الاثنين، 25 مايو 2026

الأفكار المظلمة لمحمد بن زايد هل تدمر خططة للمنطقة؟

 

رابط التقرير

مجلة القارة العظمى

الأفكار المظلمة لمحمد بن زايد هل تدمر خططة للمنطقة؟

تقرير مجلة القارة العظمى «لا غراند كونتيننت» يتناول أخطر تهديد عسكري واقتصادي يواجه أبوظبي منذ عقود: كيف أعادت الصواريخ الإيرانية تشكيل حسابات محمد بن زايد؟


قامت استراتيجية محمد بن زايد بأكملها على فكرة شديدة الوضوح: كان يعتقد أنه قادر على تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط عبر منع ديناميكيتين اعتبرهما قاتلتين لبلاده وللخليج في آن واحد: الإسلام السياسي السني، والتوسع الإيراني. وعلى مدى أكثر من عقد، كان بناء نظام إقليمي جديد هدفه الوحيد احتواء هاتين القوتين.

غير أن هذا البناء بات اليوم أكثر هشاشة بسبب الحرب في إيران، التي تمثل أخطر تهديد واجهته الإمارات منذ عقود، سواء من الناحية الاقتصادية أو العسكرية. ففي مارس وأبريل 2026، أطلقت إيران قرابة ثلاثة آلاف صاروخ وطائرة مسيرة على الإمارات العربية المتحدة، وهو عدد يفوق ما وُجه إلى إسرائيل نفسها. وقد غادر كثير من المقيمين الأجانب والشركات البلاد، من دون أن يكون هناك تصور واضح لعودتهم. وكانت الإمارات قد حاولت ردع ترامب عن مهاجمة إيران، كما منعت الولايات المتحدة من استخدام مجالها الجوي، لذلك شكّلت شراسة الرد الإيراني مفاجأة حقيقية لها. كما تستضيف الإمارات واحدة من أكبر الجاليات الإيرانية في العالم. ومن الصعب اليوم تخيل عودة البلدين إلى حالة “السلام البارد” التي كانت قائمة سابقا.

وبناء على ذلك، يواجه محمد بن زايد مستقبلا بالغ الغموض. فمضيق هرمز لا يزال مغلقا، ورغم امتلاك بلاده خطوط أنابيب برية، يبقى المضيق حيويا لصادرات الطاقة الإماراتية. وإضافة إلى ذلك، تجد الإمارات نفسها في منطقة تتراكم فيها التوترات وتشتعل فيها عدة حروب مفتوحة، بما في ذلك الحرب بالوكالة التي تخوضها في السودان.

لماذا استثمر محمد بن زايد بهذا الشكل في السودان خلال السنوات الأخيرة؟ وكيف يساعد ذلك في فهم الجغرافيا السياسية للإمارات اليوم؟

عندما اندلعت الحرب الأهلية الحالية عام 2023، وقفت الإمارات إلى جانب محمد حمدان دقلو المعروف بـ”حميدتي”. وكان السبب الرئيسي لذلك أن خصم حميدتي، عبد الفتاح البرهان، يُعد حليفا للإخوان المسلمين السودانيين وفصائل إسلامية أخرى. وقد اعتبرت الإمارات البرهان تهديدا أيديولوجيا للمنطقة.

“لطالما كانت الإمارات قوة تجارية تراهن على الحذر. أما محمد بن زايد فقد جعل منها دولة تدخلية.”

روبرت ف. وورث

وفي الوقت نفسه، كانت تربط الإمارات علاقة قديمة بحميدتي، الذي تدير عائلته عمليات ضخمة لاستخراج الذهب وتصديره، قبل أن يُعاد تصنيعه في دبي. وقد أصبحت هذه التجارة الركيزة المالية الأساسية لقوات الدعم السريع التابعة له. وكانت هذه العلاقة ذات أهمية كبرى للإمارات، التي تمتلك استثمارات زراعية هائلة في السودان، إلى جانب استثمارات أخرى واسعة في إفريقيا. وكل ذلك يفسر لماذا كانت الإمارات مستعدة لمواصلة دعم قوات الدعم السريع، رغم اتهامها بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية، إذ كانت مصالحها هناك ضخمة للغاية.

