبر 2018 قرار بشأن وضع المدافعين عن حقوق الإنسان، وفي 24 تشرين الأول/أكتوبر 2019 حول اعتقالات أيلول/سبتمبر والمدافعين عن حقوق الإنسان، ثم خلال 18 كانون الأول/ديسمبر 2020 قرارا بشأن تدهور حالة حقوق الإنسان".

استقرار وهمي قائم على القمع

ويلفت جابر، إلى أن "التطورات الأخيرة تثبت أن الاتحاد الأوروبي يستخدم ملف حقوق الإنسان كأداة مرنة يتراجع استخدامها فور تعارضها مع ملفات السيادة والأمن القومي، وعلى رأسها أزمة الهجرة واللجوء".

وقال: "نحن كحقوقيين في منظمة (عدالة) لا نندهش من هذا السلوك؛ فالمصالح الجيوسياسية والاقتصادية غالبا ما تتقدم على المبادئ لدى الحكومات؛ لكن رسالتنا للأوروبيين هي أن الاستقرار القائم على القمع والصفقات التكتيكية هو استقرار وهمي وقصير الأجل".

وأضاف أن "صنع استقرار مزيف عبر صفقات مالية لمنع الهجرة لن يحل جذور المشكلة، لأن غياب دولة القانون والحرية في مصر هو السبب الأكبر للهروب والاضطراب في المنطقة على المدى البعيد"، خاتما بالقول: "ندرك صعوبة الأمر والتحديات، ونعلم حجم معاناة المجتمع المدني، لكننا مستمرون في رصدنا وتوثيقنا ونشاطنا".

واقع قاسي

وتتواصل انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، وهو الوضع الذي عبر عنه مذكرة قدمها وفد نسائي من "لجنة الدفاع عن سجناء الرأي"، لنائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، أنور السادات، قبل زيارة الوفد الأوروبي لمصر، حول ما يتعرض له سجناء الرأي من انتهاكات، ومخالفات للدستور، ولقانون الإجراءات الجنائية وخاصة مادة الحبس الاحتياطي، إلى جانب ظاهرة تدوير المحبوسين بقضايا جديدة، إلى جانب الإهمال الطبي المتعمد الذي أودى بحياة المئات في مراكز الاحتجاز والسجون المصرية.

كما تأتي زيارة وفد البرلمان الأوربي لمصر، وتقديم المفوضية الأوروبية الدعم المالي للقاهرة، بعد أيام من إعلان وكالة "فرانس برس"،  في 16 تموز/يوليو الجاري، توقيف عشرات الشباب بسبب "الانضمام لمجموعة معارضة" على موقع "ديسكورد"، تحمل اسم "جيل زد"، ليصل العدد إلى 60 معتقلا منذ نهاية العام الماضي، وفق مدير الوحدة القانونية في "الجبهة المصرية لحقوق الإنسان" المحامية شروق سلام.

ويأتي صرف الدعم الأوروبي المشروط لمصر في الوقت الذي أطلقت فيه منظمات حقوقية حملة: حملة "#عايز_أتنفس"، لإنقاذ أرواح المحتجزين وضمان حقهم في الحياة والصحة والرعاية الصحية، والتهوية، والتنفس في بيئة آمنة وصحية، مع ظروف قاسية يعيشها آلاف المعتقلين والمحتجزين بالسجون ومراكز الاحتجاز، وما يرافقها من تدهور صحي وإهمال طبي يهدد حياتهم.

وتدعو الحملة لفتح وسائل التهوية وتشغيل المراوح والشفاطات خاصة خلال موجات الحر، وضمان عدم تعطيلها أو قطع الكهرباء عنها، وتوفير مياه شرب نقية وبكميات كافية ومنتظمة لجميع المحتجزين، مع اتخاذ التدابير اللازمة لتبريدها خلال موجات الحر، وخفض أعداد المحتجزين بالزنازين بما يضمن الحد الأدنى من المساحة الشخصية والتهوية، والحد من الظروف التي تؤدي للاختناق وانتشار الأمراض.

تبييض سجل الانتهاكات

ويلفت حقوقيون إلى أن تجاهل البرلمان الأوروبي ملف المعتقلين المصريين، لأن ملف المهاجرين واللاجئين الأهم لدى صناع القرار في القارة العجوز، ولهذا ثمن الوفد دور مصر في ملف اللاجئين، وقرر منح القاهرة مبلغ 1.5 مليار يورو، وذلك قبل منحها في ذات السياق 3.5 مليار يورو منذ 2024، ومن المقرر دفع شريحة أخيرة بقيمة 1.5 مليار دولار في سياق دعم مصر لمنع اللاجئين من الوصول إلى أوروبا.

ويؤكدون أن الجانب الأوروبي أصبح يتجاهل النداءات الحقوقية المتتابعة حول الجرائم الأمنية والانتهاكات المخالفة للقواعد الغربية لحقوق الإنسان، ملمحين إلى أنه في حزيران/يونيو الماضي، ومع مرور عامين على الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الاتحاد الأوروبي ومصر، ناشدت 15 منظمة حقوقية دول الاتحاد الأوروبي، بعدم تبييض سجل مصر الحقوقي.

وطالبت المنظمات أوروبا بعدم غض الطرف عن الانتهاكات الحقوقية وحملات التضييق على المجال العام، والاعتقال والاحتجاز التعسفي الجماعي، وممارسات الإخفاء القسري والتعذيب، التي تفضي أحيانا إلى الموت، وتهميش القوى السياسية والمدنية المستقلة، والقمع العابر للحدود الوطنية بحق المصريين في الخارج، وإحالة نحو 6 آلاف مصري للمحاكمة أمام دوائر الإرهاب خلال 8 أشهر فقط.

واعتبرت أن استمرار تعامل الاتحاد الأوروبي مع هذا القمع بوصفه ضمانة للاستقرار في مصر، يخاطر بترسيخ وضع هش قد يبدو مستقرا في الظاهر، لكنه يتحول بمرور الوقت لحالة أكثر اضطرابا وأقل قدرة على الصمود، مطالبة الاتحاد الأوروبي ودوله الضغط على السلطات المصرية لإجراء إصلاحات حقيقية.

وأوضح البيان، أن انتهاكات حقوق الإنسان لا تقتصر على المصريين، بل امتدت لتشمل طالبي اللجوء واللاجئين، خاصة السودانيين، الذين يواجهون حملات اعتقال تعسفي جماعي متصاعدة تعقبها عمليات ترحيل قسري.

وشددت المنظمات على استمرار تراجع الديمقراطية في مصر، رغم أن المساعدات المالية الكلية المؤكدة من الاتحاد الأوروبي بقيمة 5 مليارات يورو مشروطة رسميًا باتخاذ مصر خطوات ملموسة وذات مصداقية نحو احترام الآليات الديمقراطية الفعالة، وعلى رأسها التعددية الحزبية والبرلمانية، وسيادة القانون وضمان احترام حقوق الإنسان".