سياسة ملكية الدولة.. بداية ونهاية
في أبريل/نيسان 2022، فَجَّر الرئيس عبد الفتاح السيسي مفاجأة في إفطار الأسرة المصرية بإعلانه عن برنامج جديد للخصخصة؛ يهدف لجمع 40 مليار دولار خلال 4 سنوات، وسيشمل أيضًا بيع حصص في شركات اقتصادية يملكها الجيش، وهي خطوة كانت من المحظورات في العقود الماضية.
اليوم، بعد أربع سنوات مضت على هذا الخطاب، وبينما ننتظر الوصول للمحطة النهائية في هذا الاتفاق الطويل، يتضح أن وعود الخصخصة كانت بشكل كبير مجرد "خطاب"، أنتجه النظام المصري بمهارة فائقة ليسمح بشراء الوقت لأطول فترة ممكنة حتى ينتهي القرض.
ممن استلهم الرئيس أفكاره؟
ليست هذه المحاولة الأولى للخصخصة في تاريخ الجمهورية، فهي نهج حكومي ظهر منذ التسعينيات، لكن ربما تكون هذه نسختها الأسوأ على الإطلاق، إذ لم يُقَدِّم الرئيس سببًا يبرر عمليات البيع تلك غير جمع الأموال، بينما كانت البرامج السابقة تدعو لطرح أصول الدولة بدعوى التخلص من شركات خاسرة أو تطوير شركات قائمة.
كما أن هذا الرقم الهائل، كان مثل الكثير من الأرقام المعلنة، لا نعرف كيف تم حسابه، وهل هو السعر العادل للشركات التي كانت في ذهن الرئيس وقت أن قال هذا الكلام، أم أنه سعر بخس؟
ربما تكون النقطة المضيئة الوحيدة في هذا التصريح هي الحديث عن السماح بطرح حصص من شركات القوات المسلحة، فالخصخصة على كل عيوبها ستُمكننا أخيرًا من فتح هذا الصندوق المغلق ومعرفة، ولو القليل، من البيانات عن حجم نشاطه الاقتصادي.
جرى الكثير من الماء في النهر خلال السنوات التالية ويبدو المشهد الآن مختلفًا تمامًا، فقد تبخر حماس -بل واندفاع- الرئيس نحو الخصخصة. ويبدو أن حالة الفتور تلك انتقلت إلى صندوق النقد الدولي، كما يظهر من نصوص المراجعة قبل الأخيرة لاتفاقه الحالي مع مصر.
يمكن أن نفهم هذا التحول إذا ارتدينا نظارة الاقتصاد السياسي، فقرار الخصخصة ليس بيعًا للأصول فقط ولكنه أيضًا تغييرًا في علاقات القوة الكامنة خلفه، ويبدو أن تطلعات البيع لاقت مقاومة داخلية قوية خلال السنوات الماضية، ونجحت البيروقراطية في إغراق "الصندوق" في بحر من الرمال المتحركة اسمه "الإجراءات".
ربما يكون من المفيد أن نفهم بداية سياق تصريحات الرئيس الحماسية عن الخصخصة، فهي ليست من بنات أفكاره، لكنها على الأرجح كانت ترجمة لتوجيهات الصندوق في ذلك الوقت.
عبَّر الصندوق عن تصوراته تلك في تقرير المراجعة الثانية لاتفاقه السابق مع مصر، وهو التقرير الصادر في منتصف عام 2021، بضرورة إحداث تغيير جذري في تاريخ الخصخصة بمصر، وطرح -ربما للمرة الأولى- فكرة تخارج الدولة من قطاعات اقتصادية بأكملها. وربط الصندوق وقتها بين "تطوير سياسة الملكية" بحسب تعبيره و"تعزيز المساءلة والشفافية".
بعد أشهر قليلة تحدث مجلس الوزراء بلسان "الصندوق" من خلال بيان زعم فيه أن دراسة، لم يطلع عليها أحد إلى الآن، صادرة عن مركز معلومات مجلس الوزراء، اقترحت عددًا من آليات تمكين القطاع الخاص.
