الخميس، 16 يناير 2025

50 وفاة في السجون خلال 2024.. فلسفة الرئيس تحاصر كل شيء

الرابط

**50 وفاة في السجون خلال 2024.. فلسفة الرئيس تحاصر كل شيء **
- إمبارح الاثنين، نشرت "المفوضية المصرية للحقوق والحريات"، تقرير عن تردي أوضاع أماكن الاحتجاز في مصر، بعنوان "فلسفة عقابية حديثة قديمة" ضمن حملتها "لا تسقط بالتقادم - خريطة التعذيب".
- التقرير بيرصد فيه كتير من الانتهاكات بحق السجناء، ما بين الحبس الإنفرادي والتضييق على السجناء ومرازية الأهالي في الزيارات مع إجراءات تعسفية أخرى تتوجها في النهاية بتصاعد أعداد الوفيات داخل الأقسام والسجون، ووثقت 50 حالة وفاة خلال 2024.
***
انتهاكات مختلفة
- أول الانتهاكات وفقًا للتقرير، كان تحول الحبس الإنفرادي من إجراء احترازي محدود إلى نمط متكرر، وضربت المثال بالدكتور عبد المنعم أو الفتوح اللي بيتعرض معزول في زنزانة ضيق وبظروف غير آدمية من 2018، بالإضافة لعدد من قيادات الإسلام السياسي.
- الحقيقة السجون بالشكل دا مش بتتحول لمؤسسة عقابية فقط، ولكن مؤسسة للانتقام والتعسف، يعني مثلًا لو كان فيه مكان يسمح باحتجاز كل سجين أو معتقل في زنزانة انفرادية كان ممكن نشوف دا بيحصل.
-  ليه؟ لأنه اللي مصلحة السجون مش عارف ترازيهم بالحبس الإنفرادي بتعاقبهم بوسائل أخرى زي مثلًا الإضاءة القوية على مدار الـ24 ساعة مع مراقبة دائمة للسجناء بالكاميرات لانعدام الخصوصية والأمان الشخصي، اللي المفروض إنهم حق قانوني للسجناء بحيث يكون السجناء دول في حالة نفسية سجينة اتسببت لهم في أزمات نفسية وأمراض وصلت للانهيار العصبي.
-  ودا في مراكز جديدة اللي بتقول الحكومة إنها اتبنت وفقًا لاستراتيجية حقوق الإنسان، وكأن الحكومة تقصد بيها "استراتيجية اللا حقوق"، واللي حولتها لحبر على ورق الرئيس يستخدمه في الدعاية لنفسه ولنظامه.
- أما الواقع فعكس كدا تمامًا، حتى الزيارة اللي بيشوف فيها المسجون أهله، مستمرة فيها الإجراءات الاحترازية المفعلة بعد استئناف الزيارات اللي توقفت لـ6 أشهر في 2020 بسبب وباء كورونا مع استمرارها لحد الآن بلا مبرر.
وكأن مصلحة السجون وجدت فيها  ضالتها في التنكيد على السجناء، ومن بينها الزيارة بحواجز بين السجناء وأهلهم وقصرها على زيارة واحدة شهريًا بدلًا من زيارة أسبوعية للمسجونين احتياطيًا وزيارة كل أسبوعين للمحكوم عليهم، وفقًا لنص لائحة مصلحة السجون.
-  التنكيد مش بس على السجناء ولكن على الأهالي كمان، اللي بيتعرضوا للتعسف في التفتيش أكثر من مرة ومنع دخول كتير من الزيارة سواء وكأن إدارة السجن بتوصلهم رسالة إنه مش بس أبنائهم اللي تحت رحمتهم وتسلطهم ولكنهم هم كمان ودول يعني المفروض إنهم مواطنين أحرار!
- المعاناة دي وصلت لحد وفاة والد سجين في سجن بدر 1 لتعرضه لأزمة قلبية لأن ابنه حاول ينتحر قدامه بسبب الانتهاكات والتضييقات، ووفاة أخت أحد السجناد في وادي النطرون وابنة سجين في المنيا وهم بيعدوا الطريق للسجن.
- وبالرغم من إنه السجناء معندهمش أي أداة للشكوى والاحتجاج غير أجسادهم من خلال إضرابهم عن الطعام، وبتوصل لحد محاولة الانتحار -كما في شكاوى لم يرصدها التقرير-، إلا إن الاحتجاج على الانتهاكات بيواجه بالتغريب والانتقام.
- دا غير انتهاكات أخرى لم يرصدها التقرير، زي منع التريض أو تقليص وقته وعدم تعرض السجناء للشمس أو التهوية ولحد منع الأدوية والرعاية الصحية المناسبة، دا غير انتهاكات أخرى في أقسام الشرطة بما فيها حشر العشرات في غرف ضيقة أو تعريضهم للتعذيب والاعتداءات.
***
الموت كعرض جانبي
- وفقًا للتقرير رصدت المنظمة الحقوقية المصرية 50 وفاة في أماكن احتجاز مختلفة ما بين أقسام الشرطة والسجون، والحقيقة الوفيات دي بالتبعية هي نتاج لكل الانتهاكات المذكورة فوق دي.
- توزيع الوفيات كالآتي: 8 منها في مجمع سجون بدر، 6 في قسم الزقازيق، و5 في مجمع سجون وادي النطرون، و5 في مراكز المنيا للإصلاح والتأهيل، و3 في مراكز العاشر للإصلاح والتأهيل، وفاتان في كل من مركز قوات الأمن في سوهاج وسجن برج العرب وسجن الوادي الجديد. ووفاة واحدة في كل من مجمع سجون أبو زعبل وأقسام شبرا ودمنهور وملوي ومنيا القمح وكفر الدوار وطنطا وأول أسيوط وإمبابة وعتاقة وجرجا وحلوان والأمن الوطني بالشرقية.
