زاوية ثالثة
رأس الحكمة بين الهدم والاستثمار.. كيف يقود كامل الوزير معركة الإخلاء وسط احتجاجات الأهالي؟
في الثاني من مارس الجاري، تفاجأ أهالي رأس الحكمة بزيارة كامل الوزير، نائب رئيس مجلس الوزراء، برفقة محافظ مطروح اللواء خالد شعيب، ومسؤولين بوزارة النقل، لتنفيذ إزالة واسعة للمنازل تحت حراسة أمنية مشددة، باستخدام الجرافات، تمهيدًا لتسليم الأراضي للمستثمرين ضمن مشروع مدينة رأس الحكمة العقاري، الذي يأتي في إطار صفقة استثمار إماراتية بقيمة 35 مليار دولار، أُبرمت في فبراير 2024.
الواقعة أثارت موجة غضب بين الأهالي، الذين رفضوا الخروج من منازلهم دون تعويضات عادلة تعكس القيمة السوقية الفعلية لأراضيهم. بينما تصر الحكومة على تسليم المنطقة للمستثمرين وفق رؤيتها، مما أدى إلى اشتباكات محدودة بين بعض الأهالي وقوات الأمن، كما أظهرت مقاطع فيديو متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي.
الوزير للأهالي: "الإخلاء قادم"
لم تكن هذه التحركات مفاجئة تمامًا، ففي منتصف فبراير الماضي، عقد كامل الوزير اجتماعًا مع الأهالي وأبلغهم أن "الإخلاء الكامل سيبدأ في ثاني أيام رمضان"، ضمن المرحلة الأولى من المشروع. إلا أن الأهالي تمسكوا بمنازلهم، مؤكدين أنهم يمتلكون وثائق وعقود ملكية مسجلة قانونيًا، ما جعل المواجهة بين الطرفين حتمية.
تعويضات زهيدة.. ورفض حكومي للتفاوض
رغم محاولة الحكومة إضفاء طابع قانوني على عمليات الإخلاء، فإن العروض المالية المقدمة للأهالي كانت أقل بكثير من القيمة الحقيقية للأرض، إذ بلغ التعويض 300 ألف جنيه للفدان، بينما تصل قيمته السوقية إلى أكثر من مليون جنيه، فيما تراوح تعويض المتر السكني بين 2000 و5000 جنيه فقط.
يؤكد "إسلام"، وهو أحد الأهالي الذين حضروا المفاوضات مع الحكومة، أن "الأهالي لا يعارضون مشاريع التطوير، لكنهم يريدون تعويضًا عادلًا يضمن مستقبلهم"، مضيفًا أن "الحكومة تحاول فرض واقع جديد بالقوة دون مراعاة أصحاب الأرض الأصليين".
أما "سليم"، أحد المتضررين، فيقول لـ"زاوية ثالثة" إن "منزله هُدم منذ شهر، لكنه لم يتلقَّ أي تعويض حتى الآن، رغم وعود الحكومة المستمرة"، مؤكدًا أن "هذا التباطؤ يزيد من فقدان الثقة بين السكان والمسؤولين".
إخلاء قسري أم تطوير؟
يرى طلعت خليل، المنسق العام للحركة المدنية وعضو المجلس الرئاسي لحزب المحافظين، أن ما يحدث في رأس الحكمة ليس مجرد تطوير، بل "تهجير قسري" يُنفذ بطريقة ممنهجة، مشيرًا إلى أن الحكومة لا تمنح الأهالي خيارًا سوى القبول بتعويضات غير عادلة أو الخروج بالقوة.
ويضيف خليل: "ما يحدث في رأس الحكمة تكرر سابقًا في جزيرة الوراق، ومنازل الدائري، ومناطق أخرى، حيث تُنتزع أراضي المواطنين وتُمنح لمستثمرين أجانب بحجة التنمية"، مشددًا على أن "القوانين والمواثيق الدولية تحظر مثل هذه الإجراءات دون تعويضات عادلة واتفاق مسبق مع السكان".
أما مالك عدلي، المحامي الحقوقي ومدير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فيرى أن الدولة أساءت استخدام قوانين نزع الملكية للمنفعة العامة، حيث يتم تطبيقها لصالح المستثمرين دون مراعاة حقوق الأهالي، مؤكدًا أن "المفترض أن تكون عمليات الإخلاء بهدف بناء مرافق حيوية تخدم المجتمع، لا مجرد مشاريع عقارية واستثمارية".
"شمس الحكمة".. السكن البديل لا يرضي الأهالي
في محاولة لتخفيف الغضب الشعبي، أعلنت الحكومة عن إنشاء منطقة سكنية بديلة تحت اسم "شمس الحكمة"، حيث يجري العمل على تنفيذ البنية التحتية. لكن كثيرًا من الأهالي يرون أنها لا تعوضهم عن منازلهم وأراضيهم المطلة على البحر، خاصة أن المشروع لم يكتمل بعد، ولا توجد ضمانات واضحة بشأن المساكن البديلة.
رأس الحكمة.. صفقة الإمارات المثيرة للجدل
تعود خلفية الأزمة إلى الصفقة التي وقعتها مصر مع الإمارات في 2024، والتي منحت "إيه. دي. كيو القابضة" التابعة لحكومة أبوظبي حقوق تطوير رأس الحكمة مقابل 24 مليار دولار، إضافة إلى تحويل 11 مليار دولار من الودائع الإماراتية إلى استثمارات طويلة الأجل. ومن المقرر أن تتحول رأس الحكمة إلى وجهة سياحية فاخرة تضم فنادق راقية، مرافئ يخوت، ومناطق ترفيهية، في مشروع استثماري ضخم تحتفظ الحكومة المصرية بنسبة 35% منه.
غياب الشفافية في عقود الاستثمار
رغم حديث الحكومة عن الفوائد الاقتصادية للمشروع، فإن تفاصيل الصفقة لا تزال غامضة، ولا يعرف المواطنون طبيعة الاتفاق الحقيقي، وهل هو بيع للأراضي أم حق انتفاع أم شراكة استثمارية؟
يقول طلعت خليل: "أصبحنا في مصر لا نعرف شيئًا عن هذه المشروعات الكبرى، الحكومة تتعامل بسياسة الأمر الواقع، والمواطنون يُجبرون على الرحيل دون ضمانات حقيقية".
التصعيد مستمر.. والأهالي يرفضون الخروج
مع استمرار عمليات الإخلاء، يؤكد الأهالي لـ"زاوية ثالثة" أنهم لن يتركوا أراضيهم إلا إذا حصلوا على تعويضات عادلة، مشيرين إلى أن الحكومة تدير الملف أمنيًا بدلًا من اللجوء إلى الحوار والمفاوضات.
هل يتكرر سيناريو الوراق؟
مع تصاعد الاحتجاجات، يطرح التساؤل: هل تتحول رأس الحكمة إلى أزمة جديدة مثل جزيرة الوراق؟، خاصة أن الأهالي ما زالوا متمسكين بأرضهم، رغم الضغوط الأمنية، ويطالبون بمراجعة الاتفاقات الحكومية لتكون أكثر عدالة.
في ظل غياب الحلول المرضية حتى الآن، تبقى الأزمة مفتوحة على سيناريوهات عدة، بين استمرار التوتر أو التوصل إلى تسويات عادلة، بينما تواصل الحكومة تنفيذ رؤيتها، وسط احتجاجات الأهالي وغياب الشفافية حول مستقبل المشروع.
الرابط https://x.com/zawiaa3/status/1897977112717402398

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.