ما الذي يشكل رؤية محمد بن زايد للمنطقة على المدى الطويل؟

لفهم جغرافيا محمد بن زايد السياسية، ينبغي العودة إلى عام 2011. ففي ذلك الوقت، رأى في الربيع العربي بداية انهيار إقليمي مرعب. فالأنظمة التي سقطت تباعا، وصعود الإخوان المسلمين عبر الانتخابات، وازدهار الميليشيات الجهادية في ليبيا وسوريا، وظهور تنظيم الدولة بالتزامن مع تمدد الشبكات المرتبطة بطهران في العراق واليمن، كلها عناصر اعتبرها محمد بن زايد أعراضا لأزمة تاريخية واحدة تهدد بلاده مباشرة.

ولهذا ستتحدد سياساته بأكملها كرد فعل على الربيع العربي، وهو ما يسميه الكاتب “الثورة المضادة لمحمد بن زايد”.

وفي الوقت نفسه، كان يرى أن القوى الغربية لا تدرك حجم ما يجري في المنطقة.

وهذه بالفعل نقطة أساسية. فقد كان محمد بن زايد يلوم باراك أوباما تحديدا على التقليل من تأثير الإخوان المسلمين، وعلى سعيه إلى الانسحاب من الشرق الأوسط في الوقت الذي كانت المنطقة، من وجهة نظره، تدخل مرحلة من الفوضى الشاملة.

مارست الإمارات ضغوطا مكثفة، وأمضت سنوات في تحذير واشنطن من أخطار الإسلام السياسي والنفوذ الإيراني، لكن من دون جدوى. إذ بدا أن الولايات المتحدة تريد الخروج من المنطقة أكثر من رغبتها في المساهمة بإعادة تنظيمها.

هل يفسر هذا الانكفاء الأميركي النشاط الإقليمي المتزايد لمحمد بن زايد، الذي شكّل قطيعة مع السياسة الإماراتية التقليدية؟

لطالما كانت الإمارات قوة تجارية حذرة. أما محمد بن زايد، فقد حوّلها إلى قوة تدخلية. فقد دعم الإطاحة بمحمد مرسي في مصر عام 2013، وتدخل في ليبيا إلى جانب المشير خليفة حفتر، وشارك في الحرب ضد الحوثيين في اليمن، وحارب حركة الشباب في الصومال، وقاد الحصار على قطر. واليوم تنخرط الإمارات في السودان، وتقف مباشرة في مواجهة إيران.

وجميع هذه العمليات تنطلق من منطق واحد: منع ترسخ القوى الإسلامية أو الموالية لإيران في العالم العربي.

هل تضع أبوظبي هذين التهديدين في المستوى نفسه؟

في رؤية محمد بن زايد، ينشأ التهديدان من الظاهرة نفسها: انهيار الدول العربية التقليدية. وهو لا يميز كثيرا بين أشكال الإسلام السياسي المختلفة. فبالنسبة إليه، يسعى الإخوان المسلمون والأحزاب الإسلامية والجماعات الجهادية، بطرق مختلفة، إلى الهدف ذاته: استبدال الدولة الحديثة بنظام سياسي ديني.

لكنكم وثقتم أيضا أنه كان قريبا من هذه الأفكار في شبابه.

لقد تلقى جزءا من تعليمه على يد مدرس مصري ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، وكان متأثرا بهذا العالم الفكري لسنوات. لكنه انتهى إلى قناعة بأن الطموحات السياسية للإخوان لا تتوافق مع بقاء الملكيات الخليجية، وبالتالي مع بقاء أسرته الحاكمة نفسها.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن أحداث 11 سبتمبر 2001 شكلت أيضا نقطة تحول كبرى.

بالفعل. فعندما اكتشف في عام 2001 أن اثنين من الإماراتيين شاركا في هجمات 11 سبتمبر، أطلق عملية إعادة تنظيم شاملة للأجهزة الأمنية، شملت مراقبة التدفقات المالية، ومكافحة الشبكات الجهادية، وإعادة صياغة المناهج التعليمية، وتهميش الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة والتعليم.

وغالبا ما يُقدَّم مشروع محمد بن زايد، بخلاف مشروع محمد بن سلمان، بوصفه أكثر براغماتية ويركز على الاقتصاد والأمن. لكن أليس ما تصفونه هنا مشروعا مجتمعيا كاملا؟

من الواضح أن محمد بن زايد يريد بناء نموذج بديل قادر على منافسة الإسلام السياسي. فهو يسعى إلى إقامة نظام استبدادي متقدم تكنولوجيا، فعال اقتصاديا، ومنفتح نسبيا على المستوى الاجتماعي.