وظهر بوضوح تأثير فكرة تحديد النشاط الاقتصادي للدولة على تلك الدراسة، إذ قَسَّمَت القطاعات الاقتصادية إلى مجالات ستسيطر عليها الدولة، وأخرى ستخرج منها تمامًا، وثالثة ستتخارج منها بالتدريج، مع العمل على إصلاح الشركات العامة النشطة.
وعود الخصخصة كانت مجرد "خطاب"، أنتجه النظام المصري بمهارة فائقة ليسمح بشراء الوقت لأطول فترة ممكنة حتى ينتهي قرض الصندوق
لماذا تلون حديث الحكومة آنذاك بنبرة صوت "الصندوق" عن الخصخصة؟ السر في التمويل. قبل التصريح الرئاسي عن الأربعين مليارًا بأيامٍ قليلة، قدمت مصر طلبًا رسميًا للصندوق بالحصول على قرضٍ جديٍد. لم يكن الرئيس إذًا يوجه حديثه عن الخصخصة إلينا! ولكنه كان يتعهد للصندوق بتبني أيديولوجيته الاقتصادية في مقابل أموال جديدة.
خصخصة الميري خط أحمر
اليوم؛ خفت وهج الخصخصة تدريجيًا في وثائق صندوق النقد، حتى بات أشبه بضوء مرتعش يوشك على الانطفاء تمامًا. ربما كانت المراجعتان الخامسة والسادسة (فبراير/شباط الماضي)، لاتفاق التمويل الحالي هما آخر محاولتين للصندوق من أجل وضع خطة طموحة للخصخصة، على أمل إلزام الحكومة بها، إذ تضمنتا تعهدات واضحة بإبرام 4 صفقات خصخصة بدءًا من ديسمبر/كانون الأول الماضي وحتى نهاية البرنامج في ديسمبر المقبل، إضافة إلى 11 صفقة إضافية من ضمنها 5 شركات مملوكة للجيش.
خفتت لهجة الصندوق الحادة المنتقدة للقوات المسلحة بسبب مزاحمتها القطاع الخاص واختفت تمامًا من المراجعة السابعة
لكن في المراجعة السابعة (نهاية يوليو/تموز الماضي)، بدا الصندوق وقد بُحَّ صوته وتملكه اليأس، إذ ارتضى بمساهمة الخصخصة في سد فجوة التمويل الخارجي لهذا العام بمبلغ متواضع، نحو 400 مليون دولار، وتحدث بحرص عن توقعات لطرح شركات عامة في البورصة.
والأهم أنه لم يتناول اقتصاد الجيش بأي نقد كما اعتاد في السابق، بالرغم من توسع دور جهاز مستقبل مصر الذي يجسد ذروة سيطرة المؤسسة العسكرية على الاقتصاد. ولم يقترب من قريب أو بعيد من النشاط الاقتصادي للقوات المسلحة ومزاحمتها للقطاع الخاص كما فعل سابقًا في تقرير المراجعة الرابعة (نوفمبر/تشرين الثاني 2024).
وبحسب المراجعة السابعة، فإن إجمالي حصيلة الخصخصة تحت البرنامج التمويلي الحالي ستكون نحو 7.2 مليار دولار، وهو أقل من الرقم الذي كان متوقعًا في بداية البرنامج بـ8.7 مليار دولار، وشديد البعد عن الرقم الذي توقعه الرئيس بـ40 مليار دولار.
كما أن نحو نصف هذه الحصيلة جاء من صفقة بيع الأرض في منطقة علم الروم، وليس عن طريق بيع منشآت إنتاجية حكومية أو شبه حكومية كانت تزاحم القطاع الخاص، وهو الهاجس الأكبر للصندوق.
شراء الوقت مهارة حكومية
ضَعف الحصيلة المرجوة من الخصخصة لا يعني أن الصندوق ليس لديه ما يتحدث عنه، بالعكس فقد أغرقته الحكومة في كومة هائلة من الإجراءات، التي باتت الأمل الأخير للمؤسسة الدولية لكي تُظهر أمام العالم أنها استطاعت تحقيق شيء من النجاح في مصر تحفظ به ماء وجهها.