- بالرغم من اختلاف أماكن وتوقيات الوفيات، إلا إنه اللجان اللي كل مناسبة تروح تزور السجن وهو متوضب للتصوير، وبالرغم من تصاعد الشكاوى من كل السجون دي وإزاي هي سجون قاسية وظروف الاحتجاز فيها غير إنسانية.
- إلا إنه وزارة الداخلية مفكرتش في لحظة تفتح تحقيق داخلي بل وكل مرة تحصل وفاة أو تخرج شكاوى بتنشر بيان النفي الجاهز، بل والنيابة العامة بقت في حالة تواطؤ غريب مع وزارة الداخلية في تستيف المحاضر وقفل الورق بثغرات بالكوم.
- وكأن الوفيات دي كلها عرض جانبي أو شيء هامشي في طريق الحبس والتعسف والتضييق، لكن عادة الأعراض الجانبية بتكون لهدف علاجي، إنما في الحالة دي هي عرض جانبي للظلم والافترا من أجلهم تحديدًا.
- لأنه بالتأكيد الانتهاكات دي مش بس بتحصل مع المعتقلين السياسيين ولكن الجنائيين، واللي نعرفه منها عادة نتيجة مقدرة السياسيين على الاحتجاج وطلب حقوقهم، ومع ذلك فاللي نعرفه ميجيش حاجة في اللي بيتعرض له المسجونين الجنائيين اللي بيتعرضوا لكل أشكال التعذيب والظلم بدون ما حد يعرف عنهم حاجة.
***
"حكم النفس على النفس وحش"
- حكمة قديمة تكاد تكتب على جدران السجون المصرية
"الله يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء وما حدش بياخد أكثر من نصيبه"
- الرئيس السيسي
- تغيير أسماء السجون إلى "مراكز الإصلاح والتأهيل" مع "إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان"، كان برضه حبر على الورق، لأنه في النهاية المفروض إنه السجن دا فلسفة لإصلاح  "المذنبين" وتأهيلهم للعودة للمجتمع أفراد صالحين.
- لكن ولأن كل شيء يبدأ من السياسة أولًا فتوسعت الحكمة وتحولت لقانون، فالسجون مع توسع النظام في حبس المعارضين وأصحاب الرأي وأي مواطن يرفع صوته، اتحولت فلسفتها إلى "انتقام" من كل من يحرك لسانه طلبًا لحقه، وبقت بالتبعية السجون اللي هي مكان لوضع كل من يطلب حقه وعزله عن العالم هي كمان قائمة على منع الحقوق، ومكان للإثبات الحرفية لـ"حكم النفس على النفس".
- طبعا المفروض نقول هنا إن كل دا نتيجة مباشرة لغياب الرقابة وتهميش المؤسسات الرقابية والمحاسبية واللي هي في حالتنا القضاء والنيابة العام، لكن للأسف الموضوع تخطى دا بتحويل القضاء من مكان للعدالة إلى مكان للتواطؤ والمشاركة في منع المواطنين من طلب حقوقهم.
- كل دا ليه؟ علشان فيه مجموعة من الأشخاص في الدولة المصرية علشان تحمي مصالحها وكراسيها وربما البيزنس بتاعها بتكرس لشكل جديد من الدولة والمجتمع، بدل ما يقولوا يا حيطة داريني زي فاسدين سابقين، بيقولوا "حقنا نورث البلد ومن عليها لأنه ربنا هو اللي اداها لنا، وإذا كان عاجبكم".
- النوع دا من القناعة المفروض إنه انتهى في عصر الدولة الحديثة، بل والنظام دا نفسه المفروض إنه جاي على أنقاض جماعة حاولت تستخدم الدين في السياسة لتبرير استئثار مصلحتها على حساب البلد، ودا فيه تطويع لفلسفة الإرادة الإلهية مش كدافع للزهد كما في العصور الوسطى، لكن كفعل محايد يشكل حسب أهواء ونظرة الأشخاص دول لنفسهم في المطلق، ولأنهم عملوا كتير علشان محدش يحاسبهم فالبتبعية مش هيحاسبوا نفسهم أو يراجعوها.
- خطر دا مش في إعادة الدولة للوراء قرون طويلة، لكنه كذلك بيفقد المجتمع ميزاته التطورية كمجتمع حديث، وبالتالي هيفقد المجتمع مش بقى ثقته في الدولة، ولكن في المنطق الحداثي كله، وبالتالي هتتحول فلسفة الرئيس إلى فلسفة لكل مواطن بإنه الصعود يتطلب استخدام قانون النظام نفسه وبالمبرر الجاهز بتاعه، ودا هيخلي المجتمع بأكمله مش بلا قانون، ولكن مجتمع غير مديني من الأصل.
***
- وحتى لا يحدث كل هذا، نريد دولة حديثة يحكمها قانون ودستور فيها مصلحة المجتمع كله فوق أي مصلحة شخصية مهما كانت هي إيه ولمين وإيه مبررها!
- دولة لما يقول مسجون واحد إنه اتعرض لظلم وتنكيل وبيعاني في سجنه، النيابة ومصلحة السجون يفتحوا تحقيق رسمي يؤدي إلى قضية يتولاها قاضي مستقل تحت رقابة مجتمعية يؤديها منظمات المجتمع المدني بلا حصار أو تجاهل.
**
#الموقف_المصري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.