ومن أجل تحويل الإمارات إلى “سنغافورة عربية”، أعاد هيكلة البيروقراطية، وطور قطاعات غير نفطية، واستثمر بكثافة في التكنولوجيا، بل حاول إعادة تشكيل المجتمع الإماراتي نفسه عبر الخدمة العسكرية والانضباط الاجتماعي ونوع من القومية التحديثية. وفي مواجهة هذا المشروع الضخم، كانت إيران خصمه الأكبر، لأنها تهدد بنسف كل ما يحاول بناءه. ولسنوات طويلة، اتخذ محمد بن زايد موقفا شديد الصرامة تجاه طهران. وتظهر برقيات دبلوماسية من مطلع العقد الثاني من الألفية أنه كان يحث الأميركيين على عدم انتهاج سياسة مهادنة مع إيران، ويؤكد أن امتلاكها سلاحا نوويا “أمر غير مقبول إطلاقا”.

لكن مع الوقت، بدأ يدرك أن حربا مفتوحة مع إيران قد تدمر بالضبط ما يحاول بناءه: دولة قائمة على الاستقرار والتجارة العالمية والتمويل وصورة الأمان. وكانت الإمارات تدرك تماما مدى هشاشتها أمام أي تصعيد إقليمي واسع، بحكم موقعها الجغرافي.

هل هذا ما يفسر توجهه نحو الدبلوماسية مع إيران منذ 2019؟

هذه نقطة أساسية لفهم الموقف الإماراتي اليوم. فبعدما كان يُنظر إليه كأحد أبرز صقور المواجهة مع إيران في المنطقة، بدأ محمد بن زايد يفتح قنوات أكثر هدوءا مع طهران. وبعد الهجمات على السفن في الخليج وإسقاط الطائرة الأميركية المسيرة عام 2019، خشي من أن تؤدي مواجهة مباشرة بين واشنطن وإسرائيل وإيران إلى إدخال المنطقة كلها في دوامة لا يمكن السيطرة عليها.

لقد قام المشروع المضاد للثورات لدى محمد بن زايد على توازن شديد الدقة: احتواء إيران من دون إشعال حرب شاملة، ومحاربة الإسلاميين من دون تفجير الدول التي يتمددون داخلها، وبناء قوة إقليمية مستقلة مع البقاء تحت الحماية الأميركية. لكن مع إغلاق مضيق هرمز واستهداف الإمارات مباشرة بالصواريخ الإيرانية، أصبح الحفاظ على هذا التوازن أكثر صعوبة.

وثمة مفارقة مريرة بالنسبة لمحمد بن زايد: فالرجل الذي أمضى عشر سنوات في عسكرة المنطقة لمنع انهيارها، يجد نفسه اليوم فوق برميل بارود.

ناهيك عن حدوث قطيعة أساسية مع الولايات المتحدة.

فعلى مدى طويل، كان محمد بن زايد شديد الارتباط بواشنطن. وبعد حرب الخليج الأولى، رأت الولايات المتحدة فيه قائدا مستقبليا: أميرا شابا طموحا، مهووسا بالشؤون العسكرية، ويؤمن بأن بقاء الملكيات الخليجية يعتمد على المظلة الأمنية الأميركية.

وقد استثمر البنتاغون كثيرا في هذه العلاقة، حتى شاع في واشنطن أن محمد بن زايد “صنيعة أميركية” تُستخدم لخدمة أهداف استراتيجية. ويروي مسؤولون أميركيون آنذاك أنهم كانوا يزودونه بكميات هائلة من الوثائق العسكرية الأميركية من أجل دفعه إلى شراء الأسلحة. وهكذا نشأت علاقته الوثيقة بالمؤسسة العسكرية، وبدأ يشتري كميات ضخمة من المعدات الغربية، إلى أن تحولت الإمارات تدريجيا إلى واحد من أكثر الشركاء العسكريين تسليحا للولايات المتحدة في المنطقة.

تتحدثون عن هوسه بالعسكرية. من أين جاء ذلك؟

منذ شبابه، كان محمد بن زايد مولعا بالشؤون العسكرية، وسرعان ما فهم الأميركيون أن ذلك يمثل مدخلا أساسيا لعلاقتهم به.

في مطلع التسعينيات، أخبر محمد بن زايد ريتشارد كلارك، الذي سيصبح لاحقا شخصية مركزية في إدارة بوش، بأنه يريد شراء نسخة متطورة جدا من طائرة F-16 الأميركية كان قد قرأ عنها في مجلة Aviation Week. فأجابه كلارك بأن الطائرة لم تكن موجودة فعليا بعد، وأن الأبحاث والاختبارات لم تكتمل. لكن محمد بن زايد أصر قائلا إنه سيمول بنفسه عمليات البحث والتطوير.

