الموقف المصري
**قانون المسئولية الطبية الجديد.. لماذا تعامل الدولة الأطباء كمجرمين محتملين؟**
- الشهر الي فات، وافق مجلس الوزراء على مشروع قانون جديد للمسؤولية الطبية، وتم عرضه على لجنة الصحة في مجلس الشيوخ الأسبوع اللي فات ووافقت عليه من حيث المبدأ.
- مشروع القانون المقدم من الحكومة نص على إنشاء لجنة عليا تتبع رئيس مجلس الوزراء اسمها اللجنة العليا للمسئولية الطبية، وتكون اللجنة دي هي المسئولة عن فحص الشكاوى المقدمة ضد مقدمي الخدمة الطبية، وهي خطوة يؤيدها اتحاد نقابات المهن الطبية.
- كذلك مشروع القانون الجديد نص على وضع آليات للتأمين الإلزامي للمنشآت الطبية ومقدمي الخدمة من خلال صندوق حكومي مالي يساهم في التعويضات المستحقة عن الأخطاء الطبية، ودي خطوة مهمة بالتأكيد لأنها تضمن صرف التعويضات بسلاسة لمستحقيها، وفي نفس الوقت تعترف بالمسؤولية المشتركة بين المؤسسة (المستشفى أو وزارة الصحة) وبين شخص مقدم الخدمة (الطبيب/ة أو الممرض/ة).
- لكن في المقابل، الحكومة فضلت متمسكة في مشروع القانون الجديد بمعاقبة الأطباء والممرضين في حالة "الأخطاء الطبية" بالحبس وفقا للمادتين 27 و28 من القانون، رغم إن الهدف من قانون المسئولية الطبية أصلا إن ده ميحصلش.
- الأمر ده دفع اتحاد نقابات المهن الطبية لإصدار بيان يرفض القانون في صيغته الحالية، وهو الأمر نفسه اللي قامت به المبادرة المصرية للحقوق الشخصية الي قدمت قبل كده وفي بيانها الأخير توصيات محددة لإصلاح القانون.
الهدف من القانون منع الحبس وليس إقراره
- علشان نفهم اكتر، لما بيقوم جراح بعمل جرح في بطن مريض ما، هو فعل ظاهريا يشبه قيام شخص بمحاولة طعن أو جرح شخص آخر في بطنه، وبالتالي لما مبيكونش فيه قانون مسئولية طبية، والجراح ده إيده تهتز فالمشرط بتاعه يجرح عضو مهم في بطن المريض ويتسبب في مضاعفات خطيرة ليه، البنية القانونية الي عندنا مفيهاش ما يميز بين خطأ الجراح ده وبين جريمة المجرم الي عايز يطعن أو يجرح ضحيته.
- بالتالي شفنا كتير قضاة حكموا على أطباء كبار أو تعاملوا معاهم تعامل المجرمين، كأن هذا الجراح كان واقف في الشارع ماسك سكينة وجرح أو طعن الشخص ده، فيتم حبس الطبيب احتياطيا لفترات طويلة ومعاقبته أحيانا بالسجن بأحكام مشددة.
- قانون المسئولية الطبية دوره إنه يميز، يقول لما تكون فيه ممارسة طبية قائمة على أساس سليم، بمعنى إن اللي بيقوم بها طبيب مرخص له بالمزاولة، والمريض موافق على الممارسة دي، والممارسة دي بالأساس ضمن قواعد الممارسة الطبية المعترف بها من الجهات المهنية زي نقابة الأطباء، فلو حصل خطأ، يبقى ده شيء مختلف عن طعن شخص أو جرحه في الشارع.
- طيب مش ده ممكن يسمح للأطباء بإيذاء مرضاهم عمدا لأسباب مختلفة وهما آمنين من العقوبة؟ حالات الإيذاء المتعمد والإهمال الجسيم دي مسمهاش أخطاء طبية، يعني مثلا لو قام طبيب عمدا بنزع كلية مريض أو إتلافها، في الحالة دي ده مسموش خطأ طبي ولا يخضع لقانون المسئولية الطبية، وإنما ده جناية تخضع لقانون العقوبات.