ينقل تقرير المراجعة السابعة عن الحكومة تعهدها بـ"توسيع نطاق التغطية وتحسين جودة البيانات" لـ230 شركة مملوكة للدولة، تشمل شركات القوات المسلحة، وأخرى تم نقل ولايتها للصندوق السيادي، قبل نهاية القرض، أي في نوفمبر/تشرين الثاني 2026.
نحن أمام إجراء بيروقراطي قليل التكلفة من أجل ادعاء أن الحكومة حققت إنجازًا ما في الأشهر الأخيرة، أي بين تمرير المراجعة السابعة التي أعلن عنها نهاية يوليو إلى المراجعة اللاحقة والأخيرة في ديسمبر.
واللافت أن الجهة التي ستكون مسؤولة عن حصر وتقييم مؤسسات الدولة: وحدة الشركات المملوكة للدولة، جرى إنشاؤها أيضًا بهدف شراء الوقت. لنتذكر أن هذه الوحدة أنشئت في سياق قانون ملكية الدولة رقم 170 لسنة 2025، وليس مفهومًا حتى الآن ما الفارق بين طبيعة عملها وما كانت تضطلع به وزارة قطاع الأعمال العام، لكن جرى تقديم الإجراء على أنه إنجاز في طريق الخصخصة.
لم تُدرج شركات القوات المسلحة في قاعدة بيانات الوحدة الوزارية المسؤولة عن برنامج الخصخصة والتخارج الحكومي
وإذا افترضنا مثلًا أن تأسيس هذه الوحدة بهدف إدارة أصول الدولة على نطاق أوسع من الشركات الخاضعة لقانون قطاع الأعمال العام، فقد انطوى القانون المنظم لها على مادة تسمح بإخراج طيف واسع من الشركات من تحت ولايتها، إذ أخلى القانون مسؤوليتها عن "الشركات التي تباشر أغراضًا ذات بعد قومي أو استراتيجي"، وهي ثغرة بحجم جبل المقطم، تسمح بحجب شركات كثيرة عن مشرط الخصخصة، وعلى رأسها طبعًا التابعة للقوات المسلحة.
ونص هذا القانون على أن يخضع تحديد الشركات الواقعة تحت ولاية "الوحدة" لقرار من مجلس الوزراء "بناءً على عرض مشترك من الوزير المعني والسلطة المختصة من الجهة المالكة [للشركة]"، وهي ضوابط -كما هو واضح- تدعم اتساع ثغرة تمرير مصالح القوات المسلحة من مفرزة الخصخصة دون أن تُمس بسوء.
إن لم يكن هذا التحليل بشأن هذه الثغرة المعدة خصيصًا لحماية الجيش وشركاته مُقنعًا، فالأمر لم يعد متروكًا للتحليل، إذ نقل تقرير المراجعة السابعة عن وحدة ملكية الدولة تلك اعترافها بأن البيانات المتوفرة لديها بشأن الشركات المملوكة للدولة تقتصر حاليًا على الشركات الخاضعة لقانون قطاع الأعمال العام.
لم تخضع شركات القوات المسلحة إذن للوحدة، حتى من دون الحاجة لاستصدار قرارات من مجلس الوزراء باستثنائها تحت بند ممارسة نشاط يرتبط بالأمن القومي. جرى استثناء هذه الشركات بغض النظر عن نشاطها الاقتصادي حتى لو كانت تعمل في مجال استزراع الجمبري وتجميده وتغليفه.
مناورات مثيرة للإعجاب تلك التي مكنت الحكومة من الوصول تقريبًا للمحطة الأخيرة من الاتفاق مع صندوق النقد، دون الحاجة لاختبار القوات المسلحة في أعز ما تملك، أي نشاطها الاقتصادي. تجربة تستدعي إلى الذهن مهارة البيروقراطي العتيد في الحزب الوطني كمال الفولي/خالد صالح، في فيلم عمارة يعقوبيان، في انتزاع الإتاوة من رجل الأعمال الحاج عزام/نور الشريف، مقابل رضا الحكومة عنه، لأن السيناريو البديل سيتضمن تسخير القانون للانتقام منه وإذلاله.
المنصة
https://manassa.news/stories/33584