حتى القوات الجوية شاركت فى خراب مصر ضمن إطار غنيمة واسلاب عسكرة البلاد
في تحرك جديد يُرسّخ دوره المتصاعد داخل القطاع الزراعي، استحوذ جهاز "مستقبل مصر للتنمية المستدامة" التابع للقوات الجوية، على "الشركة العربية لاستصلاح الأراضي"، إحدى أقدم شركات استصلاح الأراضي التابعة لوزارة الزراعة.
الجهاز اشترى ما يقرب من 90% من أسهم الشركة، المملوكة للشركة القابضة لاستصلاح الأراضي وأبحاث المياه الجوفية، ولكن اللافت أن قيمة الصفقة جاءت أقل من القيمة السوقية للشركة في البورصة، ضمن خطة وُصفت بأنها "إعادة هيكلة" أو "استحواذ بسعر رمزي"، إذ قدرت الصفقة بنحو 23 مليون جنيه، في حين تمتلك الشركة أصولًا تصل قيمتها إلى 286 مليون جنيه.
لكن هذه الخطوة ليست استثناءً، بل امتدادًا لتوسعات الجهاز المتسارعة في الأنشطة الزراعية المصرية، بعد أن بات مسؤولًا عن أكثر من 2 مليون فدان، وتولى ملفات حيوية مثل استيراد القمح والبيض من الخارج.
في هذا التقرير، يقدم "صحيح مصر" قراءة رقمية لصفقة الاستحواذ على شركة تتجاوز أصولها 300 مليون جنيه، ولماذا لم تكن مجرد صفقة مالية بل فصلًا جديدًا في هيمنة متنامية.
عملية انتقال للملكية وليست بيع
في الصفقة التي كشفت عنها البورصة المصرية، قبل ثلاثة أيام، حُدد سعر بيع سهم الشركة بـ5 جنيهات فقط، وفقًا لما يعرف بـ"القيمة الدفترية لسعر السهم"، وهي القيمة المحاسبية وفقًا لرأسمال الشركة المدفوع البالغ 26 مليون جنيه، في حين بلغت القيمة السوقية لسعر سهم الشركة في البورصة في المتوسط نحو 95 جنيهًا، أي أن قيمة الصفقة جاءت بنحو أقل من 5% من القيمة السوقية لسعر الشركة في البورصة.
والسعر السوقي للسهم، يحدد وفقًا لعملية التداول على أسهم الشركة بالبورصة، إذ ارتفع سعر سهم الشركة خلال العامين الماضيين حتى بلغ في أغسطس الجاري نحو 95 جنيهًا للسهم الواحد.
وبحسب بيان البورصة، جاءت الصفقة ضمن خطة إعادة الهيكلة بالشركة، وذلك لتبرير عملية بيع الشركة بسعر السهم الدفتري وليس السوقي.
ويشرح محلل بالبورصة لصحيح مصر، أن هذه ليست صفقة بيع، لكنها أقرب إلى انتقال ملكية "شركة حكومية" إلى "جهة حكومية أخرى"، معتبرًا أن هذه تعد "صفقة محمية - Block Trade" بمعنى أنه جرى الاتفاق عليها مسبقًا، قبل الكشف عنها للبورصة المصرية لإكمال الإجراءات فقط.
كما أن صفقة البيع بالقيمة الدفترية جنبت مستقبل مصر والعربية لاستصلاح الأراضي من الرسوم والعمولات والضرائب، وهذا استغلال للقانون الذي يُعطي الحق في نقل ملكية الأسهم بالقيمة الدفترية.
الزيادة في سعر سهم الشركة
أجرى صحيح مصر مراجعة لسعر سهم شركة العربية لاستصلاح الأراضي خلال العامين الماضيين، إذ شهدت البورصة زيادة مطردة في سعر أسهم الشركة بنسبة 42% خلال سبتمبر 2024، حيث زاد من 36 إلى 55 جنيهًا للسهم الواحد.
ولم يستقر سعر السهم عند 55 جنيهًا، إذ زاد في يناير 2025 إلى أكثر من 76 جنيهًا، وزاد مرة أخرى حتى في أبريل إلى 107 جنيه، ولكن استقر في أغسطس الجاري عند متوسط سعر 95 جنيهًا.
وخلال تلك الفترة أصدرت الشركة بيانيين توضيحيين للبورصة بسبب ارتفاع سعر السهم خلصت فيه إلى أنه لا يوجد لديها أسباب مبررة لزيادة أسعار السهم سوى أنشطتها المعتادة.
