زاوية ثالثة
سوق الأدوية منتهية الصلاحية في مصر.. تجارة سرية تهدد حياة الملايين
وسط الأزمة الاقتصادية وارتفاع أسعار الدواء، تزدهر في مصر تجارة الأدوية منتهية الصلاحية، حيث تُباع في الأسواق الشعبية، الصيدليات غير المرخصة، وعبر الإنترنت بأسعار أقل، دون رقابة أو محاسبة.
ضحايا في مواجهة الخطر
رانيا (24 عامًا) دفعت 1200 جنيه مقابل مستحضرات تجميل وأدوية للعناية بالبشرة، اشتُريت عبر إعلان على فيسبوك، لكنها فوجئت بأنها منتهية الصلاحية منذ أكثر من عام، لتبدأ معاناة صحية انتهت بتجاهل البائع وحظرها من التواصل معه. أما شيماء، فاكتشفت بعد شراء دواء أركاليون من صيدلية بسعر أقل من المعتاد أنه منتهي الصلاحية منذ عام، وعندما واجهت البائع، تبين أنه ليس صيدليًا، بل مجرد مساعد بلا ترخيص. بعد شهور، كادت تتكرر الكارثة مع طفلها، حيث كُشف أن المضاد الحيوي الذي اشترته من صيدلية أخرى منتهي الصلاحية منذ ستة أشهر!
نشاط غير شرعي عبر الإنترنت
رصدت زاوية ثالثة انتشار تجارة نشطة للأدوية منتهية الصلاحية عبر مجموعات على فيسبوك مخصصة لتداول هذه الأدوية، إلى جانب صفحات وحسابات تابعة لكيانات مجهولة تدّعي العمل في مجال الدواء، مثل لايف فارم، الحمد فارما، المصطفى، أوفرسيز لتبديل الإكسبير. ينشر مندوبو هذه الكيانات، إضافة إلى حسابات مجهولة، منشورات داخل مجموعات خاصة بالصيدلة وتجارة الأدوية في مصر، يعرضون فيها شراء عبوات ألبان الأطفال، والمكملات الغذائية، ومستحضرات التجميل، والأدوية التالفة التي ترفض شركات التوزيع استرجاعها. يتم ذلك مقابل استبدالها بمنتجات أخرى، مثل المنشطات الجنسية (الفياجرا، إريك، فايركتا، نابي فيت) أو مستلزمات صيدلية (سرنجات، فرش أسنان)، إضافة إلى أدوية شائعة مثل (بنادول، كتفلام، باي ألكوفان، ديكسا، زوركال، أوبلكس، فوار فواكه، أقراص استحلاب، فيتاسيد ج).
صفقات غير قانونية بين الصيادلة والمندوبين
ورغم رفض بعض الصيادلة لهذه العروض وتحملهم الخسائر المادية الناجمة عن إعدام الأدوية منتهية الصلاحية، فإن آخرين يتجاوبون مع المندوبين، ويبرمون صفقات لبيع هذه الأدوية بخصومات تصل إلى 75% أو استبدالها بمنتجات أخرى. بعضهم يبحث داخل مجموعات الصيدلة عن مشترين لهذه الأدوية، إما مقابل مادي بعد تخفيض كبير، أو لاستبدالها بمنتجات تدر ربحًا للصيدلية.
أصوات من داخل القطاع الصيدلي
تقول الصيدلانية هناء محمد لـزاوية ثالثة إن شركات توزيع الأدوية تسترجع فقط 1% من قيمة المسحوبات الشهرية للصيدليات، مع اشتراط أن تكون العبوة كاملة، مما يدفع الصيادلة إلى تقليل مشترياتهم تجنبًا للخسائر. كما يحاول بعضهم بيع الأدوية القريبة من انتهاء الصلاحية كبدائل لأدوية مطلوبة بشدة. أما الأدوية التي لا يمكن تصريفها، فيتم التخلص منها بإلقائها في القمامة، أو بيعها لمندوبين يعرضون شراءها بخصومات كبيرة أو استبدالها بمنتجات أخرى.
سوق سوداء بمليارات الجنيهات
يقول علي عوف، رئيس شعبة الأدوية، إن مصانع غير مرخصة تشتري الأدوية الفاسدة من الصيدليات، تعيد تغليفها، وتطرحها مجددًا للبيع. بعض هذه المصانع تتلاعب بأدوية حساسة، مثل أدوية الأورام، حيث تُزال التواريخ القديمة وتُطبع تواريخ جديدة. ويُقدَّر حجم هذه التجارة بنحو 3 مليارات جنيه، في ظل غياب استرجاع الشركات لأدويتها منتهية الصلاحية منذ سبع سنوات.
تدخل رسمي.. لكن إلى أي مدى؟
في يناير الماضي، ضبطت هيئة الدواء المصرية بالتعاون مع الأجهزة الأمنية كميات من الأدوية الفاسدة التي تُباع في الأسواق الشعبية، من بينها وكالة البلح وسوق الجمعة. بعد انتشار صور لهذه الأدوية على مواقع التواصل، شنت الهيئة حملات مكثفة، صادرت خلالها 700 عبوة دوائية ومستحضر طبي غير مسجل أو منتهي الصلاحية، مع تحرير ستة محاضر ضد المخالفين.
كيف تزدهر التجارة المحظورة؟
يقول محمود فؤاد، المدير التنفيذي للمركز المصري لحماية الحق في الدواء، إن نفوذ شركات الأدوية يمنع استرجاع المنتجات المنتهية، إذ ترفض الشركات استرداد الأدوية بحجة نقص الشرائط أو غياب الفواتير، ما يدفع الصيدليات إلى بيعها بطرق غير مشروعة. ويكشف أن 80 ألف صيدلية تعمل في مصر، بينها 15 ألفًا مملوكة لأشخاص لا ينتمون للمهنة، وهؤلاء يسعون فقط للربح، مما يدفعهم إلى بيع الأدوية التالفة إلى عصابات متخصصة، تُعيد تغليفها وتوزيعها مجددًا.
ضحايا الإهمال
يحذر فؤاد من أن تجارة الأدوية الفاسدة تسببت في وفاة 13 مواطنًا عام 2022، مشيرًا إلى أن المركز تلقى شكاوى من مستهلكين اكتشفوا أدوية منتهية الصلاحية تُباع علنًا في الأسواق الشعبية.
تحركات رسمية ومبادرات حكومية
حاولت هيئة الدواء المصرية معالجة الأزمة بإصدار قرار في فبراير الماضي، يلزم المنشآت الطبية بإعادة الأدوية التالفة إلى الشركات الموردة، ومنع إعدامها دون إجراءات قانونية. كما أطلقت الهيئة مبادرة جديدة لسحب الأدوية المنتهية من الصيدليات، لكن لا تزال فعاليتها قيد الاختبار.
حلول مؤجلة أم غائبة؟
يؤكد د. إسلام عنان، أستاذ اقتصاديات الدواء، أن خطورة الأدوية الفاسدة لا تقتصر على فقدان الفعالية، بل قد تتحول بعض المركبات إلى مواد سامة، خاصة المضادات الحيوية. ويشدد على أهمية التخلص منها بطريقة آمنة، بدلًا من إلقائها في القمامة أو تركها تصل إلى السوق السوداء.
وفي ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، يضطر كثيرون إلى شراء الأدوية من الأسواق الشعبية أو عبر الإنترنت، دون التحقق من مصدرها. ومع استمرار هذه الممارسات، تبقى صحة الملايين رهينة تجارة غير شرعية، تزداد انتشارًا في غياب حلول جذرية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.