“يسعى محمد بن زايد إلى بناء نظام استبدادي متقدم تكنولوجيا، فعال اقتصاديا، ومنفتح نسبيا اجتماعيا.”

روبرت ف. وورث

وفي النهاية، وبفضل ضغوطه — إذ لم يتردد في التهديد بالتوجه إلى الصين إذا لم يحصل على ما يريد من البنتاغون — حصلت الإمارات على نسخة من الـF-16 أكثر تطورا حتى من تلك التي كانت تستخدمها القوات الجوية الأميركية آنذاك.

وكان محمد بن زايد مقتنعا دائما بأنه قادر على تحويل الإمارات إلى قوة عسكرية رغم صغر حجمها وضعفها الديموغرافي، وهو ما حاول تعويضه بالتكنولوجيا والتدريب والاحتراف. وفي هذا السياق استقدم الجنرال الأسترالي مايكل هندمارش لإعادة تنظيم القوات الخاصة الإماراتية. وكان ذلك معبرا جدا عن أسلوبه: ففي عالم عربي شديد الحساسية تجاه مسألة السيادة العسكرية، وضع أجنبيا على رأس النخبة العملياتية في البلاد. وقد نجح الأمر، لتصبح القوات الخاصة الإماراتية على الأرجح الأكثر كفاءة في العالم العربي بعد إسرائيل.

وكان هذا التقارب مع واشنطن أساسيا لبناء مشروعه المضاد للثورات، لكنه تحول أيضا إلى مصدر خيبة أمل كبرى عندما غيّرت الولايات المتحدة سياساتها بعد 2011.

لماذا؟

لأن محمد بن زايد شعر آنذاك بأن الأميركيين تخلوا عن كل ما دافعوا عنه سابقا. فطوال سنوات، دعمت واشنطن الأنظمة العربية السلطوية باسم الاستقرار، وكانت تعتبر الإخوان المسلمين تهديدا محتملا. ثم فجأة، بعد الثورات العربية، قبلت إدارة أوباما بصعود الإسلاميين إلى الحكم في مصر، وفتحت الباب أمام مفاوضات مع إيران.

وبالنسبة لمحمد بن زايد، كان ذلك تحولا جيوسياسيا كاملا. فقد رأى الولايات المتحدة تدعم — أو على الأقل تتسامح مع — القوى التي يعتبرها الأخطر على مستقبل الشرق الأوسط.

ويُقال إن اللحظة التي شكّلت رؤية فلاديمير بوتين الجيوسياسية كانت سقوط جدار برلين أثناء وجوده ضابطا في الـKGB في دريسدن. أما بالنسبة لمحمد بن زايد، فكانت التجربة المصرية صدمة من المستوى نفسه: فعندما وصل محمد مرسي إلى الحكم عام 2012، اعتبر أن الإخوان المسلمين يسيطرون على أكبر دولة عربية، وإذا نجحوا في مصر فسيمتدون لاحقا إلى كامل المنطقة.

وهنا قرر دعم السيسي.

بالفعل. فقد لعبت الإمارات دورا حاسما في التحضير للإطاحة بمرسي. ويصف دبلوماسيون تورطا إماراتيا واسعا مع الجيش المصري وعبد الفتاح السيسي حتى قبل انقلاب يوليو 2013.

وبالنسبة لمحمد بن زايد، كانت تلك ربما اللحظة التأسيسية الكبرى لمشروعه المضاد للثورات: دولة خليجية صغيرة تسهم في إسقاط رئيس أكبر دولة عربية، وتعيد الجيش إلى مركز السلطة في مصر. لكن هذه اللحظة حملت في الوقت نفسه تناقضات المشروع كله.

بأي معنى؟

لقد أعاد السيسي بالفعل النظام السلطوي إلى مصر، لكن بثمن باهظ من القمع. فبعد أسابيع فقط من سقوط مرسي، قتلت القوات المصرية مئات المتظاهرين المؤيدين للإخوان في القاهرة، ثم توسعت حملة القمع لتشمل الليبراليين والنشطاء الديمقراطيين وقطاعا واسعا من المعارضة السياسية.

وهكذا، بينما منع محمد بن زايد انزلاقا إسلاميا، ساهم أيضا في إعادة إنتاج أنظمة أمنية شديدة القسوة في المنطقة. وهذه الديناميكية التي ستتكرر لاحقا في أماكن أخرى، ستقوده إلى مسار بالغ الخطورة.

