الجمعة، 21 مارس 2025

جدل واسع داخل أروقة القضاء

 

جدل واسع داخل أروقة القضاء


أثارت حركة الترقيات الأخيرة بمجلس الدولة المصري موجة من الجدل داخل الأوساط القضائية، بعد أن أظهرت فجوة واضحة بين ترقيات قضاة المجلس ونظرائهم في الهيئات القضائية الأخرى، مثل النيابة العامة، وهيئتي النيابة الإدارية وقضايا الدولة.

هذه الحركة، التي تُعد الأكبر في تاريخ مجلس الدولة، شملت ترقية 1754 عضوًا، من بينهم 341 إلى درجة نائب رئيس مجلس الدولة، و329 إلى درجة وكيل مجلس الدولة، إضافة إلى ترقيات أخرى شملت مختلف الدرجات الوظيفية. وعلى الرغم من أنها خطوة تعزز من استقرار المجلس داخليًا، إلا أنها عمّقت الإحساس بالتمييز بين القضاة في الجهات المختلفة، وهو ما أثار انتقادات واسعة، خاصة في ظل وجود قانون يلزم بتقليل الفجوات الوظيفية بين أعضاء الجهات القضائية خلال عشر سنوات من إقراره في 2021.

 فجوة الترقية.. أكثر من 10 سنوات بين القضاة

كشف تحليل حصري أجراه مجموعة من المستشارين والقضاة في جهات قضائية مختلفة لـ"زاوية ثالثة" أن أعضاء مجلس الدولة يحصلون على الترقيات بوتيرة أسرع مقارنة بنظرائهم في القضاء العادي، حيث يصل عضو مجلس الدولة إلى درجة نائب رئيس المجلس عند سن 37 أو 38 عامًا، في حين لا يصل القضاة في الهيئات الأخرى إلى درجات مماثلة إلا بعد عقد من الزمن، أي عند سن 47 أو 48 عامًا.

هذا التفاوت لا يقتصر فقط على الترقيات، بل يمتد إلى الامتيازات المالية والمزايا الإدارية، ما أدى إلى حالة من الاستياء بين القضاة، الذين يشعرون بأن العدالة الوظيفية داخل المنظومة القضائية المصرية باتت مختلة.

 رئيس محكمة يتحدث عن "الظلم الوظيفي"

أحد القضاة الذين تأثروا بهذه الفجوة، وهو رئيس محكمة (أ)، طلب عدم ذكر اسمه، تحدّث لـ"زاوية ثالثة" عن تجربته مع التفاوت في الترقيات. القاضي، الذي كان من أوائل دفعته في كلية الحقوق عام 2011، التحق بمجلس الدولة عام 2012، لكنه انتقل إلى النيابة العامة في 2013 بناءً على رغبة والده. اليوم، وبعد 12 عامًا من العمل، يجد نفسه في درجة رئيس محكمة (أ)، بينما زملاؤه الذين استمروا في مجلس الدولة قد وصلوا إلى درجة وكيل مجلس دولة، وهي درجة تعادل مستشارًا بمحكمة النقض أو نائب رئيس محكمة استئناف.

"الأمر لا يتعلق فقط بالمسمى الوظيفي"، كما يقول القاضي، "بل يمتد إلى الرواتب، الأعباء الوظيفية، وساعات العمل. نحن نعمل بلا توقف، بينما يتمتع زملاؤنا في مجلس الدولة بجداول عمل أقل ضغطًا، ومقرات قريبة من منازلهم".

ويضيف أنه حين اكتشف حجم الفجوة بينه وبين زملائه السابقين في مجلس الدولة، شعر وكأنه خسر سنوات من عمره المهني. "نصوص الدستور التي تنص على المساواة بين القضاة لا يتم العمل بها"، يؤكد القاضي، مشيرًا إلى أن مجلس الدولة أصبح كيانًا منفصلًا داخل السلطة القضائية، يتمتع بامتيازات تفوق تلك الممنوحة لقضاة المحاكم العادية.

 الانتدابات الخارجية.. مصدر آخر للتمييز

لم يتوقف القاضي عند مسألة الترقيات فقط، بل كشف عن امتيازات مالية إضافية يتمتع بها أعضاء مجلس الدولة، حيث يُنتدبون إلى جهات إدارية خارجية تمنحهم ما يعادل 100% من رواتبهم، أي ضعف ما يحصل عليه القضاة في الجهات الأخرى.

ويطرح القاضي تساؤلات حول مدى تعارض هذه الانتدابات مع مبدأ الحياد القضائي: "كيف يمكن لقاضٍ إداري أن يفصل في قضية تخص جهة إدارية هو نفسه منتدب بها؟ أليس ذلك إخلالًا باستقلال القضاء؟".

كما انتقد تجاوز مجلس الدولة لنص المادة الثامنة من قانون المجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية، والتي تلزم بتقليل الفجوة في الترقيات خلال عشر سنوات من صدور القانون في 2021، قائلًا: "مجلس الدولة ضرب بهذه المادة عرض الحائط، واستمر في منح أعضائه ترقيات متسارعة دون أي اعتبار لمبدأ التوازن الوظيفي".

 "القضاء الموحد".. حل أم تهديد؟

في ظل هذه الأزمة، يطرح البعض حل "القضاء الموحد"، وهو نموذج معمول به في عدة دول متقدمة، يقوم على دمج الهيئات القضائية المختلفة تحت مظلة واحدة، مع الحفاظ على التخصصات داخل هذا النظام الموحد.

المستشار محمد ناجي دربالة، نائب رئيس محكمة النقض السابق، أكد لـ"زاوية ثالثة" أن هذا النموذج قد يكون الحل الجذري لمعالجة التفاوت في الترقيات والمخصصات المالية، موضحًا أن نظام القضاء الموحد معمول به في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، كما بدأت دول عربية مثل المغرب وتونس في اتخاذ خطوات في هذا الاتجاه.

لكنه أشار إلى أن هذا الطرح قوبل بمقاومة من بعض الجهات القضائية، خاصة مجلس الدولة، حيث أن توحيد الجهات القضائية قد يؤدي إلى فقدان بعض الامتيازات التي يتمتع بها أعضاء بعض الهيئات دون غيرهم.

زاوية ثالثة

https://x.com/zawiaa3/status/1902085105553961354

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.