- بالتالي المعروف في العالم كله إن الأخطاء الطبية لا تعاقب بالحبس، وإنما تكون العقوبات مهنية بحسب جسامة الخطأ ويعوض المريض ماليا عن الخطأ الي تعرض ليه مع ضمان علاجه من المضاعفات بتاعت الخطأ ده.
- علشان كده من سنين طويلة تتجاوز العشرين سنة، قانون المسئولية الطبية ده مطلب عند النقابات المهنية وجمعيات حقوق المرضى وكل الجهات، فليه الحكومة يوم ما تيجي تقر قانون زي ده ترسخ عقوبة حبس الأطباء والممرضين بدل ما تنهيها؟!
لماذا لا تنصت الحكومة إلى أحد؟
- الحقيقة إن الجدل ده مش أول مرة يثار، ففي أكتوبر سنة 2021 بدأ النائب البرلماني الدكتور أيمن أبو العلا العمل على تقديم مشروع قانون للمسئولية الطبية بالتعاون مع نقابة الأطباء، وبالفعل قام بتقديم المشروع للجنة الصحة في مجلس النواب وقتها، لكن المشروع دخل الدرج ولم يخرج منه.
- استمر الحال لمدة سنة كاملة لحد ما ظهر مشروع جديد، المرة دي على إيد وزير الصحة الأسبق أشرف حاتم الي كان رئيس لجنة الصحة في البرلمان، كأن المشروع استهدف قطع الطريق على مشروع القانون الي تقدم به الدكتور أيمن أبو العلا، وطبعا القانون الي تقدم به دكتور أشرف حاتم كان يتضمن عقوبات بالسجن ضد الأطباء والممرضين.
- نفس السيناريو الي بنعيشه دلوقتي حصل من سنتين بحذافيره، النقابات الطبية اعترضت، والأطباء أبدوا انزعاجهم، فدخل المشروع طي النسيان، لحد ما فجأة الحكومة قررت تطلع بمشروع جديد الشهر الي فات، وتكرر نفس السيناريو مع مواد جديدة ترسخ معاقبة الأطباء والممرضين في حالات الأخطاء الطبية بالسجن.
- في المادة 28 من القانون مثلا بنقرأ النص التالي: "يعاقب بالحبس… من تسبب من مقدمي الخدمة الطبية بخطأه الطبي في (جرح) متلقي الخدمة أو إيذائه".
- ده نموذج للصياغة السيئة تماما لأي قانون، لأن ظاهر المادة دي إن لو ذهب شخص ما مصاب بجرح قطعي، وقام الجراح في المستشفى بخياطة الجرح، لكنه قام عن غير قصد بجرح المريض أثناء عملية الخياطة، فقد يرى القاضي حبسه وفقا لهذا القانون!
- إصرار الحكومة على العقوبات القاسية والتعسفية بهذا الشكل بيعيد مرة تانية طرح السؤال عن ليه الحكومة بتتعامل مع الأطباء دايما كخطر أو تهديد يجب ردعه؟ وليه الحكومة بترفض الإنصات للجهات الحقوقية والمهنية في توصياتهم في هذا الشأن رغم إن من الواضح إنهم أكثر خبرة وأقدر على صياغة مشروع قانون أفضل من الي الحكومة بتقدمه؟
- العنف والقسوة في مشروع القانون ده مش متوجهة لمقدمي الخدمة الطبية فقط، وإنما كمان لمتلقيها، فنلاقي في المادة 24 عقوبة بالحبس لكل من أهان بالإشارة أو القول أو التهديد مقدم الخدمة الطبية أثناء تهدية مهنته، وده دفع المبادرة المصرية للحقوق الشخصية للتساؤل عن ليه تتم العقوبة بالسجن على اعتداء لفظي؟ ليه لم يتم التمييز بين الاعتداء اللفظي والاعتداء الجسدي؟
- احنا بنتمنى إن الحكومة ورجالها في البرلمان يتوقفوا عن فرض أفكارهم بدون ما يتوقفوا قليلا للاستماع والإنصات للمهنيين والحقوقيين والمختصين في مختلف المجالات، لأن ده هيوفر على الدولة والمجتمع وقت وجهد كتير جدا بيضيع بسبب محاولة فرض أفكار الحكومة المحدودة على المجتمع.
https://x.com/AlmasryAlmawkef/status/1869025646011150514

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.