هل تقصدون ليبيا؟

تحولت ليبيا إلى مختبر آخر لسياسة محمد بن زايد المضادة للثورات. فقد دعمت الإمارات خليفة حفتر لأنها رأت فيه رجلا قويا قادرا على سحق الميليشيات الإسلامية وإعادة بناء دولة مركزية. لكن الأمور خرجت تدريجيا عن السيطرة. فقد خرقت الإمارات حظر السلاح الأممي، وبنت قاعدة جوية سرية في شرق ليبيا، وأسهمت بشكل غير مباشر في حرب أهلية طويلة. وهنا بدأ حتى بعض الدبلوماسيين الأميركيين المتعاطفين مع محمد بن زايد يشعرون بالقلق من تدخله المفرط، معتبرين أنه يظن بإمكانه “إدارة” المجتمعات العربية من الخارج عبر التخلص من الجهات التي لا تعجبه.

وهنا تظهر إحدى أبرز نقاط الضعف في رؤيته: فهو يتعامل مع الشرق الأوسط بوصفه مجرد مشكلة هندسة أمنية يمكن حلها بالتكنولوجيا والسلاح، بينما أصبحت النزاعات الإقليمية أكثر فوضوية بكثير مما توقع.

واليمن يمثل المثال الأوضح. فما كان يفترض أن يكون عملية سريعة تحول إلى كارثة إقليمية هائلة. فعندما تدخلت السعودية والإمارات ضد الحوثيين عام 2015، اعتقد كثيرون أن الحرب ستستمر أسابيع أو أشهرا فقط، لكنها استمرت سنوات. وكان اليمن جزءا أساسيا من المنظومة المضادة لإيران: فقد أراد محمد بن زايد منع طهران من تثبيت قوة حليفة لها جنوب الجزيرة العربية، قرب طرق الملاحة الخليجية. لكن الحرب أنتجت نتائج كارثية: دمار واسع، مجاعة، انهيار صحي، وتفكك سياسي. والأهم أنها كشفت حدود القوة الإماراتية. فأبوظبي تمتلك جيشا متقدما تكنولوجيا، وقوات خاصة فعالة، وموارد مالية ضخمة، لكنها لم تتمكن، مثل غيرها من القوى الإقليمية، من تحقيق استقرار دائم في بلد عربي غارق بالحرب.

لماذا يثير محمد بن زايد إعجاب بعض القادة الغربيين؟

لأنه يبدو قائدا منهجيا، شديد الانضباط، استراتيجيا، مهووسا بالتحديث وقادرا على التفكير البعيد المدى. فعند مقارنة الإمارات بسوريا أو ليبيا أو حتى مصر، تبدو الدولة مستقرة بشكل لافت، فعالة، ومتجهة نحو المستقبل. وكثير من الشباب العرب يفضلون العيش في دبي أو أبوظبي على أي مكان آخر في المنطقة. وكان البنتاغون يعتبره لفترة طويلة الحليف الأكثر موثوقية في الخليج. حتى إن جيمس ماتيس شبّه الإمارات بـ”أثينا وإسبرطة” معا: دولة حديثة ومزدهرة، لكنها شديدة العسكرة في الوقت نفسه.

ويبدو أن محمد بن زايد منشغل فعلا بفكرة التحول المجتمعي.

وهذا ربما ما يميزه أكثر من غيره من قادة المنطقة. فهو لا يريد فقط حماية نظامه، بل يسعى إلى إنتاج نموذج جديد للمجتمع العربي. ويرى أن الريع النفطي خلق مجتمعات سلبية، اتكالية، قليلة الانضباط، وعرضة للأيديولوجيات الدينية. ولذلك يقوم جزء كبير من مشروعه على تشكيل مواطنين أكثر صلابة وقومية وعسكرية وكفاءة.

وفي أحد أيام عام 2013، استدعى ريتشارد كلارك، المسؤول الأميركي السابق في مكافحة الإرهاب. ركب كلارك سيارة من دون أن يعرف وجهتها، بل بدأ أثناء الطريق يعتقد أنه يتعرض للخطف. لكن السيارة توقفت أمام مبنى تصدر منه أصوات إطلاق نار. وعندما دخل، وجد محمد بن زايد يشاهد بناته وبنات أخيه وهن يتدربن على الرماية داخل ميدان عسكري. ثم قال له إنه يريد فرض الخدمة العسكرية الإلزامية على جميع الشباب الإماراتيين، مضيفا: “كثير منهم بدينون وكسالى”.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.