أنشطة الشركة وإيراداتها
تستهدف الشركة الوصول بالإيرادات إلى 192 مليون جنيه خلال موازنة العام الحالي 2025/ 2026، بزيادة 28.5 مليون جنيه عن إيرادات 2024 التي بلغت 163.5 مليون جنيه.
وحققت الشركة صافي أرباح في نهاية 2024 أكثر من 3 ملايين جنيه، وخفضت الخسائر المرحلة على الشركة إلى 3.6 مليون جنيه. إذ حصلت الشركة على مشروعات خلال العام المالي الماضي بقيمة تتجاوز 120 مليون جنيه.
في نهاية العام 2023، بلغ إجمالي أصول الشركة المتداولة وغير المتداولة أكثر من 287 مليون جنيه، وهي قائمة مالية ظهرت للشركة بعد حذف موقعها الإلكتروني.
بلغ عدد العاملين المتواجدين بالشركة 473 عاملًا يتقاضى العامل شهريًا نحو 5887 جنيهًا (121 دولار) بمتوسط راتب سنوي يبلغ 70644 جنيهًا (1448 دولار سنويًا).
من اتحاد المساهمين لمستقبل مصر
وتأسست الشركة العربية لاستصلاح الأراضي بموجب قرار جمهوري رقم 1016 الصادر في 19 مارس 1964، ثم انتقلت ملكيتها إلى هيئة القطاع العام لاستصلاح الأراضي، ثم الشركة القابضة لاستصلاح الأراضي.
وفي عام 1994 بيعت الشركة في إطار سياسة الخصخصة الحكومية في تسعينات القرن الماضي، لاتحاد المساهمين "العمال بالشركة" عملاً بقاعدة توسيع الملكية بقيمة 61 مليون جنيه.
وتبنت الحكومة في تسعينات القرن الماضي ما عُرف بسياسة توسيع قاعدة الملكية، والتي تعتمد على بيع بعض الشركات إلى العاملين، بعد تأسيس العمال اتحاد فيما بينهم يعرف باسم "اتحاد العاملين المساهمين"، وجرى بيع نحو 20 شركة وفقًا لتلك السياسة منهم 5 شركات في قطاع استصلاح الأراضي، وبالفعل تملك العمال الشركات بنسبة 100%.
لكن اتحاد المساهمين لم يستطع سداد قيمة الشركة، فضلاً عن وصول متأخرات الضرائب خلال الفترة بين 1993 إلى 2009 إلى أكثر من 62 مليون جنيه، واضطرت الشركة لبيع بعض أصولها لسداد رواتب العاملين بها.
وفي يناير 2012 عادت الشركة إلى تبعية الشركة القابضة لاستصلاح الأراضي بعد تراكم متأخرات الضرائب والديون التي تجاوزت 100 مليون جنيه.
وأصدر رئيس الوزراء قرارًا برقم 106 لسنة 2012 بعودة الشركة العربية لاستصلاح الأراضي تحت مظلة قطاع الأعمال العام، وفقًا للقانون 203 لسنة 1992، على أن تؤول تبعيتها إلى الشركة القابضة لاستصلاح الأراضي وأبحاث المياه الجوفية التابعة لوزارة الزراعة.
وتملكت الشركة القابضة لاستصلاح الأراضي وأبحاث المياه الجوفية نسبة تقترب من 90% من أسهم الشركة المتداولة في البورصة بعدد يتجاوز 4.6 مليون سهم. وهي النسبة التي انتقلت ملكيتها إلى جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة التابع للقوات الجوية.
توسع دور مستقبل مصر
تأسس جهاز مستقبل مصر قبل نحو ثلاثة أعوام بالقرار رقم 591 لسنة 2022، على أن يتبع القوات الجوية، وبدأ أنشطته بمشروع يحمل نفس الاسم "مستقبل مصر للتنمية المستدامة" لاستصلاح الأراضي.
عبر حسابه على موقع لينكد إن، دون جهاز "مستقبل مصر للتنمية المستدامة"، أنه يهدف "لسد الفجوة في السوق المحلية ما بين الإنتاج والاستيراد"، ولكن بعد عامين من إنشائه أصبح الجهاز يعنى أيضًا بالاستيراد، وليس فقط الإنتاج، وتوسع دوره ليحل في موقع هيئات حكومية ومؤسسات أخرى تابعة للقوات المسلحة.
وخلال تلك الفترة استحوذ جهاز مستقبل مصر على أكثر من 2 مليون فدان، كما توسعت صلاحياته لتشمل استيراد الحبوب والزيوت والبيض بديلا عن هيئة السلع التموينية، علاوة على مشروعات الطاقة الشمسية بشراكة إماراتية بديلا عن وزارة الكهرباء، وتطوير البحيرات بديلا عن هيئة الثروة السمكية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.